

.♤.1.♤. وُلِدَت فيونا بقريةٍ صغيرة مُحاطَةً بحُبِّ عائِلتِها، وعِندما خطَت أُولى خُطواتِ البُلوغ تزوَّجَت لتستدعِي الحربُ زوجَها فيحمِلَ سِلاحه ويمضي لتقِفَ خلفَ الباب تُودِّعُه وتأمَلُ عودَتهُ سالِمًا. بعدَ فترة أدركَت بأنَّها حامِل. وُلِدَ طِفلُها أليكس، كانَ فتىً أشقرَ الشَّعر بأعيُنٍ زرقاء على عكسِهما، لم تكُن ملامٍحُه مُستغرَبة كونُ جدِّها الأكبَر يمتلِكُ ذاتَ الصِفات. كبِرَ أليكس دُونَ أب وكانَ يتعرَّضُ للتنمُّر جرَّاءَ ذلك، فتلمَحُ عيناهُ تفِيضانِ بالفقد ولِسانُه يشكو إفتقاده لوالِده: أينَ هو أبي؟ تُعانِقُ ابنها وكم تتمنَّى لو تُزِيلُ غمامةَ الحُزنِ عن رُوحِه، تمسَحُ على شعرِه، حالُها لم يقِلَّ سوءً عنه فكلماتُ الجيران وظنونُهم كانت تطعنُها بالصَّميم، تُحاوِلُ شرخَ ولائها الذي لا يتزحزح. «والِدُكَ سيعُودُ قريبًا...» كانت تُواسيهِ بقولِها لكِن ما مِن خبَرٍ عنه أو حتى أدنى رِساله، اليأسُ يحتلُّ رُوحها كُلَّما رأت الحُزنَ يُغلِّفُ عينيهِ الجميلتين، و كم تمنَّت حِينها أن يعود. .♤.2.♤. أُمنيتُها تحقَّقت في يومِ مِيلادِ ابنِها الثَّامِن، وصلَتها رِسالةٌ بحُضورِه، كانت تُعِدُّ الكعك في حِينِ كانَ ابنُها يُطِلُّ نحو النَّافِذة ليصيحَ بفرَح: هذا أبي! لقد عادَ أبي! و خرَجَ راكِضًا، لم تلتفِت وعادَت لكعكَتِها ليسقَطَ قلبُها على صدى رصاصة، التفتت بجزَع، ذلكَ الصوت يصدُرُ مِن فِناءِ منزِلِها حيثُ يقبُعُ ابنُها وزوجُها! أخذَت السكينَ ومشَت بحذَرٍ نحو الفِناء لتلمحَ ابنها مغمُورًا بالدِّماء، سقطَت السكِينُ مِن يدِها. كانَ جسدُهُ ساكِنًا لا حراكَ فيه، كلُّ شيءٍ كانَ صامِتًا فقَط سيلُ الدِّماء ينهمِر وينهمِر وحِينما وصلَ قدَمِيها انهارَت تبكِيه. «ما كُنتُ لأُصدِّقَ كلامَ الجيرانِ بأنَّكِ خُنتِني حتى رأيتُه.» سكنت الأصواتُ حِينئذٍ ولم يبقى سوى صوتِ زوجِها الذي بقيَت تنتظِرُه، بقيَت وفيَّةً له، لم تسمح لليأسِ بأن يمسَّها أو ينالَها قط، آمنَت بعودَتِه وبأنَّه سيُحِبُّ إبنه تمامًا كما أحبَّته، عدا أنَّهُ قد عاد برصاصةِ الشك التي قتلَ ابنهُ فيها. شعرَت بفوَّهةِ المُسدَّس تحُطُّ على رأسِها بينَما يدُها تحسَّست السكِّين واحتضنَتها وبينَ اللحظةِ والأخرى وجدَت نفسها بينَ القُضبان. .♤.3.♤. مضى عامان وهي تذوِي بالسِجن، والِداها تبرَّآ مِنها، الجِيران بدأوا بإشاعةِ كونِها قتلَت ابنها أيضًا ولفَّقَت التُهمةَ على زوجِها وقتلته، لكِنَّها كانت بريئةً مِن دمِ ابنِها وقتلَت زوجَها دِفاعًا عن النَّفس كونُهُ وجَّهَ السِلاحَ عليها. لا تزالُ دِمائُه دافِئةً بيديها لا يزالُ حيًّا في رأسِها، ذلكَ الحقير، قتلَ ابنها وألحقتهُ بِه بدلَ أن تلحقَ هي بِه! رُغمَ دِفاعِها المُستمِيتِ عن نفسِها إلَّا أنَّها كانت تلومُ نفسها على موتِ إبنها، على أُمنيتِها السخيفة لعودَةِ أبيه حتى يكونوا أُسرَةً سعيدة فيتوقَّفَ الجِيرانُ عن الكلام والأطفالُ عن التنمُّرِ على صغِيرِها. لا أحدَ سيُصدِّقُ شهادَتها في حالةٍ هي المُتهَّمَةُ فيها. هي لم تكُن بإنتظارِ الخلاص، فلا خلاصَ لأُمٍّ فقدَت إبنها سوى اللحاقِ بِه، لكِنَّها لم تكُن مجنونَةً لتُغادِرَ الدُّنيا وصفحتُها مُلوَّثةٌ فيها . عاشَت حياةً نظِيفة أقلُّه ستمُوت حِينما يحِلُّ أوانُها. طرقٌ خفيف على بابِ زنزانتِها لفتَ انتباهها لتلتفِت نحو الحارِس الذي فتحَ الباب لتدخُلَ امرأةٌ بثوبٍ أحمَر إلى الغُرفة. ابتسمَت بسُخرية، قاطِنَةٌ جديدة؟! هل أشفقُوا عليها وأحضرُوا لها شريكة؟ «يالهُ مِن مكانٍ بائِس.» رمقتها بنظرة: هذا سِجنٌ وليسَ فُندَق خمسِ نُجوم. جلسَت بجانِبِها لتتراجع: هل ستُحِبِّينَ المكان لو كانَ هكذا؟ نظرَت إلى وجهِ المرأة الذي كانَ شديدَ الحُسن، سمراءُ داكِنة، بشعرٍ فاحِمِ السواد وعينينِ بلونِ البُن و ابتسامةٍ تُوحِي بالحِدَّه. لم تُجِبها، لتقترِبَ المرأةُ نحوها وهي تهمِس: متى آخِرَ مرَّةٍ استحممتِي فيها؟ اتسعَت احداقُ فيونا بالدهشة والغضَب: لم أعلَم بأنَّ شريكتي بالزنزانة ستكُونُ بتِلكَ الوقاحة! عقدَت حاجِبيها: شريكتك، هُنا؟ فيونا بحِنق: ألديكِ مكانٌ آخر؟ أجابتها: دفعتُ كفالتَك وأستطِيعُ إيوائَك. اتسعَت أحداقُها بالأمَل ليذوِي حِينَ إذٍ: أنتِ لن ترغبِي أن يرتبِطُ إسمُكِ بمُجرِمة. حملقَت بها فترةً لتقُول: لم أعلم بأنَّ الدِّفاعَ عن النفس جريمة. أحفضَت فيونا وتمتمت بشجن: ما الفرق؟ أظلُّ قاتِلة. شعرَت بذراعِها تُسحَب: ظُنِّي عن نفسِك ما تشائِين ، لكِن لا تُلقِي بخلاصِك بمُجرَّدِ شُعورِك بعدَمِ استحقاقِه، انهضِي. وفعلَت ما طلبَت، خُطوةً تِلو أُخرى نحو الشَّمس، كم نسيَت حُضنها الدافِئ، استنشقَت هواء الأرضِ النقي و استكانَت حواسُّها. «بالمُناسبة، أُدعى أثينا، أثينا كرونوس.» أثِينا كانت خلاصها وخلاصَ الكثيرات، هي لم تتخلَّى عنهُن في أحلَكِ ظُروفِهِن أعطَت وأعطَت الكثير ومع ذلك فشِلنَ جمِيعًا بحمايتِها. سن ستار كانت ذاتَ يومٍ وطَنًا لهُم، عُهِدُوا بها الأمان، لكِن انقلابَ أتباعِ داميان ضِدَّه كانَ صادِمًا لهُم جمِيعًا، تلاشى الأمان و تلاشَت أثينا مِن الوُجود. أغمضَت عينيها بحسرة، لِماذا كُلُّ ما يُسعِدُها ينتهِي بهِ الأمرُ بالرحِيل. خمسُ سنواتٍ مضَت على رحِيلِها و قلبُها قد أُغلِق، لا مزِيد، لا مزِيدَ مِن الجُثث ستدخُلُ قلبها لكِنَّها كانت مُخطِئةً للغاية. .♤.4.♤. عزلَت قلبها عن كُلِّ المشاعِر، كانت تضحَك في حِينِ كانَ قلبُها يُؤنِّبُها على إغلاقِ أبوابِه وهي تُسكِتُه، القلبُ هُنا ليضُخَّ الدم لا ليُحِب. حِينها وقعَت عيناها على لي، ووجدَت في ملامِحِهِ الحيرى صُورةَ ابنِها الراحِل، ضائِع، تائِهٌ وخائِف، يحتاجُ عِناقًا وحِماية أرادَت أن تهِبَها له، و دُونَ أن تدري فُتِحَ قلبُها على مِصراعِيه فتدفَّقَ حنانًا وشفقةً عليه، وكم كانَ يرهَبُها لذلك. لكِنَّ داميان بلَّغَها بأنَّ بقائهُ سيكُونُ مُؤقَّتاً فابتسمَت بأسى، هذا دأبُ الأشياءِ الجيِّدَةِ في حياتِها، دائِمًا ترحَل. والآن هاهِي ذي تنتظِر عِندَ الباب قلبُها يذُوبُ قلَقًا عليه وقد تأخَّر. «فيونا.» التفتت نحو داميان ليسألها ما كان واضِحًا: هل تنتظِرينه؟ فيونا: لقد تأخَّرَ كثِيرًا... نظرَ نحو ساعتِه: لم تمضي أكثَرُ مِن خمسِ دقائِق على انتهاءِ الدوام سيعُودُ قريبًا... فيونا بقلَق: أتظُن؟ أجابها باسِمًا: اذهبِي وارتاحِي قليلًا، سأنتظِرُه. أرادَت الإعتراض لكِنَّها لم تستطِع كسرَ ابتسامَتِه فغادرَت وقلبُها يذوبُ قلَقًا على لي. .. يتبع ..

0 مشاهدة · هل استمتعت بالسلسلة؟ اشترك وادعم مبدعها!
كن أول من يعلق!