

.♡.1.♡. مرَّ أُسبوعٌ على وفاةِ مِيرا، لم يحضُر تكرِيمه، لم يذهَب للمدرَسةِ يومًا قط مُذ إذ، الحُزنُ يُشبِهُ ذلكَ اليوم قبلَ عامِين عِندما كانَ مُتحمِّسًا لليومِ الأوَّلِ في مدرَسِته وارتدى البذلة الكُحلية التي اختارتها لهُ والِدَتُه بكُلِّ حُب واشتراها لهُ والِدُه. كانَ يُطيلُ النَّظَرَ نحو المِرآة يبحَثُ عن مواطِنِ الشَّبه بينهُ وبينَ والِديه، عيناهُ الخضراوان كبستانٍ من العُشبِ الأخضَر، لطالما كانَ والِدُه يُقولُ لوالِدَتِه بأنَّ الرَّبيعَ الذي بعينيها يُسكِن فيضانَ عيناه. شعرُه الأشقَر وبنيتُه الضَّخمة نِسبةً لأقرانِه كانَت مِن أبيه. حتى بعدما أخذهُما حادِثُ السَّير، لم ينقطِع عن تِلكَ العادة، كي يرى نفسَه ويرى أحبابه بنفسِه. عِندما أخذهُما الموتُ منهُ عُنوة، كانَ صغيرًا حتى يستوعِبَ حياةً دونَهُما، يرى الوُجوه الواجِمة و يسأل: متى سيأتِي والِداه؟ كم كانَ ساذَجًا حِينَئِذٍ ليتوقَّع بأنَّ والِديه سيخرُجانِ مِن أعماقِ القبر ويُجنِّبانِه فاجِعة الموت، كانَ شقيقُهُ الأكبَر روجَر هو من نقلَ لهُ الخبَر و عاهدهُ بأنَّهُ دائِمًا سيبقى معه، عِندما تسلَّلَ الوعيُ إلى قلبِه انفجَرَ بالبُكاء. و ذاتُ المشهَدِ يعُود بصورَةٍ مُعاكِسة، عدا أنَّهُ لم يستطِع مُواساةِ رُوجَر ولا حمايةَ نفسِه أو سيلينا غضَبه. «زاك!» التفتَ بجزَعٍ نحو شقيقِه الأكبَر، كانَ رجُلًا أشقرَ الشعر ببنيةٍ ضخمة ووجهٍ وسِيم، كانَ وجهُهُ دائِمًا ضاحِكاً مُستبشِرًا الأنَ باتَ واجِمًا كئيبًا: ألم تذهَب إلى المدرسةِ بعد؟ ابتلَعَ ريقه: اليومُ عُطلة... اتسعَت عيناهُ بتعجُّب: اليوم ... يالا العجَب، لم أشعُر بمُرورِ الأيامِ حتى... حُزنٌ خيَّمَ على قلبِ زاك وهمَّ بالمُغادَرة: سأذهَبُ لأتفقَدَ سيلينا... لم يُعلِّق شقيقُه بشيء، في حِينِ قبضَ زاك كفِّيه وهو يكتُمُ غضَبًا يتضخَّمُ بِه شيئًا فشيء و بُخطىً سريعة توجَّه إلى غُرفَتِه حيثُ تقبُع سيلينا. .♡.2.♡. دخلَ غُرفته ووجدَها تُحدِّقُ بالنَّافِذَةِ تُغطِّي وجهها ببطَّانيةٍ بيضاء وخُصلاتٌ كثيفَةٌ مِن شعرِها عجِزَت البطَّانيَّةُ عن إخفائِها. تقدَّمَ نحوها وتصلَّبَ جسَدُه وذِكرى ذلكَ اليومِ تُهاجِمُه. «أبعِد تِلكَ القاتِلةَ عنِّي قبلَ أن أفتعِلَ بِها جريمة!» هزَّ رأسه وهو يُحاوِلُ إبعادَها عن ذِهنِه، كلِماتُ أخيه تجلُدُه كالسِّياط وصوتُه ما زالَ واضِحًا بأسماعِه، صدى صوتِه كُلَّما زال يعُودُ بشكلٍ أقوى. سيلينا المِسكِينة تلقَّت مِنهُ الكثيرَ مِن التأنِيب، لا بل الكثيرَ والكثيرَ من اللوم. جلسَ على طرفِ سريرِها وطرَقَ طرَفَه طرقاتٍ خفيفة فرفعَت الغِطاءَ عنها ودفنَت وجهها بصدرِه: زاك! في تِلكَ اللحظة شعرَ بأنَّهُ فشِلَ فشَلًا ذرِيعًا بحمايةِ براءتِها مِن أن تُخدَش بكلِماتِ أخِيهما الجارِحة. كان يحتضِنُها و يدفِنُ وجهها عن كلِماتِه التي تطعنُ كالسَم وقد نالته كما نالتها. «اشتقتُ إليك!» هو لم يغِب عنها كي تشتاق إليه، كانَ الأمان ما اشتاقَت. بادلها العِناق، بل احتضنَها بشِدَّة، أرادَ أن يخبِّئها بروحِه عن أخيه و عن العالَم، لم يتوقَّف عن ضمِّها حتى قالَت له بهدُوء: زاك، أنا أختنِق! ابعدَها عنهُ بخِفَّة ليرى وجهها بوضوح كانَ وجهُها مُنتفِخًا إثرَ البُكاء، و جسَدُها بدا ذابِلًا بعدَما كانت طِفلةً بدينةً بنظَرِه، كانَ دائِمًا يغارُ مِن تدليلِ زوجَةِ أخيهِ لها والآن آثارُ ذلكَ الدلال قد اختفَت بموتِها. عِندما أُغمي عليها، خافَ بأنَّها لن تستيقِظَ قط، خافَ بأنَّهُ فقَدَها أيضًا. لكِنَّها استيقظَت و عادَت الحياةُ لقلبِه لكونِها بخير، بخير، إنَّما شديدةُ الصمت والشُّحوب ليأتي شقيقُه الأكبَر ويزِيدَ الطِّينَ بلَّةً بكلامِه لتنفجِرَ بالبُكاء. «أخي، هل أنا قاتِلة؟» هُدوءٌ صامِت غزى المكان، وغمرَ قلبَه. كانت نبرَةُ صوتِها بارِدةً كالصقِيع، ليسألها: من قالَ لكِ ذلك؟ سيلينا: روجر. ربَّت على كتِفِها: روجِر كانَ غاضِبًا ليسَ إلَّا، الجمِيعُ يقُولُ أشياءَ غبيةً وهُم غاضِبُون ولا يعنونَ أيًّا مِنها! حِينها اتسعَت عيناها بدهشة: حقًّا؟ كانَ قلبُه سيقفِزُ مِن مكانِه قبلَ أن ينطِقَ بتِلكَ الكِذبة: بالطبع! حِينها عانقته: شُكرًا لك. بادلَها العِناق و قلبُه يتمزَّقُ لأجلِها. هُم هكذا يواسُونَ بعضَهُم بالأكاذِيب و بعدَها يُصدِّقُونها. لتبتسِمَ له: أنا مُتعبة، سأنامُ قليلًا.. أغلَقَ البابَ خلفه وأطلقَ تنهِيدَةً مِن صميمِه. «تأخَّرتَ على العشاء.» رفعَ رأسه ليلمَحَ روجَر يقِفُ أمامَ الغُرفة ليقُول بسُرعة: سيلينا قد نامَت. روجَر بجُمود: لم أسأل عنها. وأكمَلَ طريقه، ولكِن زاك في صميمِه يعلَمُ بأنَّهُ كانَ يسألُ عنها. .♡.3.♡. .◇. قبلَ أُسبوع .◇. عندما دخلَ ذلكَ القصر اعتقدَ كما لو أنَّهُ دخلَ فِيلمًا مِن أيامِ الأبيضِ و الأسوَد، المكانُ مُحاطٌ باللونِ الأبيض والرمادِيِّ والأسوَد ولولا وُجودُ الثُريَّاتِ المُضيئةِ في الأعلى لما استطاعَ الرؤيةَ بالمُطلَق. حتى الخدَم كُنَّ يرتدِين الأبيض والأسوَد، كلا لم تكُن ملابِسُهُن عِبارةً عن فُستانٍ أسوَد ومريَلة بل بذلةً كرُقعةِ الشطرَنج. لم يُدهِشهُ ذلك فالشطرَنج هي القاعِدَةُ التي بُنيَت عليها تِلكَ المملكةُ الشَّامِخة تحتَ حُكمِ عائلةِ فلاديمير. لايوجَدُ شخصٌ على وجهِ هذه الأرض أو حتى المنفى لا يعرِفُ كيفَ يلعبُ الشَّطرَنج، أو يعرِفَ قواعِدها. «هل تُحِبُّ الشطرَنج؟» سأله، فابتسَم: هي حياتي. ابتلعَ رِيقه وهو يتوقَّفُ أمامَ إحدى اللوحات لإمرآةٍ حسناءَ الوجه، حادَّةَ الملامِح، ترتدِي القرمزِي، بدَت اللونَ الوحِيدَ وسطَ تِلكَ الكآبةِ الرمادِيَّة. وقعَت عيناه على لوحاتٍ أُخرى لها بنفسِ الفُستان بألوانٍ مختلفة على مُستوى الممرِّ الطَّويل الذي يقودُ إلى السلالِمَ البيضاء ذات السجَّادة السَّوداء المُذهَّبةِ على الأطراف، عادَ ينظُرُ نحو اللوحاتِ مُجدَّدًا، يبدُو أنَّ المُصوِّرَ يعشَقُ ذلكَ الفُستان كي يُعلِّقَ حوالي ثلاثٍ وثلاثين لوحةً لها به. حِينها لمحَ إحدى الخدَمِ تتجاوَزُه كأنَّهُ غيرُ موجود، كانت تحمِلُ بيدِها شيئًا لم يتبيَّن ما هو حتى توقفَت أمامَ إحدى اللوحات، ليتبيَّنَ بأنَّها أعوادُ ثِقاب! هل ستُحرِقُ اللوحه!؟ سبَقها إلى اللوحة وصاح: سيدتي، أرجوكِ لا تُحرِقيها! حِينها رفعَت المرأةُ عينيها إليه دهشَة وكأنَّها تراه لأوَّلِ مرَّة، التفتت نحو داميان: داميان، ماهذا؟ انكمَشَ لي والذُّعرُ يكادُ ينهشُه حيًّا من كونِه دخيلًا. ابتسَمَ داميان وضمَّ لي ذِراعِيه، من المُؤكَد سيطرُدُه إذا لم يرُق لخدَمِه وجودُه. «إنَّهُ ضيفٌ عندي لفترةٍ يا فيونا، دعينا نُحسِن ضيافتَه.» توهَّجَت عينا فيونا العسليَّتان بفرحٍ جم ما أثارَ رهبَته، من يفرحُ بوجودِه؟! «سأشعِلُ شمعدانِي وبعدها سأبلِّغُ الأخريات، أكمِلا جولتكُما ولا تُلقيا لي بالًا!» أشارَ لهُ داميان باللحاقِ بِه، إلَّا أنَّهُ لم يفعَل، فقد أعادَ أنظارَه نحو اللوحة، عندما أشعلَت الشمعدان فتبيَّنت ملامِحُ المرأةِ في اللوحة بوُضوح، شعرٌ فاحِمُ السواد وعينينِ كالبُن وبشرَةٌ سمراء بنمَشٍ طفِيف. كذلك لاحظَ خُطى أخريات يتقدَّمن مِن أمامِه، بعضُهنَّ يتجاهلنه وأخريات ينظُرونَ إليه كمن رأوا شبَحًا ومع ذلك كُنَّ يُتابِعنَ المشي، كلُّ واحِدةٍ وقفَت أمامَ لوحه و بدأنَ بإشعالِ شموعِهن بشمعدانٍ استقرَّ على طاوِلَةٍ أمامَ اللوحات، وقفنَ لفترةٍ أمامَ اللوحات وكأنَّهُنَّ يُصلِّين وبعدها غادَرن بخُطىً هزَّتهُ مِن الصميم. حِينما غادَرن سقطَ على رُكبتِيه مِن المشهَدِ المهيبِ والغريبِ أمامه ليسمعَ ضِحكةَ داميان أمامه: هل أرهبَكَ المشهَد؟ قلتُ لكَ أن تلحَقَ بي. وقفَ بعجَل: أنا أسِف... نظرَ داميان نحوهُ بإستغراب: على ماذا تأسَف؟ لي بتوتُّر: لم... لم أستقبِل صدمتِي بشكلٍ جيِّد! عقدَ داميان حاجِبيه: كيفَ يُفترَضُ بِكَ أن تستقبِلَ صدمتَك إذًا؟ ضمَّ لي ذِراعِيه: كانَ عليَّ ضبطُ نفسي وعدَمُ إخراجِها... سكتَ داميان لوهله، ليقُولَ حِينها: ستبقى هُنا لفترة لذلك سيتكرَّرُ المشهَدُ أمامَكَ كثيرًا... حِينها ارتجفَت شفتاه، كانَ السؤالُ أقوى مِن أن يكتُمه: لِماذا يفعلُونَ ذلك؟ ليضعَ يدهُ بفمِه وكأنَّهُ نطقَ شهادةَ موتِه في حِينِ حكَّ داميان رأسه وهو يُفكِرُ بأبسَطِ جوابٍ لفتىً في الثانيةَ عشَر: هُنَّ نِساءٌ لم تكُن الحياةُ لطيفَةً معهُن، فزوجَتي طلبَت مِنِّي إعالتهُن مُقابِلَ الزواجِ مِنها ففَعلت، إلَّا أنَّهُم لم يرغَبُوا بالعيشِ تحتَ جناحِي دُونَ فِعلِ شيء، كرَدِّ دين هُم يقُومونَ بخدمتِي... هُنَّ لسنَ خدَمًا، ليسَ حقًّا، هُنَّ عائلتي. لي بحذَر: لا يُوجَدُ خدَمٌ رِجالٌ هُنا... داميان: ولن يُوجَدَ أبدًا. لي بإستغراب: لِماذا؟ لم يُجِبهُ داميان، آخرُ ما يُريدُه هو قتلُ براءةِ طِفلٍ آخر، أشارَ له: هيا، لنأخُذَك لغُرفتِكَ الجديدة. تبِعَهُ بصمت و أدرَكَ لي حِينها بأنَّه قد تجاوَزَ حدَّهُ المسمُوحَ بالأسئِلة. .♡.4.♡. و الأن مضى أُسبوعٌ على بقائِه في ذلكَ القصر وكما توقَّع والِداه لم يسألا عنه أو يُبلِّغا عن فقدِه مما سمِعه، فقد كانَ يذهَبُ للمدرَسةِ ويعُودُ إلى القصر، ولم يسمع أدنى شكوى مِن أساتِذَتِه أو المُدِير عن ما إذا شكى والِداه حضورَه للمدرسة وغيابه عن المنزِل. ما زالَت فترةُ عِقابِهِ قائِمة و مُؤكَدٌ أنَّ والِديه يشعُرانِ براحةٍ مُطلَقة للتخلُّصِ مِن همِّه، ابتسمَ بمرارة، على الأقَل لديهٍما شيءٌ يتَّفِقانِ عليه. «خرجتَ مُجدَّدًا؟» رفعَ رأسه فوجَدَ فيونا إحدى المُتطوِّعات بإنتظارِه، هو لم يستطِع الإختلاطَ بهم ووجدَ نفسَه غريبًا عنهُم، لم يتحدَّث مع أيٍّ مِنهُم إلَّا عندما يُوجِّهُونَ لهُ حديثًا، كانت فيونا أكثرُ من يتحدَّثُ إليه ويُعيرُ وجودَهُ إهتمامًا، وكانَ قلبُه يرتجُّ كُلَّما حدَّثته فهو غيرُ مُعتادٍ على ذلك. غيرُ مُعتادٍ أن يكونَ لهُ وجود. أحيانًا يشعُر بأنَّهُ بِلا فائِدة، وكأنَّهُ علقَةٌ تتغذَّى وتعيش على لُطفِ أهلِ هذا القصر، بعضُهم لا يستسيغُ وجودَه، يعرِفُ نظراتِ الكراهية عندما يراها فقد رآها على والِديه، كانَ يألفهُم، يُشعِرونَه بأنَّهُ لم يُغادِر المنزِل قط. وأنَّ هُناكَ اشخاصًا سواءً فعلتَ شيئًا أم لم تفعَل فسيكرهونَك. هذا الشُّعور يتغلغل بجوفِه فيجعلُه يُلزِمُ نفسَه أن يفعَلَ شيئًا، يجِبُ أن يفعَل شيئًا يغمُرُ شعورَهُ ذاك، لذلك قرَّرَ أيضًا مُساعدتهُم بالعمَل، بإلتقاطِ ما يسقُطُ مِنهُن و إعطائِهن ما يحتجنه، كُنَّ نِساءً هادِئاتٍ أثناءَ العمَل لكِن عِندما ينتهِين يتجمَّعنَ في صالةٍ خاصَّة يعلُوها الصخَبُ والضحِكات فتتلوَّنُ أصباغُ المنزِلِ الكئيبةِ بالألوان. كانَ مُستمِعاً أكثَرَ مِن كونِهِ مُتكلِّمًا وقد تعرَّفَ على أسماءِ أغلَبِهِن، لكِن فيونا قد تثبَّتَ إسمُها في ذاكِرَتِهِ بقوَّةٍ أكبَر كونُها من كانَ يُبادِرُه بالحدِيث. و الأن هاهِي ذي تنظُرُ إليه بوجهٍ جامِد وعينينِ عسليَّتِين تعكِسانِ مشاعِرًا لم يرها قطُّ إلَّا في عينيه، ألا وهي القلَق، ضمَّ حقيبتهُ قائِلًا: لكِنَّني عُدتُ الأن، لا تقلقي، السيِّد داميان لن يُعاقِبَكِ على خطأي! ابتسمَت حِينها: أتظُنُّ أنَّني قلِقَةٌ مِن عِقابِ السيِّد داميان؟ نظرَ لي نحوها بحِيره، إذا لم يكُن ذلكَ فماذا يكُونُ إذًا؟! ابتسمَت له، و مدَّت يدها فأغمضَ عينيه مُعتقِداً بأنَّها ستصفعُه إلَّا أنَّها مسحَت على خدِّه وقالَت بملامِح يشُوبُها الغُموض: أنا قلِقَةٌ عليك. لا يعلمُ لي لِماذا خاف، نبرةُ صوتِها التي يحفُّها الهُدوء، و لمسَتُها الحانِية بدَت مُختلِفة، مُختلِفةً عن كُلِّ ما مرِّ بِه. شعرَ كأنَّ وجههُ يحترِق وحِممٌ بُركانِيَّة تشقُّ خدَّه، لم ينتبِه بأنَّهُ كانَ يبكي حتى بدأت فيونا بمسحِ دُموعِه بذاتِ الحنانِ الجم الذي تسبَّب ببُكاءِه بالمقامِ الأوَّل. أبعدَ يدها بخِفَّة ورآى الألمَ ينضحُ مِنها. «أستطيعُ مسحَ دموعي بنفسي.» ابتسمَت ابتسامةً مكسورة: لكِنَّكَ لا تستطيعُ رفعهُ عن نفسِك لوحدِك. التفتَ بوجهه بعيدًا عنها فتركته بأعيُنٍ حزينة وابتسامةٍ مكسورة ومع ذلك عشعشَت رغبةٌ أنانيَّةٌ بصميمِه بأن تعود. لكِن، لا أحدَ يعودُ لمن آذاه. .♡.5.♡. يومٌ جديدٌ في المدرَسة، يُفترَضُ أنَّهُ تجاوَزَ فترةَ العِقاب، رُبَّما أخيرًا لاحظَ والِداهُ اختفاءه. ضغطَ على حِزامِي حقيبتِه، رُغمَ كُلِّ ما فعلاه ما زالَ يأمَلُ أن يهتمَّا لأمرِه، أن يضُمَّاه أو حتى يُعاتِباهُ على هرَبِه، يُريدُ أيَّ شيء، أيَّ شيءٍ يُشعِرُه أنَّ إختفاؤه لم يكن حفِيًا بِه لديهِما، أيُّ شيءٍ يُشعِرُه أنَّ وُجودَهُ مُهِمٌّ في حياتِهِما؟ «لي!» صوتُ الأُستاذ ترنَر أجفَلَه، فالتفتَ نحوه ليرمُقهُ بإعتذارٍ دُونَ أن يتكلَّمَ بِه، ليقُولَ بعدَ بُرهه: الطالِب زاك مُتغيِّبٌ مُنذُ أُسبوعٍ كامِل، هل تعرِفُ عنهُ أيَّ شيء؟ لم ينتبِه لي لغيابِه، كانَ مُنشغِلًا بمأسِيه لينتبِه لِما حوله: لا، على الإطلاق. الأُستاذ ترنَر بقلق: فكرتُ بأنَّكَ ستعرِفُ عنه كونُكُم أصبحتُم جِيرانًا. لي: جيران؟! تذكَرَ المنزِلَ البسيط بجانِب القصر، أهُناكَ حيثُ يعِيشُ زاك؟ ترنَر: عُمومًا، أُريدُكَ أن تزورَه و تطمئِنَّ عليه، خسارةٌ أن نفقِدَ طالِبًا نابِغةٍ مِثلَه. قالَ كلِمتَه الأخيرة كأنَّما يلفِظُها، الجميعُ يعلمُ تمامًا كيفَ تختلِف اختبارات الأُستاذ ترنَر لزاك عنهُم جميعًا وأنَّهُ ليسَ من العدل أن يكونَ اختبارُه كغيرِه. كانَ مميَّزًا حتى بالمُعامَلة. إذا كانَ أمرُهُ يهمُّكَ إلى تِلكَ الدرجة فلِم لا تذهَبُ إليهِ بنفسِك؟ أرادَ قولَ ذلك إلَّا أنَّ لِسانهُ خانه وأجاب: بالطبع. ابتسَمَ له: شُكرًا يا هوانغ، أعرِفُ بأنَّني أستطيعُ الإعتمادَ عليك! و مضى، في حِينِ أخذَ لي يشتُمُ نفسهُ مِن الأعماق. .♡.6.♡. ما إن عادَ مِن المدرسة حتى توجَّه نحو ذلكَ المنزِلِ الصغِير و قرأ الإسم: [روجَر كريستُوف]. علَّهُ والِدُ زاك أو قريبُه، رفعَ رأسهُ نحو الجرَس و بدا مُرتفِعًا للغاية، حتى زاك كانَ طوِيلًا بالنِّسبةِ لفتىً في الثامِنة. ضغطَ كفِّيهِ بغضَب، يُفترَضُ بِهِ أن يكُونَ الأكبَر، يُفترَضُ بهِ أن يتخرَّجَ هذا العام، لكِنَّهُ عالِقٌ بالفشَل وبجسَدِه الذي يرفُضُ النمُّو. كلَّ يوم يلمَحُ المِرآة ويُدرِكُ إلى أيِّ حدٍّ يُشبِهُ والِديه ويتمنَّى مِن أعماقِ قلبِه أن لا يكبَرَ قط حتى لا يزدادَ شبهًا بِهِما، لن يكبَر، لن يتزوَّج، لن يُنجِبَ الأولاد، هو فقَط سيكرهُ زوجَته وسيكرهُ أولاده وسيكرَهُ حياته. هذهِ عاقِبةُ أُمنيتِه. حاولَ أن يقفِزَ نحو الجرَسِ دُونَ جدوى. هو الأن يكرهُ حياته فلِمَ سيجلِبُ حياةً أُخرى كي تتعذَّبَ بسببه؟ تبًّا للجرَس، قامَ بطرقِ البابِ بأقوى ما لديه، مُجدَّدًا ومُجدَّدًا، ضربةً تِلو أُخرى ولا يُشفى غليلُه: أكرهُك، أكرهُك، أكرهُك! وفجأةً، فُتحِ الباب ليقَع على الأرض، لكِنَّهُ هذهِ المرَّة رفعَ رأسه لتستقبِلَهُ تِلكَ الملامِحُ المعروفَةِ لروحِه، ملامِحُ الغضَب. حِينها تنفَّسَ الصُعداء، وهو يرى ملامِحًا تُشبِهُ المنزِل. .. يتبع ..

0 مشاهدة · هل استمتعت بالسلسلة؟ اشترك وادعم مبدعها!
كن أول من يعلق!