

أحمل في داخلي من الذكريات ما يكفي لإثقال أعمارٍ بأكملها. فمنذ أن وعيتُ على هذه الحياة، لم أعرف من الرجل الذي يُدعى والدي سوى القسوة. كان ينهال عليَّ ضربًا أمام والدتي، بينما كنتُ، في كل مرة، أرفع يدي الصغيرتين نحوها مستغيثًا، أرجو منها أن تنتشلني مما أنا فيه. لكن يدي كانت تعود إليَّ خائبة... ولا يزال أكثر ما يطاردني حتى اليوم تلك النظرات التي كانت ترمقني بها؛ نظراتٌ جامدة، يختلط فيها الاشمئزاز بالعجز، حتى غدت محفورةً في ذاكرتي، يستحيل على الزمن أن يمحوها. وربما... كانت خائفة هي الأخرى. فوالدي كان شرطيًّا سابقًا؛ رجلًا يقف أمام الناس مدافعًا عن حقوقهم، ثم يعود إلى منزله ليجعل منه ساحةً للعنف، يبطش بزوجته وطفله بلا رحمة. كانت والدتي هي الأخرى تنال نصيبها من ذلك العنف، غير أن خوفها لم يمنعها أحيانًا من أن تشاركه في تعنيفي، وكأن الألم لا يكتمل إلا إذا تكاثرت الأيدي التي تصنعه. أما العصا... فكانت طويلةً، دقيقة المظهر، حتى ليخيل إلى من يراها أنها لا تؤذي أحدًا. لكنها، ما إن ترتفع في الهواء حتى تشق الصمت بصفيرها الحاد، حتى أشعر بالألم قبل أن تلامس جسدي، ثم تهوي بكل قسوتها، تاركةً خلفها لسعةً تحرق الجلد والعظم معًا. ومع ذلك... كانت أهون من قبضتي والدي. كان كل ذلك جزءًا من طقوس يومية لا تكاد تتغير؛ يبدأ المساء بالصراخ والضرب، ثم ينتهي بأن نجلس جميعًا حول مائدة العشاء، نتبادل الأطباق والنظرات، وكأن شيئًا لم يحدث قط... وكأننا عائلةٌ دافئة، يغمرها الحب، لا بيتٌ يختبئ بين جدرانه كل ذلك الرعب. لعلَّ عظامي كان ينبغي لها أن تتحطم تحت وطأة ما كنت ألقاه من عنف... لولا أن أحدًا كان ينتشلني في كل مرة، ويقف بيني وبين تلك القسوة، متلقيًا جزءًا منها عني. كان ذلك الشخص ديانغ جو... أخي، ديان. وبطريقةٍ ما، لم يكن يتعرض لما أتعرض له من تعنيفٍ مبرح. ولعل السبب يعود إلى أن الرجل الذي كنت أُجبر على تسميته والدي لم يكن والدي البيولوجي، بينما كان ديان ابنه الحقيقي. ومع ذلك، لم يتردد ديان يومًا في الوقوف إلى جانبي. أما ذلك الرجل، فما زال حضوره وحده قادرًا على أن يبعث الرعب في أوصالي. يكفي أن أسمع صوته، أو تقع عيناي عليه، أو أشعر بوجوده في المكان، حتى تصطك أسناني دون إرادة مني، ويعود جسدي أسيرًا لذاكرةٍ لم تنسَ شيئًا. أكان السبب تلك الحادثة التي وقعت حين كنت في العاشرة؟ كنا نلهو في الحي، وحين تحطم زجاج نافذة أحد الجيران، سارع الجميع إلى إلقاء التهمة عليّ. ربما لأنهم كانوا يعلمون أنني الطفل الذي لا سند له، وأن أحدًا لن يدافع عنه. في تلك الليلة، لم يكف ديان عن التوسل إليه، كان يكرر مرارًا أنني لست الفاعل، ويحاول أن يشرح له ما حدث، لكن كلماته كانت تتكسر قبل أن تبلغ أذنيه. أما أنا، فلم يكن يصغي إلى حرفٍ واحد مما أقوله. كان يحدق إليَّ بعينين يشتعل فيهما الغضب، ووجهٍ متجهمٍ تكسوه حمرةٌ تعبر جسر أنفه، حتى بدا في نظري كثورٍ هائج لا يعرف سوى الاندفاع. كان يعود إلى المنزل مخمورًا في كثير من الليالي، حاملاً معه كل ما يعتمل في صدره من غضبٍ واضطراب، ثم يفرغه فينا بلا رحمة، كأننا المسؤولون عن شقائه. وفي تلك الليلة، كان الحزام ملتفًا حول قبضته. أما أنا، فلم أكن أملك سوى خوفي. رغم أن مظهر والدي وحده كان كفيلًا بإرهاب أي شخص، ورغم القسوة التي كانت تكسو ملامحه حتى ليبدو كوحشٍ لا يُقهر، كان ديان يقف أمامه بثباتٍ عجيب، لم ترتجف يداه، ولم يتغير صوته. ظل واقفًا أمامه يشرح ويحاول إقناعه، وقد وضعني خلفه تمامًا ليحميني. كنت متشبثًا بقميصه من الخلف، أختبئ خلف ظهره الصغير، وأرفع عيني بين لحظةٍ وأخرى نحو والدي، أترقب أي تغيرٍ في ملامحه... أي إشارةٍ تخبرني أنني نجوت من هذه الكارثة. لكن ديان لم يتراجع. كان، من بيننا جميعًا، الأكثر شجاعةً في الوقوف أمامه. ومع ذلك، لم تكن شجاعته وقاحةً أو تحديًا، بل كان يتحدث بهدوءٍ واحترام، كأنه يحاول تهدئة عاصفةٍ لا يمكن إيقافها. لطالما تساءلت...كيف استطاع ديان أن يبقى مهذبًا إلى هذا الحد؟ حتى عندما كان الغضب يشتعل داخله، لم يكن يفقد السيطرة على نفسه، ولم يسمح للألم الذي عاشه أن يحوله إلى شخصٍ آخر. سمعته في تلك الليلة يترجاه بصوتٍ هادئ: "والدي... أرجوك أن تهدأ. أقسم لك أن سوانغ لم يكن الفاعل. أنت تعلم أنني لم أكذب عليك في حياتي، لذلك أرجوك... صدقني." وحتى بعد كل شيء، كان لا يزال يناديه: والدي. أخبرني ديان ذات مرة أنه مهما كان حظنا سيئًا، ومهما قست علينا الأيام، ومهما كان والدانا مخطئين، فهذا لا يمنحنا الحق أبدًا في إهانتهم أو مخاطبتهم بوقاحة. كان يؤمن أن لكل إنسانٍ أوجاعه التي لا نراها، وأن والدينا، رغم أخطائهم، قد مروا هم أيضًا بالكثير من المعاناة. كانوا سبب وجودنا في هذا العالم، وقد تحملوا مسؤولية تربيتنا، ولذلك علينا أن نُظهر لهم الامتنان. لم أفهم حينها كيف استطاع التفكير بهذه الطريقة... كيف يمكن لشخصٍ عانى مثلنا أن يحمل كل هذا القدر من الرحمة؟ كنت سأحاول العمل بنصيحةٍ تلقيتها من بطلي وقدوتي...لولا أن ما حدث في تلك الليلة بدّل شيئًا في داخلي إلى الأبد. بعد أن أنهى ديان حديثه، خيّم الصمت للحظات. ظل والدي واقفًا دون كلمة، ثم تحرك مبتعدًا. تجمدت للحظة، ثم اتسعت عيناي بدهشة. أحقًا... نجح ديان؟ أحقًا لن أعاقب هذه المرة؟ رفعت رأسي إليه، وقد امتلأ قلبي براحةٍ لم أعرفها منذ وقت طويل. تورد وجهي من الفرح، وارتسمت على شفتي ابتسامة عريضة؛ فقد كنت مذعورًا من ذلك العقاب تحديدًا. "ديااان! أنت بطلي! شكرًا... شكرًا!" خفض ديان بصره نحوي، وغمرتني تلك النظرة الحانية التي لطالما شعرت معها بالأمان. رفع يده يعبث بشعري برفق، ثم رسم على وجهه ابتسامةً دافئة، ابتسامةً كانت كفيلة بأن تجعل العالم بأكمله يبدو أقل قسوة. لكن... لم تدم تلك اللحظة سوى لثوانٍ. فجأةً دوّى صوت تحطّمٍ مرعب. ثم سقط.. سقط أرضًا...غارقًا في بركةٍ من الدماء أخذت تتسع شيئًا فشيئًا تحت جسده. توقفت أنفاسي، وتجمد كل شيء من حولي. لم أفهم ما حدث في البداية، حتى وقعت عيناي على ما تبقى من الشيء المحطم بجانبه. كان الصحن الأثري القديم، ذلك الصحن الرخامي الثقيل الذي ورثناه عن أجدادنا، والذي كان يُعد من أثمن مقتنيات العائلة. كان ثقيلاً لدرجة أنني لم أكن أستطيع حمله بكلتا يديّ، ومع ذلك...لقد تحطم. تحطم فوق ديان. ظللت أحدق فيه بعينين لا تستوعبان المشهد، بينما كان هو ساكنًا لا يجيب. ديان...لم ينهض. اندفعتُ نحوه بلا وعي، أُناديه مرةً تلو الأخرى، لكن الصمت كان وحده ما يجيبني. لم يأتني صوته... تلك العينان اللتان طالما حملتا ذلك الهدوء والدفء، بدأ بريقهما يخفت شيئًا فشيئًا، وكأن شيئًا ما كان ينتزع منهما الحياة ببطء. شعرتُ وكأن المسافة بيني وبينه تتسع، رغم أنه كان أمامي، قريبًا إلى حد أنني أستطيع لمسه. في تلك اللحظة، لم أعد أسمع شيئًا سوى صوتي. صوتي المرتجف وأنا أناديه، وكأن تكرار اسمه قد يعيده إليّ، وكأن الخوف وحده هو ما يمنعني من فقدانه. ثم رأيت انعكاسي على الأرض أمامي... رأيت طفلًا صغيرًا، مذعورًا، عاجزًا، لا يملك سوى الوقوف هناك ومشاهدة الشخص الوحيد الذي وقف لحمايته وهو يتألم بسببه. كرهت ذلك الانعكاس، كرهت ذلك الضعف الذي التصق بي، وكرهت عجز يديّ الصغيرتين اللتين لم تستطيعا يومًا ردّ الأذى عمّن حاول حمايتي. لأن ديان... بطلي الوحيد، وملجئي الوحيد... كان يتألم بسببي. لم أكن أدرك أن الدم قد لطخني أنا أيضًا. كنت غارقًا في صدمتي، أتشبث بوهمٍ لا يريد عقلي تصديقه؛ فكيف يمكن لبطلي أن يسقط؟ كيف يمكن لمن وقف دائمًا أمامي أن يصبح عاجزًا عن النهوض؟ بغباء طفلٍ يرفض قبول الحقيقة، واصلت مناداته، وكأن صوته سيأتي إن كررت اسمه بما يكفي. "ديانغ... ديانغ جو!" لم أكن أنوي التوقف. كنت سأظل أناديه حتى الصباح، حتى يعود إليّ، حتى يفتح عينيه من جديد... لكن صرخةً مدوية مزقت المكان وأجبرتني على الصمت. "سوانغ!!!!" تجمد جسدي، وفي لحظة واحدة عاد كل شيء. بدأت أوصالي ترتجف بعنف، واهتز جسدي كأن الخوف قد تسلل إلى عظامي نفسها. اصطكت أسناني ببعضها، وغدا تنفسي مضطربًا لا أستطيع السيطرة عليه. كان صوته...صوت والدي. نظرت إلى ديان، إلى الشخص الذي كان يقف دائمًا بيني وبين ذلك الوحش، لكنه هذه المرة لم يتحرك، لم يستيقظ. ولأول مرة شعرت أنني وحدي تمامًا. إنه يوم موتي... رفعت رأسي ببطء، ثم استدرت خلفي، ورأيته. ذلك الوجه الذي ظل يطاردني في كوابيسي، ذلك الوحش الذي لم أستطع الهرب منه يومًا. اندفعت نحو ديان بسرعة، أريد التمسك به، أريد أن أختبئ خلفه كما فعلت دائمًا... لكن يدًا أمسكت بقميصي من الخلف، وسحبتني بعيدًا. مددت يدي نحوه بكل ما أملك من قوة، وكأن المسافة بيننا أصبحت هاويةً لا يمكن عبورها. انهمرت دموعي بلا توقف، وخرج صوتي ممزقًا من شدة الخوف: "ديااان... ديان!" لكن ديان لم يتحرك. لم ينهض. لم يأتِ لينقذني هذه المرة. ولأول مرة، تسلل إلى قلبي سؤال لم أجرؤ على التفكير به... هل مات ديان؟ هل سأعيش بقية حياتي دون أن أراه مجددًا؟ في ذلك اليوم، لم أتعرض للضرب. لكنني عوقبت بطريقة أخرى؛ حُبست في القبو ليومين كاملين. ومع ذلك، لم يكن خوفي على نفسي هو ما يؤلمني... كنت أفكر في ديان فقط. كنت أدعو طوال الوقت أن يكون بخير، أن يكون سالمًا، أن يفتح عينيه من جديد، وألا يكون قد رحل عني. لكنني ربما أخطأت في دعائي... كان يجب أن أطلب من الله أن يعيده إليَّ سالمًا معافى... لا أن يكون حيًّا فقط. بعد أن انقضى اليومان، فتحت لي والدتي الباب سرًّا، وكأنها تخشى أن يسمع أحد ما تقوله، ثم أخبرتني أن ديان ما زال حيًّا. في تلك اللحظة، انفرجت أساريري، واتسعت ابتسامتي دون أن أشعر. كان حيًّا. ل م أحتج إلى أكثر من هذه الكلمة حتى أشعر بأن الهواء عاد إلى صدري من جديد. أخبرتني والدتي أنه في غرفتنا، فما كان مني إلا أن أسرعت نحو السلالم لأصعد إليه، لكنني توقفت فجأة حين وصلتني أصوات من الأسفل. "عزيزي... كيف سنتعامل معه الآن؟" ساد صمت قصير، ثم جاء صوت والدي: "لا أدري حقًا... لكنه لن يبقى هنا، وهذا أمرٌ مؤكد. لقد أصبح عبئًا ثقيلًا يرهقنا." تجمدت في مكاني، وتوقفت أنفاسي للحظة. هل... هل كانا يتحدثان عني؟ هل يريدان التخلص مني؟ اجتاحني الخوف، ولم أعد أفكر بشيء. اندفعت صاعدًا الدرج مسرعًا، تختلط خطواتي بالهلع، وتنساب دموعي من عينيّ دون توقف؛ فقد كان داخلي ممتلئًا بشوقٍ هائل لرؤية ديان، وخوفٍ أكبر من أن أفقده. وصلت إلى الباب، ولم أكلف نفسي عناء الطرق. فتحته بقوة. وكان أول ما رأيته... ديان. كان جالسًا على السرير، مغطىً باللحاف، يحدق من النافذة بصمت. لفَّت رأسه ضمادة، وبدا عليه الإرهاق والضعف. التفت إليَّ. في البداية عبس قليلًا، ونظر إليَّ بتلك النظرة التي جعلت قلبي يتوقف للحظة؛ نظرة لم أستطع تفسيرها. لكنها لم تدم طويلًا. سرعان ما لانت ملامحه، واتسعت ابتسامته الدافئة التي أعرفها. "سوان!" خرج مني نفسٌ طويل لم أدرك أنني كنت أحبسه. لا أعرف لماذا كنت خائفًا إلى هذا الحد... فهو أمامي، حي، ولم يتغير شيء. اندفعت نحوه دون تفكير، وما إن اقتربت حتى فتح ذراعيه ليستقبلني، فاندفعت إلى حضنه بكل ما أملك من قوة. تشبثت به، وانهمرت دموعي بلا توقف. لقد اشتقت إلى هذا الدفء... إلى هذا الشعور بالأمان. للحظةٍ واحدة، كنت قد صدقت أنني سأفقده إلى الأبد، وأنني لن أراه مجددًا. كان ذلك الاحتمال وحده كافيًا ليملأني رعبًا لا يوصف. "ديااان... ظننت أنك متَّ... كنت خائفًا!" ظل يربت على ظهري بهدوء، كعادته دائمًا، ثم قال بصوتٍ مطمئن: "لا تقلق... لا بأس. أنا هنا." وكانت تلك الكلمات البسيطة كافيةً لأشعر أن العالم لم ينهَر بالكامل. فصلتُ العناق ببطء، لأتأمل وجهه. كنت أحتاج أن أراه بعينيّ، أن أتأكد أنه ما زال هنا، وأن تلك اللحظة التي رأيته فيها ساكنًا بلا حراك لم تكن سوى كابوسٍ عابر. لكن ذكرى عينَيْه حينها، حين خفت بريقهما وبدأتا تفقدان ذلك الهدوء الذي أحببته فيهما، عادت إلى ذهني فجأة، فارتجف قلبي من الخوف. لاحظ ديان ذلك، فمد يده ومسح دموعي بإبهامه برفق، ثم رفع يده يربت على رأسي كما اعتاد دائمًا. وقال بابتسامته الهادئة: "سوان... سوان، أنت لطيفٌ للغاية." اتسعت ابتسامة مشاكسة على وجهي للحظة، وكدت أنسى كل شيء... لكن ذكرى أخرى عادت فجأة، فأطفأت فرحتي وأعادت ذلك الشعور الثقيل إلى صدري. أسرعت بإخباره: "ديان، اسمع! والداي... والداي يريدان التخلص مني. كانا يتحدثان عني، قالا إنني أصبحت عبئًا عليهما... هل سيطردانني من المنزل؟ هل سيعيدانني إلى ذلك المكان؟" كنت طفلًا ساذجًا حينها... ولو عاد بي الزمن، لما نطقت بهذه الكلمات أبدًا. لو كنت أعلم فقط أن تلك الجمل البسيطة، التي خرجت من فم طفلٍ مذعور، ستستقر في عقل ديان وتترك فيه خوفًا لا يرحل... لصمتُّ، ولما جعلته يحمل همًّا لم يكن عليه أن يحمله. شدني ديان إليه أكثر، وضمني إلى صدره، ثم قال بصوتٍ ثابتٍ مليء بالطمأنينة: "سوان... يا طفلي العزيز، لن أدع أحدًا يؤذيك. ولن أسمح لأحد أن يأخذك بعيدًا." هدأ قلبي حينها. بالطبع، فديان بطلي سيحميني دائمًا. لم أكن أعلم أن خلف ذلك الوعد الجميل كان هناك خوفٌ آخر ينمو بصمت. فلم تمضِ سوى أيامٍ قليلة حتى بدأت أدرك أن شيئًا ما قد تغيّر. ديان لم يعد كما كان. لم يعد ذلك الشخص الذي أعرفه تمامًا. توقف عن الذهاب إلى المدرسة، وابتعد عن أصدقائه، وحتى عندما كنت أحدثه عنهم، كان ينظر إليَّ ويرد وكأنني أتحدث عن أصدقائي أنا، لا عن أصدقائه هو. كان هناك شيءٌ غريب في تصرفاته، شيءٌ يجعله يبدو وكأنه يحمل عبئًا أكبر من عمره. ولأول مرة، لم أعد أشعر أنني الوحيد الذي يحتاج إلى من يحميه، بل بدا لي أن ديان نفسه أصبح بحاجةٍ إلى من يرعاه. ولم يكن الأمر مقتصرًا على فقدانه لذاكرته فقط... فديان لم يعد قادرًا على التعرف إلى والديّ أيضًا، وكأن وجوههما مُحيت تمامًا من ذاكرته. لم يبقَ في عقله سوى صورة واحدة ثابتة... صورتي أنا. كنت أذهب إلى المدرسة وأنا أحمل في داخلي قلقًا لا يفارقني، ثم أعود مسرعًا إلى المنزل، فقد اعتدت أن أكون الشخص الوحيد القادر على تهدئته. كنت أجد والدتي تحاول السيطرة عليه، بينما كان هو غارقًا في حالة اضطرابٍ شديدة، يثور بعنف ولا يستجيب لأي محاولة لتهدئته. لكن ما إن يراني حتى يتغير كل شيء. كان يهدأ. وكأن وجودي وحده كان الشيء الوحيد الذي يستطيع انتشاله من ذلك العالم المضطرب الذي علق فيه. لم أفهم حينها سبب كل ذلك التغير. عرفت الحقيقة لاحقًا... فالضربة التي تلقاها ديان لم تكن مجرد إصابةٍ عابرة. لقد تركت أثرًا عميقًا عليه، وتسببت في أذى داخل دماغه، مما أثر في ذاكرته وإدراكه. أخبرني الأطباء أنه يعاني من اضطرابٍ ذهاني حاد، وأن حالته أصبحت معقدة للغاية، وأن عودته كما كان أمرٌ غير ممكن. ومنذ ذلك اليوم، لم يعد الناس يرون ديان كما كنت أراه أنا. لم يروا الأخ الذي وقف أمام الخوف من أجلي، ولا الشخص الذي كان يربت على رأسي ويخبرني أنني لن أُؤذى أبدًا. نسوا أنه إنسان. اختزلوا حياته كلها في كلمةٍ واحدة: "مجنون." وكأن هذه الكلمة كانت كافيةً لتسلبه اسمه، وكرامته، وكل ما كان عليه يومًا. لم يعد أحد يناديه ديانغ... لم يعد ذلك الفتى الطيب الذي أحب الجميع وأحبوه، بل صار في أعينهم شخصًا لا يُرى؛ حاضرًا بجسده، غائبًا في نظرهم، كأن وجوده وعدم وجوده سواء. كان ديان محبوبًا على نحوٍ يصعب وصفه. كان يملك أصدقاءً كثر، يحيطونه بالود والضحكات، ويملؤون أيامه بالحياة. لكن ما إن وُسم بتلك الكلمة حتى تلاشى الجميع. اختفوا واحدًا تلو الآخر، وكأن المودة التي ملأت أفواههم يومًا لم تكن سوى شيءٍ هش، يتبدد عند أول محنة. وفي النهاية... لم يفقد ديان ذاكرته وحدها. بل فقد الناس أيضًا. لم تمضِ أيامٌ كثيرة حتى جاء ذلك اليوم الذي لن أنساه ما حييت.
23 مشاهدة · هل استمتعت بالسلسلة؟ اشترك وادعم مبدعها!
كن أول من يعلق!