

لم تمضِ أيامٌ كثيرة حتى جاء ذلك اليوم الذي لن أنساه ما حييت. عدت من المدرسة كعادتي مسرعًا، فقد أصبحت أعود وأنا أحمل همًّا واحدًا فقط؛ أن أطمئن على ديان، وأن أكون بجانبه حين يحتاجني. فتحت باب الغرفة بسرعة، لكنها كانت فارغة. تجمد قلبي. بدأت أبحث عنه في كل مكان، أناديه بصوتٍ يزداد قلقًا مع كل لحظة، ثم أسرعت إلى الأسفل لأجد والدتي وأسألها. لكنني توقفت فورًا، كان هناك ضجيجٌ لم أعهده. رأيت أشخاصًا غرباء يحيطون بديان، يمسكون به ويقيدونه، بينما كان هو في حالة ذعرٍ شديدة، يحاول الإفلات منهم بكل قوته، وتخرج منه صرخاتٌ وأنفاسٌ متقطعة مزقت قلبي. وخارج المنزل كانت هناك سيارة تنتظر. شعرت بالخوف يطبق على صدري، فاندفعت نحو والدتي وأمسكت بثوبها بيدين مرتجفتين. "أمي... إلى أين سيأخذون ديان؟" نظرت إليّ للحظة، ثم أعادت بصرها إليه، وقالت ببرودٍ قاسٍ: "إلى مستشفى المجانين بالطبع... من المستحيل أن نُبقيه في المنزل." توقفت الكلمات في فمي. مستشفى المجانين... لم أستطع استيعاب ما سمعته. كانوا يتحدثون عن ديان، عن الشخص الذي كان عالمي كله، وكأنه لم يعد أخي الذي أحبني وحماني... بل مجرد عبءٍ يريد الجميع التخلص منه. إذًا... لم يكن والداي يخططان للتخلص مني بل كان المقصود ديان. كم كنت ساذجًا... ظننت أنني أنا العبء الذي أثقل كاهلهما، بينما كانا قد حكما بالفعل على أخي. لم يحتمل والداي تبعات خطئهما، ولم أكن أنا من دفع ثمن خطئي، بل كان ديان وحده من تحمل وزر الجميع، مع أنه كان الضحية قبل أي أحدٍ آخر. كان المشهد وحده كافيًا ليمزق قلبي. صرخاته التي كانت تشق أرجاء المنزل، ومحاولاته اليائسة للإفلات من أيدي أولئك الرجال، جعلت الخوف يتسلل إلى أعماقي. تشبثت بثوب والدتي بكل ما أوتيت من قوة، وكأنني أتشبث بآخر أملٍ لإنقاذه. لا...لا بد أن أفعل شيئًا. لقد أنقذني ديان في كل مرة. هذه المرة، جاء دوري لأحميه. رفعت رأسي إليها، وقد أغرقت الدموع وجهي، وتوسلت إليها بصوتٍ متحشرج: "أرجوك... لا تدعيهم يأخذونه. سأرعاه أنا، سأبقى معه دائمًا. إنه يهدأ حين أكون بجانبه!" لكنها أجابتني ببرودٍ أوجعني أكثر من أي صفعة: "لقد فقد عقله يا سوان. ألا ترى؟ إنه مجنون." هززت رأسي بعنف، وكأنني أستطيع إنكار كلماتها بمجرد رفضها. "كلا! كلا! ديان ليس كذلك! إنه طيب القلب، ومهذب، ولطيف... لم يؤذِ أحدًا يومًا! إنه يحب الأطفال... وكان يقول إنه سيصبح معلمًا لهم عندما يكبر!" لم يتغير وجهها. أشارت إليه وهو يقاوم الرجال بكل ما بقي فيه من قوة، ثم قالت بصوتٍ خالٍ من أي شفقة: "انظر إليه. رجلان بالكاد يستطيعان السيطرة عليه. أتظن أن شخصًا بهذه الحال يمكنه رعاية الأطفال؟ إنه قد يؤذيهم، لا أن يحميهم." كانت كلماتها تسقط على قلبي كالحجارة. رفعت بصري إلى ديان مرةً أخرى. وللمرة الأولى، وجدت نفسي أرى ما كانت والدتي تراه. لقد بدا مرعبًا، كان يقاوم الرجال بعنفٍ لا أعرفه عنه، ويصرخ صرخاتٍ تمزق السكون، حتى خُيِّل إليّ أن الشخص الواقف أمامي ليس الأخ الذي عرفته طوال حياتي. لم يكن ديان هكذا قط. كان أهدأ الناس قلبًا، وألينهم طبعًا، حتى إن القسوة كانت تبدو غريبةً عليه. وبينما كنت أحدق فيه شاردًا، قطعت والدتي أفكاري بسؤالٍ هادئ: "أحقًا تستطيع تحمّل هذا؟" أعدت النظر إليه. إلى الرجال الذين يعجزون عن السيطرة عليه، وإلى ملامحه التي مزقها الذعر، وإلى جسده الذي يقاوم بلا وعي. ذلك الفتى الذي وقف بيني وبين الألم يومًا، ودفع ثمن حمايتي من عقله، ومن حياته. أرعبني.. خرج الجواب من بين شفتيّ، ضعيفًا، منكسرًا، كأنه اعترافٌ أخجلني: "لا..." لم أستطع. بل إن أول ما خطر في ذهني آنذاك... أنه أصبح مخيفًا. وما إن عبرت تلك الفكرة خاطري، حتى شعرت بالخجل من نفسي. لكن قبل أن أستسلم لها، دوّى صوته في أرجاء المكان، قاطعًا كل شيء. "سوااان...! سوااان! أين سوان؟! أين أخذتم سوان؟! أعيدوا إليَّ سوان! أين طفلي؟!" تجمدت في مكاني. كان... كان يبحث عني. ثم عاد يصرخ، وقد اختلط صوته بالخوف والاختناق: "لقد وعدته... وعدته ألا أتركه! سوااان! أين أنت؟!" في تلك اللحظة، انقشع كل ما دار في رأسي قبل قليل. لم أعد أرى شخصً فقد عقله... بل رأيت أخًا، لم تمحِ الإصابة من ذاكرته سوى العالم كله، وأبقت فيها شخصًا واحدًا فقط. أنا. كان الرجال يزدادون ارتباكًا كلما ازداد اضطرابه، ولم يفلح أحد في تهدئته. تقدمت خطوة، ثم أخرى. اتجهت نحوه وأنا أصرخ بأعلى صوتي: "ديااان! أنا هنا!" استدار رأسه فجأة، كأن صوتي وحده شق طريقه إلى ذلك الضباب الذي يحيط بعقله. كدت أركض نحوه، لكن قبضةً غليظة أمسكت بذراعي من الخلف، فاستدرت، وإذا بوالدي يقف ورائي. تجمد الدم في عروقي، وعجزت حتى عن ابتلاع ريقي. وفي اللحظة نفسها، التقط ديان صوتي. رفع رأسه فجأة، وأخذ يلتفت في كل اتجاه بجنون، ثم صاح: "سوان...! هذا صوت سوان! سوان، أين أنت؟ لا تخف... أنا هنا!" ولم أكد أسمع كلماته حتى ارتخت قبضة والدي عن ذراعي. اغتنمت تلك اللحظة، وانتزعت نفسي من قبضته، ثم اندفعت نحو ديان دون أن ألتفت خلفي، حتى بلغتُه أخيرًا. كان ديان مقيدًا داخل أربطةٍ بيضاء غليظة، أحاطت بذراعيه وجسده حتى بدا وكأنه محبوسٌ داخل شرنقةٍ ضيقة، عاجزًا عن الحركة. لم أكن أعلم ما هي، ولا لماذا قُيِّد بها بهذه الصورة. ما إن رآني حتى خفض بصره إليّ، ثم انحنى ببطء حتى استقر على ركبتيه أمامي. راح يحاول تحرير ذراعيه بكل ما أوتي من قوة، لا ليؤذي أحدًا...بل ليعانقني. كان يتلوى في قيوده بضيقٍ ظاهر، يزداد اضطرابه كلما عجز عن الوصول إليّ، حتى خانته مقاومته، وانهمرت دموعه بصمت. اقتربت منه دون تردد، ورفعت رأسه برفق حتى أسندته إلى كتفي، ثم أخذت أمسد شعره وأربت على رأسه كما كان يفعل معي دائمًا. كان صوته مرتجفًا، شاحبًا من فرط الذعر، وهو يردد: "سوان... سوان... هل أنت بخير؟ لم يمسسك سوء؟ لم يؤذك أحد؟" أجبته بصوتٍ خافت أنني بخير. وما إن سمعها، حتى ارتخت ملامحه قليلًا، واستسلم لبكاءٍ صامت، كأن همه الوحيد قد زال أخيرًا. في تلك اللحظة، تقدم أحدهم وغرس إبرةً في ذراعه. لم يقاوم. أخذ جفناه يثقلان شيئًا فشيئًا، وخفتت حركته تدريجيًا، حتى استسلم لنومٍ عميق. ثم... انتزعوه من بين ذراعي. تراجعت خطوةً إلى الخلف، عاجزًا عن فعل أي شيء، أراقبهم وهم يحملونه بعيدًا. ظللت أحدق في ظهره حتى ابتلعته السيارة. ومنذ ذلك اليوم... رحل ديان. ولم أره مرةً أخرى بعد ذلك. أطرقتُ برأسي طويلًا، غارقًا في أفكاري. ما الذي كان يثير كل ذلك الذعر في قلب ديان كلما غبت عن ناظريه؟ ثم...أدركت. لعلَّ جراح تلك الحادثة لم تندمل يومًا. حادثة اختطافي، ربما محا ذلك الحادث أجزاءً من ذاكرته، وبدّد أسماء الوجوه والأماكن، لكنه لم يستطع أن ينتزع منها الرعب الذي تملكه يومها وهو يبحث عني. ظل ذلك الخوف حيًّا في أعماقه، متجذرًا في روحه، حتى بعدما نسي العالم بأسره. ولهذا... كلما غبت عن بصره، عاد إليه ذلك الكابوس من جديد. كان يظن أنهم أخذوني مرةً أخرى. وكان يخشى، في كل مرة، أن يعجز عن إعادتي هذه المرة. بعد ثلاثة أعوام، علمتُ أمرًا لم أكن أعرفه من قبل. علمتُ أن دور الرعاية والمصحات الحكومية لا يكفي أن يُودَع فيها المرضى، بل يجب على ذويهم زيارتهم باستمرار للاطمئنان عليهم، كما يتوجب عليهم دفع الرسوم الدورية اللازمة لضمان استمرار رعايتهم. وإلا، فإن مستوى العناية قد يتراجع، وقد يُترك المريض لمصيره. حينها خطر لي ديان. ولأول مرة منذ زمن، سألت والدتي: "بما أننا لا نزوره أبدًا... فهل تدفعون لهم المال ليعتنوا به؟" حدقت بي وكأنني سألت عن أمرٍ لا يستحق التفكير، ثم قالت ببرودٍ أثار في نفسي القشعريرة: "ومن ذا الذي ينفق فلسًا واحدًا على مجنون؟ لقد فقد عقله، ولن يميّز بين رعايةٍ حسنة وأخرى سيئة. المال الذي قد نصرفه عليه أولى بنا أن ننفقه على أنفسنا." ساد الصمت. وللمرة الأولى، لم أجد ما أجيب به. ربما لأن جزءًا مني كان قد بدأ يصدق ما يردده الجميع... أن ديان قد فقد عقله حقًا. عدت إلى غرفتي، الغرفة التي كانت يومًا ما غرفتنا. لطالما حلمت بأن تكون لي غرفة تخصني وحدي، لكنني لم أتخيل قط أن تتحقق تلك الأمنية بهذه الصورة. كانت الوحدة التي تمنيتها أشد قسوةً مما ظننت. أما العنف، فلم ينتهِ برحيل ديان. ظل يرافقني أعوامًا أخرى، وإن خفَّ بعض الشيء عما كان عليه في السابق، حتى بلغت السابعة عشرة. حينها توفي والدي. قيل إن المرض أنهك كبده، وإن سنوات إدمانه على الخمر كانت كفيلة بأن تودي بحياته. ولم تمضِ سوى أشهر قليلة على وفاته حتى تزوجت والدتي رجلًا آخر، ثم غادرت معه إلى بلدٍ آخر. أرادت أن أصحبها، لكنني كنت على أعتاب امتحانات الثانوية النهائية، كما أن السفر كان يعني أنني قد لا أستطيع العودة إلى كوريا مرة أخرى. لكن... لم يكن ذلك السبب الوحيد، فقد كان هناك سبب آخر. ديان. المؤلم أن والديَّ نسياه تمامًا. والأشد إيلامًا... أنني، لوهلة، نسيتُه أنا أيضًا. مرت السنوات، ولم يعد حضوره يزور ذاكرتي إلا نادرًا، حتى كدت أعتاد غيابه، وكان ذلك أكثر ما أرعبني! كيف يستطيع الإنسان أن يتكيف مع فقدان من كان يومًا عالمه كله؟! كيف يمضي في حياته، حتى يغدو الغياب أمرًا مألوفًا؟ لم أكن أظن يومًا أنني سأكون قادرًا على إقصاء ديان من عقلي... لكن يبدو أن الزمن لا يمحو الذكريات فحسب... بل يعلّم أصحابها كيف يعيشون وهم يفتقدونها. بعد كل ما حدث، وبعد سفر والدتي، اتخذت قرارًا ظللت أؤجله أعوامًا طويلة، سأذهب لرؤية ديان. لقد مضت سبع سنوات منذ آخر مرة وقعت عيناي عليه. لم يكن غيابي عنه خيارًا. ففي ذلك الوقت، كانت عائلتي تفرض عليَّ قيودًا صارمة؛ لم يكن يُسمح لي بالخروج إلا إلى المدرسة، وكان وقت عودتي محسوبًا بالدقائق. أي تأخيرٍ كان يعني عقابًا جديدًا. ولم يكن لدي أصدقاء أستطيع الاحتماء بهم أو أختلق زيارتهم ذريعةً للخروج. ربما يعود ذلك إلى طبيعتي الانطوائية... على عكس ديان. كان ديان محبوبًا أينما حل، اجتماعيًّا إلى حدٍ يدهشني، يعرفه الجميع في المدرسة والحي، ويكسب ودَّ الناس بسهولة، حتى خُيِّل إليَّ يومًا أنه يعرف المدينة بأكملها. وقد حاولت مرارًا أن أقنع والدتي بأن نزوره، لكنها كانت تقابل طلبي بالرفض. كانت تقول: "لقد أصبح عنيفًا للغاية. لن نستطيع الاقتراب منه، ثم إن شكلك تغيّر كثيرًا، ولن يتعرف إليك. بل قد يؤذيك أنت أيضًا." ومع مرور السنوات، بقيت كلماتها عالقةً في ذهني... لكنها لم تعد تكفي لإيقافي. وفي النهاية، وجدت نفسي واقفًا أمام أبواب المصحة. قلت في نفسي: لا بأس، لن أخسر شيئًا إن حاولت. وما إن دخلت، حتى بادرني العاملون بتحذيري. قالوا إن ديان شديد العنف، وإن التعامل معه ليس بالأمر السهل. استغربت، أما زال على هذه الحال بعد كل تلك السنوات؟ ما الذي أبقاه غارقًا في كل ذلك الاضطراب؟ ولم أحتج إلى وقتٍ طويل حتى بدأت أفهم. كانت علامات الإهمال واضحةً في المكان؛ وجوه المرضى، وهيئة الغرف، وطريقة تعامل بعض الممرضين... كلها كانت تروي قصةً واحدة. ربما لم يكن أولئك الممرضون سيئين بطبيعتهم، لكنهم كانوا يعملون في ظروفٍ قاسية، برواتب زهيدة وإمكانات محدودة، فلم يكن بوسعهم أن يقدموا ما يحتاجه كل مريض. أما ديان... فلم يُدفع من أجله يومًا فلسٌ واحدٌ إضافي ليحظى برعايةٍ أفضل. تذكرت عندها شيئًا آلم قلبي. كان ديان، وهو لا يزال طالبًا، يدخر جزءًا من مصروفه اليومي، لا ليشتري ما يشتهيه، بل ليخفف عن والديه أعباء رسوم دراسته. كان يخشى أن يكون عبئًا عليهم... وفي النهاية، أصبح أول من تخلوا عنه. فتح أحد الممرضين باب الغرفة على مهل، ثم تنحّى جانبًا مفسحًا لي سبيل الدخول. ترددت لبرهة، كأن قدميّ قد أثقلهما خوفٌ مجهول، ثم دفعت نفسي إلى الداخل. استقبلتني غرفةٌ باردة، موحشة، منزوعةٌ من كل ما يمتّ إلى الحياة بصلة. جدرانها الشاحبة تقشّر عنها الطلاء في مواضع شتى، فكأنها تحمل ندوب السنين على جسدٍ أنهكه الإهمال. ومن نافذةٍ صغيرة تعلو الجدار، تسللت خيوطٌ واهنة من الضوء، لكنها عجزت عن تبديد العتمة المستوطنة في الأركان. لم يكن في الغرفة سوى سريرٍ معدني، وخزانةٍ بالية، ورائحة مطهراتٍ لاذعة اختلطت برطوبةٍ خانقة، حتى خُيّل إليّ أنني أقف في زنزانةٍ باردة، لا في غرفةٍ خُصصت للعلاج. وما إن تجاوزت العتبة بخطوةٍ واحدة، حتى انتفض الجسد الراقد على السرير انتفاضةً عنيفة، رغم أن الأحزمة كانت تُحكم وثاقه. اهتز السرير تحت مقاومته، وشق صراخه سكون المكان، حتى خُيّل إليّ أن الجدران نفسها قد ارتجفت له. ارتددت إلى الخلف بفزعٍ غريزي، وقد انعقدت قدماي من هول ما رأيت. كان يرمقني بعينين تائهتين ينهشهما الاضطراب، ويصيح بصوتٍ مبحوح اختلط فيه الرجاء بالهلع: "أين سوان؟! ماذا فعلتم به؟! إلى أين أخذتموه؟!" تجمد الدم في عروقي. الكلمات ذاتها... لم يبدّلها الزمن، ولم تُسقطها سبعة أعوامٍ من ذاكرته. ظل يبحث عني، وكأن الأيام توقفت عند اللحظة التي افترقنا فيها. غير أن صراخه، على قسوته، لم يكن أكثر ما صدمني. بل هو... ديان. أو ما تبقى منه. كان هزيلًا هزالًا يوجع النظر. برزت عظام وجنتيه حتى أضفت على ملامحه قسوةً لم تكن فيها، وغارت عيناه في محجريهما، وألبس الشحوب وجهه لونًا باهتًا، كأن الحياة انسحبت منه قطرةً بعد أخرى. ألا يأكل؟ ثم ارتفعت عيناي إلى شعره. كان شعره البني قد طال وتشعث، وتخللته خصلٌ بيضاء كثيرة، لا تشبه شيب السنين، بل تشبه أثر الأحزان حين تستوطن المرء حتى تبلغ شعره. تسمرت في مكاني، وعجز عقلي عن استيعاب ما أراه. متى هرِم أخي؟ وكيف اختطفه الشيب، وهو لم يبلغ سوى الرابعة والعشرين؟ لم أطق البقاء أكثر، فأدرت وجهي وخرجت مسرعًا، أفرّ من الغرفة كما يفر المرء من حقيقةٍ تعجز نفسه عن احتمالها. كنت ألهث، وأطرافي ترتجف، بينما أخذت تلك الصورة تستقر في أعماقي قسرًا، كأنها نُقشت على ذاكرتي نقشًا. ولأول مرة...تمنيت لو أنني لم آتِ. لو أنني بقيت محتفظًا بديان الذي أعرفه؛ أخي اللطيف، صاحب الابتسامة الدافئة، واليد التي لم تكف يومًا عن احتضان رأسي وربت شعري. أما هذا الذي رأيته.. فكيف أقنع نفسي أنه هو؟ وكيف أمحو من ذاكرتي صورة ذلك الشاب الذي التهمته سبع سنواتٍ من الألم، حتى لم تُبقِ منه إلا شبحًا يحمل اسم أخي؟ الآن فقط أدركتُ لِمَ كانت أمي تمنعني. ما كان ينبغي لي أن أعصيها، ولا أن أخالف وصيتها. ظللت أركض بلا وجهة، أفرّ من الغرفة، ومن صرخاته، ومن تلك الهيئة التي لم يطاوعني قلبي على الاعتراف بأنها لأخي. لم أتوقف إلا حين انقطع نفسي، فرفعت رأسي ألتقط الهواء، فإذا بي أقف أمام الحديقة التي اعتدت أنا وديان أن نقصدها معًا. تأملتها طويلًا...وهناك، ولأول مرة، اعترفت بما كنت أهرب منه: لقد رحل ديان. رحل إلى غير رجعة. أما الذي رأيته في تلك الغرفة، فلم يكن سوى جسدٍ أنهكه الزمن، وظلٍّ باهتٍ يحمل اسمه. ومنذ ذلك اليوم، لم أعد أزره، ولم أجرؤ حتى على السؤال عنه. عدت إلى المنزل، ومضت الأعوام، وأنا أقتلع كل ما يخصه من أركان البيت؛ صوره، وكتبه، وأغراضه... ثم حملتها جميعًا إلى القبو، كأنني بدفنها أدفن ذكراه معها، وأحكم إغلاق الباب على كل ما قد يعيدها إلى قلبي. وأقنعت نفسي، عامًا بعد عام، أن ديان قد مات. ولم يكن ذلك، في نظري، كذبًا. فمن المستحيل أن يكون ذلك الجسد الواهن، وذلك الوجه الذي محته المعاناة، هو أخي الذي عرفته. لقد فقد عقله حقًا، ولم يعد في وسعي أن أقدم له شيئًا، ولا أن أغيّر من واقعه شيئًا. حالته ميؤوسٌ منها، ولم يعد يعرفني حتى أستطيع أن أطمئنه أو أكون له سكينةً كما كنت يومًا. لقد انتهى كل شيء. هكذا كنت أردد لنفسي...وهكذا أقنعتها، حتى صدقتني. بعدها التحقت بالجامعة، وانغمست في الدراسة. كنت أعمل بدوامٍ جزئي أمينَ صندوقٍ في أحد المتاجر، ثم أعود منهكًا لأقضي ما بقي من الليل بين المحاضرات والواجبات. ولولا أن المنزل كان قد كُتب باسمي، لما استطعت تحمل نفقات العيش، فضلًا عن الدراسة. أما أمي... فقد تركت لي حليَّها الذهبية لأبيعها وأكمل بها طريقي. مفارقةٌ تثير مرارة الضحك... ففي النهاية، تصرفت كأم، وأعانتني، حتى بعد أن غابت. ومضت الأعوام، عامًا يتلوه عام، حتى بلغت التاسعة عشرة من عمري. كان كل يوم يمضي على الوتيرة نفسها؛ أدرس صباحًا، وأقف خلف صندوق المحاسبة في المتجر بقية النهار، حتى غدت الأيام تتشابه، وكأنها نسخة واحدة تتكرر بلا نهاية. وفي أحد تلك الأيام، تقدمت فتاة إلى صندوق الدفع تحمل مشترياتها. وما إن وقعت عيناها على بطاقة اسمي المعلقة على صدري، حتى اتسعتا دهشة، وانفلتت منها شهقة وهي تقول: "أأنت... سوانغ جين؟!" أومأت برأسي في حيرة، فأسرعت تسأل، وقد بدا الاضطراب جليًا على وجهها: "ألست شقيق ديانغ جو؟" ديان... كم مضى منذ أن سمعت أحدًا ينطق اسمه؟ أومأت مرة أخرى. فوضعت يدها على فمها، وقالت بصوتٍ خافت اختلط فيه الذهول بالحزن: "إذًا... أحقًا مات ديانغ؟!" ساد بيننا صمتٌ ثقيل. لم يكن هذا الحديث مما يليق أن يُقال أمام الزبائن، ولا أثناء ساعات العمل، فاعتذرت إليها بلطف قائلاً: "ستنتهي نوبتي بعد نصف ساعة، إن لم يكن لديك مانع، فلنكمل الحديث حينها." ابتسمت ابتسامةً هادئة، وأومأت موافقة. لكن نصف الساعة امتدت ساعة... ثم ساعتين كاملتين. وكانت، طوال ذلك الوقت، لا تزال تنتظر. وما إن أنهيت آخر ما عليّ، حتى خرجت من المتجر مسرعًا، وانحنيت إليها معتذرًا عن طول التأخير. فهزت رأسها برفق، وقالت بابتسامة لطيفة: "لا بأس... فأنا من أوقفك منذ البداية." عندها أمعنت النظر في وجهها. بدت ملامحها مألوفة على نحوٍ أربكني، وما لبثت الذكرى أن انبثقت من أعماق ذاكرتي. ...سو ميان. زميلة ديان. كم غيّرتها الأعوام؛ فقد طال شعرها، واستقر فوق جبينها غُرَّة يابانية أنيقة، واكتست ملامحها نضجًا لم أعرفه فيها من قبل. حقًا...ما أسرع انقضاء السنين. جلسنا على أحد المقاعد في متنزهٍ قريب، ولم تكد تمر لحظات حتى أعادت إليّ السؤال نفسه، وكأنها كانت تتشبث بأملٍ أخير: "أحقًا... مات ديانغ جو؟" كان القلق بادياً في عينيها، وصوتها يرتجف وهي تنتظر جوابي. استجمعت أنفاسي وقلت: "لا... إنه في المش_" لكن الكلمات توقفت على طرف لساني. عاد ذلك المشهد يقتحم ذاكرتي؛ الجسد الهزيل، والوجه الذي أكلته المعاناة، والنظرات التائهة، والصراخ الذي لم ينقطع منذ سبع سنوات. ثم مرّت في خاطري فكرةٌ موجعة. لقد كان في حالٍ يُرثى لها حتى إنني لم أعد أتعرف إليه. ومضت أعوام طويلة منذ آخر مرة رأيته... فمن يدري؟ لعلّه قد فارق الحياة حقًا. ثم إن المستشفى لم يكن يملك وسيلةً للتواصل معنا؛ فرقم الهاتف المسجل يعود إلى والدي، وقد رحل، وهاتفه الآخر تحطم منذ زمن. فمن كان سيخبرني إن حدث له شيء؟ ساد الصمت بيننا. أطرقت سو ميان رأسها، وانهمرت دموعها في هدوء، ولم تحاول أن تخفيها. بدا حزنها صادقًا، حتى راودني خاطرٌ عابر... أكانت تحبه؟ قطعت صمتي وسألتها برفق: "من تكونين بالنسبة إليه؟" مسحت دموعها، ثم أجابت بصوتٍ خافت: "اسمي سو ميان. كنت أنا وديانغ في الفصل نفسه... كنا زميلين." توقفت لحظة، ثم ابتسمت ابتسامةً باهتة يشوبها الأسى. "والحقيقة... كنت معجبة به." خفضت بصرها وهي تتابع: "لكنني لم أملك الشجاعة لأخبره. ثم تغيب عن المدرسة فجأة، وقيل لنا إنه تعرض لحادث. أردت زيارته... غير أنني أنتمي إلى عائلةٍ شديدة الصرامة، ولم يسمحوا لي بالذهاب." أنصتُّ إليها في صمت. كنت أفهم شعورها أكثر مما تتصور. فأنا أيضًا، بطريقةٍ مختلفة، كنت عاجزًا عن الوصول إليه. ومع ذلك...حمدت الله في سري أنها لم تزره يومها. فلو وقعت عيناها على ديان بذلك الحال، لما استطاعت أن تصدق أن ذلك الرجل المنهك، المحطم، هو الفتى الذي أعجبت به يومًا. التفتت إليّ، وقد ارتسمت على شفتيها ابتسامةٌ هادئة يشوبها الحنين، ثم قالت: "أتذكر أن ديانغ أخبرني يومًا أنه يحلم بأن يصبح معلّمًا للأطفال. يومها قلت له إنني سأصبح معلمةً أنا أيضًا." ابتسمت ابتسامةً صغيرة، ثم أردفت بفخرٍ رقيق: "وقد حققت ذلك... فأنا الآن معلمة أطفال." سكتت لحظة، وكأنها تنقّب في ذاكرتها، ثم تابعت: "وقبل سنواتٍ زرت منزلَكم. فتحت لي والدتك الباب، فسألتها عن ديانغ، فأخبرتني أنه توفي. طلبت منها أن تدلني على قبره لأزوره... لكنها أغلقت الباب في وجهي. وأظن أنني، من حيث لا أشعر، أيقظت جرحًا كانت تحاول دفنه." خفضت بصري. أجل... كانت أمي تمقت حتى سماع اسمه، وتعدّه ميتًا منذ ذلك اليوم. لكن شيئًا آخر استوقفني، لقد كبرت سو ميان حقًا. وهذا يعني... أن ديان، لو لم تسحقه تلك الحادثة، لكان اليوم في العمر نفسه، واقفًا أمام سبورةٍ صغيرة، تحيط به ضحكات الأطفال التي طالما أحبها. كان سيصبح معلّمًا... كما تمنى. لكن يدًا آثمةً سلبته مستقبله، ثم مضت وكأنها لم تسلب إنسانًا حياته كلها. انتشلني صوتها من شرودي. "مهلًا... أنت تبكي." رفعت رأسها نحوي وقد بدا الارتباك على ملامحها. "أنا آسفة... لم أقصد أن أفتح عليك جراحًا قديمة." حينها فقط أدركت أن الدموع كانت تنساب على وجنتي في صمت. لم أعرف لأي سببٍ أبكي.. ألأنني تذكرت ديان؟ أم لأنني رأيت الحياة التي كان يستحقها ولم يعشها؟ أم لأنني كنت أدفنه في قلبي كل يوم، وأنا أوهم نفسي أنني نسيت؟ تدفقت الذكريات دفعةً واحدة. يوم كسرت ساقي صغيرًا، لم يفارقني ديان لحظة. كان يحملني على ظهره كلما ضقت بالجلوس في المنزل، ويقول ضاحكًا إن الجدران تُمرض الأرواح، وإن الهواء الطلق خير دواء. كان يطعمني بيديه، ويسهر على راحتي، ويعتني بي كما لو كنت أغلى ما يملك. أما أنا... فما إن اشتدت المحنة عليه، حتى تركته. تركت اليد التي حملتني يومًا، وحملت نفسي بعيدًا عنها. وقطعت سو ميان خيط أفكاري وهي تقول بابتسامةٍ باهتة: "أتعلم؟ كان ديانغ يتحدث عنك كثيرًا. كان يقول إنه يملك أخًا أصغر شديد الذكاء، ثم يذكر اسمك بفخر، ويكرر دائمًا أنك... أفضل أخٍ يمكن أن يُرزق به." أفضل أخ؟ كادت العبارة تنتزع مني ضحكةً مرة. أيُّ أخٍ صالحٍ هذا الذي هرب؟ وأيُّ وفاءٍ بقي في رجلٍ أقنع نفسه أن أخاه قد مات، لأنه لم يحتمل رؤيته حيًا؟ كنت أزدري والديّ لأنهما تركاه يواجه مصيره وحيدًا. لكنني، في نهاية المطاف... سلكت الطريق ذاته. بل لعلني كنت أشدَّ منهما قسوة؛ فهما تركاه عجزًا، أما أنا... فتركته اختيارًا. بعد أن افترقت عن سو ميان، سلكت طريقي نحو المنزل، غير أن قدميّ كانتا تسيران، بينما ظل عقلي عالقًا في مكانه. كانت كلماتها تتردد في رأسي بلا انقطاع، حتى غدت أثقل من أن أحتملها. أحقًا انتهى كل شيء؟ ألم يبقَ ما يمكن إصلاحه؟ توقفت فجأة في منتصف الطريق، ظللت أحدق في الفراغ لحظات، ثم استدرت دون تردد، وغيرت وجهتي نحو المستشفى. سأحاول...ولو مرةً أخيرة.
21 مشاهدة · هل استمتعت بالسلسلة؟ اشترك وادعم مبدعها!
كن أول من يعلق!