

.♡.1.♡. قبلَ ساعة. يتصفَّحُ كُتُبه الواحِدَ تِلو الآخر ومع كُلِّ كِتاب تخرُجُ تنهِيدَةٌ مِن جوفِه، لقد مضى أُسبوعٌ على غيابِه ويتسائَلُ عن كمِّ الدُّروسِ الهائِل الذي أخذوه. رُبَّما أخيرًا سيعفيه الأستاذ ترنَر من التمييز المُجحِف بالإختبارات نظرًا لغيابِه. أغمضَ عينيه واسترخى على كُرسيِّه لتُدغدِغَ أُذُنيه تِلكَ المُوسيقى العذبة، فتحَ عيناه ليلمحَ شقيقته تحمِلُ صُندوقَ مُوسيقى تدورُ وسطه راقِصَةُ بالِيه وحدها أمامَ سياجٍ مِن القُلوبِ المُحِبَّة، كانت تنظُرُ نحو الراقِصة بعينينِ لامِعتين بينما تدُورُ حولَ نفسِها وتُهمهِم مع المُوسيقى بإبتسامَةٍ خلَّابة حسِبَ بأنَّهُ لن يراها بعدَ الأن. ذلكَ الصُندوق كانَ هديَّةً مِن مِيرا، لم تلمَسهُ طوالَ أُسبوع وعزلَت نفسَها بالصمتِ المرير حتى أحرقَت جوفَه دُونَ أن تدرِي. «رأيتُ مِيرا بالحُلمِ أمس.» نهضَ بفزع ليقعَ كُرسيِّهُ خلفه: ماذا! رفعَت رأسها نحوه لتتوقَّفَ المُوسيقى، ليحِلَّ صمتٌ مهيب، ليقُولَ حِينها: كيفَ بدَت؟ إبتسمت: جمِيلةً للغاية، كانت ترتدِي ثوبًا باللونِ الزهرِي. أغمضَ عينيه بألَم، علَّهُ ذاتُ الثوبِ الذي ماتت فيه، لتُكمِلَ بحماس: أردتُ عِناقها لكِن لم أستطِع ذلك، كانَ ثمَّةَ سلاسِلٌ تُقيِّدُ ساقي. عدَّلَ الكُرسي واستلقى مُجدَّدًا لتعودَ بذاتِ الحماس: قالَت بأنَّها ستزُورُني كُلَّ يوم. بلعَ رِيقه: هل قالت أيَّ شيءٍ آخر؟ نظرَت نحوهُ بتعجُّب: مِثلَ ماذا؟ أخفضَ رأسه: لا تهتمِّي... سيلينا: حسنًا. وأعادَت تشغِيلَ الصُندوق ليصدَح بصوتٍ جمِيل بينما هي تُغادِرُ الغُرفةَ بعدَ أُسبوعٍ مِن العُزلةِ أخِيرًا. .♡.2.♡. كانت ابتسامَتُها تتوهَّج وهي تنظُرُ نحو الراقِصَة، توقَّفَت أمامَ غُرفةِ الجُلوس لتضعَ الصُندوقَ فيه وتُحاوِلُ مُحاكاةَ وضعِيَّةِ الراقِصة وهي تقِفُ على أطرافِ أصابِعِها وتمدُّ ذِراعِيها للأعلى لتقعَ على رُكبتِيها، كانَ الأمرُ مُؤلِمًا لها لكِنَّها ابتسمَت وهي تُحاوِلُ مُجدَّدًا. تُحاوِلُ التوازُن فتسقُط مرَّةً تِلو أُخرى لكِنَّها تستمِرُّ بالمُحاوَلة. عِندما أهدَتها مِيرا صُندوقَ المُوسيقى قالَت لها: لطالما كانَ حُلمِي أن أُصبِحَ راقِصةَ بالِيه. لتسألها: لِم لم تُصبِحي راقِصة بالِيه؟ لتقُولَ بنبرةٍ يشُوبُها الألم: أحيانًا الأحلام... تكونُ مُجرَّدَ أحلام. لتُعانِقها قائِلة: أنا سأُحقِّقُ حُلمَك، دعِينا نرقُص! فترى دُموعها لأوَّلِ مرَّة، بل ترى دُموعَ بالِغٍ لأوَّلِ مرَّة لتُبادِلها العِناق وهي تقولُ بصوتٍ باكٍ: أُحِبُّك، أُحِبُّكِ جِدًّا! لتعودَ للواقِع وتُمسِكَ الصُندوق وتُقبِّله: و أنا أُحِبُّك جدًّا... جِدًّا «كيفَ تجِدِينَ في نفسِكِ الإبتسام و دمُها بيدِك؟» ظِلٌّ عظِيم غمَرَها وسلبَ الهواءَ مِن مُحِيطِها، رفعَت رأسها نحو ذلكَ الجسَدِ الضخم، والأعيُنِ الزَّرقاء المُنطفئة، والصُّلبتان الحمراوانِ من شِدَّة البُكاء والهالات من قِلَّةِ النَّوم، كانَ مُخيفًا، مُخيفًا جدًّا. مدَّ يده فأغمضَت عيناها لا شعوريًّا، قبلَ أن تشهقَ بفزع وهو يقتلعَ الصُّندوقَ مِن كفِّيها فصاحَت فيه: روجَر، لا! أعِدهُ إلي! لكِنَّ روجَر قبضَ عليهِ بكفِّيه فانقبضَ قلبُها الصغِير: كيفَ ترقُصِين وتُغنِّين في حِينِ ترقُدُ في قبرِها بِلا حراك؟! لكِنَّها لم تكُن تستوعِبُ كلامه، كانت تمُدُّ ذِراعِيها الصغِيرتان وهي تُطالِبُه بلُعبتِها، بالذِّكرى الأخيرة مِن مِيرا، بحُلمِها. ضمَّت ساقهُ برجاء: رُوجر، أرجوك، أعِدهُ إلي، إنَّهُ هديةُ مِن مِيرا__ ضربَ بساقِه الأرضَ فتعثَّرَت وصاح فيها: اخرسِي! وألقى الصُّندوقَ على الأرض ليتهشَّمَ قِطعةً تِلو أُخرى كما تهشَّمَ حُلمُها، انهارَت على الأرض وهي تنظُر نحو القِطَعِ المُتراميةِ على الأرض، راقِصَةُ الباليه كانت ترقَدُ قُربَ قدَمِ رُوجر ليطأها وهو يتقدَّمُ نحوها: لا يحِقًّ لكِ نُطقُ اسمِها، لا يحِقُّ لكِ الإحتفاظُ بشيءٍ مِنها! «ما الذي تفعلُه يا روجَر!؟» كانَ هذا صوتَ أخِيها زاك لكِنَّها لم تستطِع الركضَ إليه والشكوى، ساقاها تسمَّرتا، لكِنَّهُ وفَّرَ عليها المُضِيَّ إليه وركضَ إليها وضمَّها إليه: أهكذا تُعامِلُ شقيقتَكَ الصغيرة! روجَر بحِدَّة: ليسَت شقيقتي و لن تكونَ قط، إنَّها مُجرَّدُ لقيطَةٍ أشفقَ عليها والِداي و تبنَّياها! اتسعَت عينا زاك بالذُّهول: أنتَ تكذِب! روجَر بحِقدٍ مرير: أنا لا أكذِب، ألا ترى أنَّها مُختلِفَةٌ عنَّا! كانَ زاك يُحاوِلُ ابتلاعَ الصدمة، حطَّت عيناهُ على ذِراعِيه الحِنطيَّتان المُحِيطتان بكتِفيها ذي السمارِ الداكِن، التقَت عيناهُ الخضراوان بعينيها البُنِّيتان، كانت تُقاوِمُ فيضانَ الدُّموع بقوَّة، خبَّأها بصدرِه كي تبكي كما تشاء: لا يهُم، تبقى أُختِي! روجَر: تِلكَ الأُخت قتلَت زوجَةَ أخِيك، المرأةُ التي ربَّتك بعدَ وفاةِ والِدينا. زاك: كانَ ذلكَ حادِثًا! روجَر: وهل صدَّقتها؟ زاك: مِيرا ربَّتها على الصِّدق أم ستقُولُ بأنَّ مِيرا لا تُجيدُ التربية؟ حِينها شحُبَ وجهُه و تراجعَ خُطوةً للخلف، ليرفعَ يده بنيةِ صفعِه: أيُّها ال__ لكِنَّهُ لم يُكمِل جُملَته حتى قطعهُم صوتُ طرقٍ عنِيف، رمقَهُما بحِدَّه: ابقيا بالدَّاخِل. أخرجَ مُسدَّسًا كانَ يُبقِيهِ دائِمًا في غُرفةِ الجُلوسِ احتياطًا لدُخولِ لِص، لكونِ بابِ الخُروج يُطِلُّ عليها، توجَّه نحو الباب بحذَرٍ جم ليسمع صوتًا أذهلَه بمعانِيه: أكرهُك، أكرهُك، أكرهُك! فتحَ البابَ بحِدَّة ليلمحَ جسدًا صغِيرًا أمامه، تعثَّرَ لوهله ليرفعَ رأسه وهو ينظُرُ نحوه، لتلِينَ ملامِحه: كيفَ أُساعِدُك؟ عقدَ حاجِباه وهو يرى ارتجافَ الصبيِّ أمامه، ما مُشكِلَتُه؟ «لي؟» التفتَ خلفه ليجِدَ زاك، رمَقهُ بغضَب، ألم يطلُب مِنهُ البقاءَ بالدَّاخِل؟! اقترَبَ نحوه ليخلعَ لي حقيبته: هُنا جميعُ الدُّروسِ التي أخذناها على مدى الأُسبوعِ الماضِي، أيضًا لدينا إمتحانُ رياضيات الثُلاثاء القادِم، لا تنسى إعادة كُتُبي. و غادَر، ليسأل روجَر: من هذا؟ زاك بحِنق: زمِيلٌ بالمدرسة! روجَر: يبدُو بعُمرِك، لم أعلَم بأنَّ ثمَّةَ عباقِرةً آخرِينَ تجاوزُوا الفُصولَ معَك. زاك بجُمود: هو بالثانيةَ عشَر. و غادَر تارِكًا رُوجَر في ذُهولٍ جم، ليجِدَ أُختهُ تجمعُ القِطعَ المُتناثِرة بتعابِيرَ جامِدة. وضعَ الحقيبةَ جانِبًا وأخذَ يُساعِدُها، لم يتكلَّما أدنى كلِمة وابتسامتُها التي أحيَت قلبه عادَت إلى سُباتِها وبدأ يشعُر في صميمِ قلبِه بأنَّها لن تعُودَ قرِيبًا: لقد كُنتُ أعني ما أقولُهُ يا سيلينا... رفعَت رأسها نحوه: سواءً بالدم أو الإسم ستظلِّينَ أُختِي! حِينها أمطرَت عيناها بفيضٍ مِن الدُّموع لتدفِنَ وجهها بصدرِه وهي تهمِس: أحِبُّك، أُحِبُّكَ جِدًّا، جدًّا. ضمَّها إليه: وأنا أكثَر. .♡.3.♡. غادَرَ منزِلَ زاك وهو يشعُرُ بضِيقٍ عمِيق، ذلكَ الرجُلُ الضَّخمُ الذي رآه كانَ يحمِلُ مُسدَّسًا، هل ظنَّهُ لِصًّا أو ما شابه؟! ومع ذلك، وضعَ نفسه بوجهِ الخطَر كي يحمِي أهلَ بيتِه، لو تعرَّضَ منزِلُهُم للهُجوم والِداهُ سيكُونانِ أوَّلَ الفارِّينَ بكُنوزِهِم وبالطبع هو ليسَ مِن ضمِنهِم. سيترُكونَهُ للموت، كِلاهُما أرادَ الخلاصَ مِنه، هو في عيني والِدَتِه لم يكُن أكثرَ مِن ورَقةِ ضغطٍ على أبيه، و بالنِّسبةِ لوالِده هو ليسَ أكثرَ مِن خيبةِ أمَل. كم يغبِطُ زاك على وُجودِ ذلكَ الشخص. فتحَ بوابةَ القصرِ الأسوَد ليجِدَ داميان أمامه: لقد تأخَّرت، فيونا كانت قلِقَةً عليك. شعرَ بالإعياءِ فجأة، و شُعورٌ بالذنبِ يبتلِعُ رُوحَه ليسأله: أينَ هي؟! داميان: بدَت مُتعبة فأمرتُها بأخذِ استراحة. ليسألهُ حِينَ إذ: أينَ حقيبتُك؟ أخفَضَ لي رأسه: كُنتُ في منزِلِ زاك، هُناك. وأشارَ جِهةَ المنزِلِ المُجاوِر، و أكمَل: كانَ غائِباً لأُسبوع فأعطيتُهُ كُتُبي، سيُعِيدُها لاحِقًا. ابتسمَ داميان و ربَّتَ على كتِفه: أحسنتَ عمَلًا، أنا فخورٌ بِك! حِينها شعرَ لي كما لو توقَّفَ العالَمَ عن الدَّوران وكفُّ داميان على كتِفِه بدَت ثقِيلَةً كعظِيمِ المشاعِرِ التي اجتاحته، قلبُه اضطرَم كزلزالٍ مُفجِع، وأنفاسُه ارتجَّفَت. لم يقصِد ما فعلَه، لكِنَّهُ فعلَه، أبعدَ كفَّهُ بخُشونَةٍ عن كتِفه وقبلَ أن يرى تعابِيرَ وجهِ داميان أخذَ يركُض نحو الدَّاخِل، وقبلَ أن يدخُل قطعَ طريقهُ سهمٌ كادَ يودي بحياتِه، انتفضَ بجزع لتقعَ عيناهُ على صاحِبةِ السَّهم، كانت هُناك، إحدى مُتطوِّعاتِ داميان، ماذا كانَ إسمُها؟ سينا! امرأةٌ طويلةُ القامة، في بداية الثلاثِين، شعرُها البُّنِيُّ طوِيلٌ وناعِم وعيناها كحيلتان، حادَّتان كالسِّهامِ التي ترمِيها على الهدَف، وقبلَ لحظات استهدفَت رأسَه. نظرَ نحو القُرص ليمتلئ قلبُه بالفزَع، لقد أدخلَت خمسَ سهامٍ في ذاتِ النُّقطة وكُلُّ سهم قد اخترقَ الآخر ومزَّقَهُ نِصفين. حِينها نظرَت نحوه فانتفضَ بخوف، ليسَت سِهامُها الحادَّةُ فحسب، ركضَ لداخِلِ القصر مُتجاهِلًا نظراتِها التي كشفَت أعماقَ رُوحِه. «أنا فخورٌ بِك!» كلِمَةٌ تتردُّدُ في رأسِه كالصدى، والصدى يرتفِع ويرتفِع فيحجُبُ كُلَّ صوتٍ آخر. «أنا فخورٌ بِك!» كلِمَةٌ لم يسمعها قطُّ مِن والِديه وكم تمنَّى سماعها مِنهُما، تمنَّى من أعماقِ رُوحِه أن يسمعَ كلِمَةً كتِلكَ مِنهُما لكِنَّهُما بخِلا عليه بأبسَطِ معانيها، لكِنَّهُ وكأيِّ طِفل يتوقَّعُ الكثيرَ مِن والِديه. «أحسنتَ عمَلًا.» كِلِمَةٌ أُخرى قالَها الغرِيب، الغريبُ الذي أواه، و عامَلَهُ بلُطف وبماذا قابَلَ ذلكَ اللُطف؟ بالرفض، الرفضُ الذي لطالما تلقَّاه فأصبحَ يُلقِيهِ على الآخرِين، ليسَ لديهِ أصدِقاء لأنَّ هالة الرفض كانت تطفحُ مِنه، رائِحتُها مُنفِّرة، قاتِلة لأدنى نيَّةٍ بالإقتراب. غطَّى وجهه وبكى، والِداهُ ما عادا هُنا الأن، لديهِ كامِلُ الحقِّ بالبُكاء وهو يسألُ نفسه. «لِم أنا هكذا؟ لِماذا لا أستطِيعُ تحمُّلَ اللُطف، لِماذا يُخيفُني؟» نعَم كانَ خائِفاً مِن اللُطف، خائِفًا مِن الحنانِ الجم الذي تغمُرُه بِه نساءُ القصر وكذلكَ مِنه، يخشى أن يعتادَ اللُطف فينسى حقيقةَ العالَمِ الذي عاشه، ينسى قسوته وجبروته وجروحَه التي سبَّبها لرُوحِه ينسى جُوعَهُ للأمان والإحتضان، يخشى أن لايرغَبَ بمُغادرةِ ذلكَ المكانِ أبدًا. يخشى أن يُطِيلَ البقاء فيُركَلَ خارِجًا، يخشى أن يُصبِحَ غيرَ مرغُوب. لم يُدرِك ما فعَل حتى رأى يده تُبعِدُ ذِراعَ داميان بحِدَّة، لم يقصِد ما فعَل، لم يرفع رأسه حتى ليرى ردَّةَ فِعله، ساقاهُ كانتا ترتجِفان بل شعرَ بأنَّ الأرضَ ستسحبُه لأعماقِها. خُطوةُ تِلو أُخرى تحامَلَ على نفسِه كي يبتعِدَ عن داميان، كي لا يلتفِت ويرى أثرَ فِعلتِه، بينما يُعذِّبُهُ ضمِيرُه: «هل ضربتَ للتوِّ يدَ من أواكَ في منزِلِه واحتواكَ في الوقتِ الذي رفضَكَ أقربُ الأقرَبِينَ إليك؟! أيُّ ناكِرِ جمِيلٍ أنت؟!» .♡.4.♡. على أطلالِ دُخولِ لي القصر بقي داميان في مكانِه ينظُرُ نحو ذِراعِه وهو يُفكِر، فيم أخطأ؟ «داميان.» التفتَ نحو سِينا، إحدى مُتطوِّعاتِه، هي مِن القِلَّة التي لا تُرفِقُ إسمه بلقَبِ السِّيادة، ابتسَمَ: كيفَ كانَ تدريبُك؟ كانت تحمِلُ قوسها كالحقيبة: كانَ سيكُونُ أسهَل لو كانَ لديَّ شخصٌ أُصوِّبُ عليه. «رأيتُ مافعلتِ مع لي، وعليَّ القول مهاراتُك في انحدار كانَ يجِبُ أن تُصيبي رأسَه.» ابتسمَت: أُريدُ رأسكَ يا داميان. التمعَت عينا داميان فسألها: هل وصلتِ إلى موقع صاحِبِ الحافِلة كما طلبت؟ تنهَّدَت: أجَل، وهو بينَ القُضبان بتُهمة السَّرِقة والتعدِّي. تمتمَ داميان ببرود: جيِّد. سينا: داميان، الوضعُ هُنا لا يُحتمَل. تنهَّدَ داميان، هاهي ذي مُجدَّدًا تُلمِّحُ على الأمر: ماذا تقترِحين؟ «عرشُك، يُفترَضُ أن نكونَ في العاصِمة، لا أن نحتمي في قصرٍ حالِك بهويَّاتٍ مزيَّفة!» «حتى تموتوا؟!» صاحَت فيه: حتى ننجوا! لأنَّني لا أحتمِلُ هذا الرُّكود القاتِل. داميان: وهل سأرسِلُكِ إلى الموت فقط لأنَّكِ تشعُرينَ بالملل؟ سينا: وهل أحضرتَ ذلكَ الطِّفل كي يُذهِبَ عنَّا المللَ مثلًا؟ تنهَّدَت: لم يقتُل أثينا سوى إهتمامِها بنا نحنُ القضايا الضائعة، هل تُحاوِلُ أن تحذوا حذوها؟ أغمضَ عيناهُ ووقعُ إسمِها يهزُّهُ بالصميم، لقد خذَلَها، خذلَهُم جمِيعاً، كانت شرارةُ الخيانةِ واضِحة الواحِدَةَ تِلو الأُخرى لكِنَّهُ اختارَ إغماضَ عينيه بينما يمُوتُ أتباعُهُ الأوفياء واحِدًا تِلو الآخَر، حتى وصلُوا إليه، إليهِم. قبضَ كفِّيه والغضَبُ يغلي في رُوحِه، لولم يتقاعَص لما حصلَ ذلكَ قط. تابعَت قائلة: نحنُ مُحارِبُون لسنا جمعيَّةً خيرية، إحضارُكَ لذلكَ الفتى أكبَرُ دليلٍ على أنَّكَ لم تتعلَّم شيئاً قط. رمَقَها بحِدَّة: سينا، أُحِذِّرُك__ سينا: ليسَ هذا فحسب، بل إبقاؤنا هُنا كي نعِيشَ «حياةً طبيعيَّةً» بقولِك، بينما يُفترَضُ بِنا أن نكونَ في سن ستار نُقاتِل لأجلِ مكانتِك. داميان: ماذا ستفعلُ ثلاثٌ وثلاثُونَ امرأة بوجهِ أتباعِ زيلفا؟! أم نسيتِ بأنَّ أخاكِ بينهُم؟ سكتت لوهلة وارتعشَ جسَدُها لتقبِضَ القوسَ بيدِها مُخفيةً ارتعاشها لتقطع الصمت بكلامِها: ألم تقُل يومًا بأنَّنا أقوياء؟ ليُجيبها بحِدَّة: إنَّهُم يتوسَّعُونَ يا سينا، قد يصِلُونَ إلى هُنا! صاحَت فيه: سببُ من هذا؟ حِينها انخرَس، لتقُولَ بأسى: كما توقَّعت. وما إن كادَت تعودُ أدراجها حتى سمِعَت صوتَ داميان: الفتى... التفتت نحوه ليُكمِل: الفتى يكونُ حفيدَ يان هوانغ... وأكمَل: يان هوانغ ينوِي تورِيثَ أموالِه لحفِيدِهِ الأوَّل، إذا استطَعنا كسبَ الصبيِّ لصالِحِنا ستكُونُ لدينا القوَّةُ المادِّيةُ الكافية لجرفِ العِصابة ورُبَّما شراءُ ولائِهم كما فعلَت زيلفا، حتى ولاءُ زيلفا لن يكُونَ صعبًا الحُصولُ عليه بكمِّ الأموالِ تِلك. ضمَّت ذِراعِيها: هكذا إذًا، لم يكُن إيواؤكَ للصبيِّ لهدَفٍ إنسانِيٍّ قطعًا. ابتسمَ داميان: أنا دائِماً انتهِزُ الفُرَص، والأفضَلُ أن تكسَبِي جانِبَ الصبيِّ أيضًا يا سينا. ابتسمَت سينا: لكَ ذلك. .♡.5.♡. كانَ مُتكِئًا على الباب، يجلِسُ القرفصاء ويتأمَّلُ بسقفِ غُرفتِهِ المُختارة، كانت غُرفةً زهريَّةَ اللون طفوليةَ التصميم تُحِيطُها الكثيرُ مِن الدِببةِ والألعابِ اللطيفة التي لم يجرؤ قطُّ على لمسِها. كانت هذهِ الغُرفة الجُزء المُلوَّنَ الوحِيدَ داخِلَ القصرِ الرمادِي بجانِب صُورِ السيِّدة أثينا كما يدعُونها، يشعرُ بالألمِ يُمزِّقُ أوصاله، هو لا يستحِقُّ مُعاملةً كتِلك، لا يستحِقُّ حمايةَ داميان أو حنانَ فيونا أو انتباهَ المُتطوِّعات. لا يستحِقُّ تِلكَ المُعامَلةَ الطيِّبة، يُفترَضُ بِه أن يكونَ محبُوسًا بغُرفتِهِ الأن بدلَ أن يسيرَ حيثُ يشاء، يُفترَضُ بِه أن يُشتَمَ وتُلقى عليهِ نظراتُ الإشمئزاز بدلَ أن يكونَ مُحاطاً بنِساءٍ يفِضنَ حنانًا ولُطفًا، يُفترَضُ بِه أن يعودَ للمنزِلِ وحده دُونَ أن يجِدَ أحدًا بإنتظارِه عدا غُرفتِه، يُفترَض__ ليتَ السَّهمَ أصابَ رأسَه! فجأةً انهمرَت الدُّموعُ مِن عينيهِ قطرات فدفنَ وجههُ بكفِّيه، يُفترَضُ أن يُعامِلهُ والِداهُ بحنان بدلَ الغُرَباء، لِماذا؟! لماذا ليسَ لديهِ والِدانِ طبيعيَّان؟ لِماذا حُكِمَ عليه أن يعِيشَ ذلكَ الجحِيم؟ لم يجِد إجابةً لسؤالِهِ فانهمرَ ببُكاءٍ صامِت هزَّ رُوحه حتى غفى. .♡.6.♡. اختيارُ هذهِ الغُرفةِ له كانَ خطأً كبيرًا، لكِنَّهُ ومُنذُ وُلِد وهو يرتكِبُ الأخطاء حتى باتت صِفةً ملصُوقةً بِه، وهاهو ذا يتحمَّلُ نتيجةَ خطأه بإختيارِ تِلكَ الغُرفة دُونًا عن الأُخريات كي تكونَ سكَنَه. لِماذا اختارَها؟ أليحتمِي مِن رماديَّةِ حياتِه لمكانٍ مُفعَمٍ بالألوان؟ هو لم يعرِف الكثيرَ عن الصبي، لكِنَّهُ أدرَك بأنَّ حياتهُ أبعدُ مِن كونِها رمادية، بل سوداءَ قاتِمة. صبيٌّ يطمئِنُّ للخوف و يفِرُّ مِن العطف، أيُّ عُقدَةٍ تِلك؟ طرَقَ الباب، لكِن لا رد. طرَقهُ مُجدَّدًا، لكِن بشكلٍ أقوى و كما توقَّع، فُتِحَ الباب. أخفضَ لي رأسه: أنا أسِف، غفوتُ قليلًا... إبتسمَ له: لستَ مُضطرًّا للإعتذارِ لي بل إلى معِدَتِك، هيا، قبلَ أن يفوتَكَ العشاء. تبِعَهُ بانصياع، حِينها توقَّف على وقعِ خُطواتٍ سريعة تتجِهُ نحوهُما، دفعَ لي بخِفَّة قبلَ أن تصطدِمَ بِه الفتاةُ أمامه: سيِّد داميان! سيِّد داميان! كانت تلهَث بينَ النِّداءِ والآخر ليُواسِيها: اهدئي يا سيرا وأخبِريني ما الخطب؟! وضعَت يدها على قلبِها وهي تلتقِطُ انفاسَها: ثمَّةَ رجُلٌ وامرأة يدَّعِيان بأنَّهُما والِدا لي. داميان: ماذا؟! حِينها التفتَ نحو لي الذي وجدَ عيناهُ تتسِعانِ شيئًا فشيئًا وكأنَّهُ غيرُ مُصدِّق، حِينها سأل: أينَ هُما؟ سيرا: تركتُهُما عِندَ الباب__ حِينها ركضَ لي بأسرَعِ مالدِيه في حِينِ قبضَ داميان كفِّيه، فاتَ الأوان. سيرا: سيِّد داميان... لمَح القلقَ بمعالِمها ليسألها: مالخطب؟ بلعَت سيرا ريقها لتقولَ حِينها: لم يأتيا لوحدِهما... داميان: ماذا تعنِين؟ سيرا: أحضرا الشُرطةَ معهُما. خلخلَ شعرَه بأصابِعه وهو يهمِسُ بحِنق: ما هذهِ المُصيبة؟! .. يتبع ..

0 مشاهدة · هل استمتعت بالسلسلة؟ اشترك وادعم مبدعها!
كن أول من يعلق!