

دخلت غرفته، لكن ما إن وقعت عيناه عليّ حتى ثار كما اعتاد. قاوم القيود التي كانت تكبل جسده، وأخذ يصرخ بجنون، يردد السؤال ذاته بإلحاحٍ يمزق القلب: "أين سوان؟! ماذا فعلتم به؟!" حاولت أن أقترب منه، وأخبرته مرارًا: "أنا سوان... أنا أخوك." لكن كلماتي كانت تتلاشى قبل أن تبلغ قلبه، وكأنها لم تُنطق قط. خرجت يومها مثقلًا بالخيبة. ومع ذلك...عدت في اليوم التالي. ثم الذي يليه. ثم الذي بعده. حتى مضى شهرٌ كامل، وأنا أزوره كل يوم، أتشبث بأملٍ يتضاءل مع كل لقاء، وأردد اسمي أمامه مرةً بعد أخرى، لعل ذاكرته تنتشلني من بين ركامها. لكنها لم تفعل. وفي أحد الأيام، استوقفني أحد أطباء المستشفى بعدما طال ترددي على القسم. نظر إليّ بعينين يملؤهما الأسف، وقال برفق: "لا تُرهق نفسك... لن يفيد هذا." كانت كلمات قليلة... لكنها أطفأت آخر شعلةٍ بقيت في داخلي. مهما فعلت...فلن يعرفني ديان. ولن يعود أخي الذي أعرفه. ومع ذلك، عزمت أن أزوره مرةً أخيرة. لا لأنني أؤمن بالمعجزة، بل لأنني أردت، حين أنظر إلى نفسي يومًا، ألا أقول إنني قصّرت. دخلت الغرفة. وكان ديان، في ذلك اليوم، أشد وهنًا مما عهدته. ازداد جسده نحولًا، وغارت عيناه أكثر، وقد احمرّتا من السهر والإنهاك، بينما خيّم على ملامحه تعبٌ عميق، كأن الحياة تستنزفه ببطء، يومًا بعد يوم. أما ابتسامته... فلم يعد لها أثر. وحين وقعت عيناي على شفتيه الخاليتين من ذلك الدفء الذي عرفته، انقبض قلبي. فقد كان ديان، في الماضي، رجلًا لا تكاد الابتسامة تفارق محيّاه، حتى حسبتها يومًا جزءًا من ملامحه. أما الآن... فقد سرقها الألم، كما سرق منه كل شيء. وحين أمعنت النظر في عينيه، للمرة الأولى، لم أرَ فيهما غضبًا... بل رأيت رعبًا..رعبًا خالصًا، يستوطن أعماقه. كان يبحث عني بعينين مذعورتين، كأنهما لا تزالان عالقتين في ذلك اليوم المشؤوم، يخشى أن أكون قد اختُطفت مرةً أخرى، وأنه عجز، مرةً أخرى، عن إنقاذي. وهنا... صفعني الإدراك. أتُراه عاش تسع سنواتٍ كاملة وهو يحمل هذا الخوف؟ أتُراه يستيقظ كل يومٍ على الفاجعة نفسها، ويعيد عيشها في كل لحظة، دون أن تنقضي؟ أيُّ عذابٍ هذا الذي حُكم عليه به؟ لقد تجاوزتُ أنا تلك الحادثة منذ زمن. تجاوزتها لأن ديان كان هناك... يحمل عني خوفي، ويجمع شتات قلبي، حتى وقفت على قدمي من جديد. أما هو... فلم يكن له ديان.. لم يجد يدًا تمتد إليه، ولا قلبًا يحتضن ألمه، فظل أسير تلك اللحظة، لا يغادرها، ولا تغادره. خارت قواي. هوَيت على ركبتي، وكأن الأرض انتزعت ما بقي في ساقيّ من قوة، وانفلتت من صدري شهقاتٌ متلاحقة، خشنة، موجعة، حتى شعرت أن أنفاسي تتمزق معها. أنا... الذي نادرًا ما أبكي. لكن شيئًا في صدري كان يحترق، حتى خُيل إليّ أن الكلمات نفسها صارت تؤلمني وهي تخرج. وبين شهقةٍ وأخرى، أخذت أردد بصوتٍ متكسر: "أنا... أنا سوان... صدقني... أنا سوان..." كنت أرجوه، أرجوه أن يراني. أن يعرفني.. أن يعود إليّ أخي، ولو للحظةٍ واحدة. لكن البكاء ابتلع بقية الكلمات، حتى عجز لساني عن النطق، ولم يبقَ سوى نحيبٍ مكتوم يهز جسدي كله. أسندت جبيني إلى الأرض، وتركت دموعي تنهمر بلا مقاومة، كأنها تحاول أن تغسل تسع سنواتٍ من الذنب، وإن كنت أعلم أنها لن تستطيع. وفجأة...شعرت بيدٍ دافئة تستقر فوق رأسي. يدٍ تمسح شعري برفقٍ أعرفه... برفقٍ لم تخطئه روحي قط. ثم بلغني صوته، خافتًا، حنونًا، كما كان دائمًا: "لا تبكِ... لا تبكِ." رفعت رأسي في ذهول. كان ديان قد اعتدل جالسًا، يفصل بيننا قدرٌ يسير من المسافة، وقد بدت على معصميه آثار القيود التي أنهكت جلده، أما وجهه فقد غيّرته السنون، وأثقلته المعاناة، حتى كدت لا أعرفه. لكن...تلك اللمسة، ما زالت هي نفسها. دافئة، آمنة، تمامًا كما كانت يوم كان يمسح دموعي وأنا طفل. خرجت الكلمات من بين شفتيّ مرتجفة، يكاد الذهول يخنقها: "أ... أتعرفتَ عليّ؟" حدّق إليّ برهة، ثم مال برأسه إلى الجانب، وقد ارتسمت على وجهه أمارات الحيرة، وقال بصوتٍ هادئ: "من... أنت؟" ابتلعت غصتي، وأجبت على عجل: "أنا سوان... سوانغ جين." ظل يمسح على رأسي برفق، ثم ارتسمت على شفتيه ابتسامةٌ وادعة، وقال بلطف: "لا... لستَ سوان." انعقد قلبي. وتابع، وكأنه يصف حقيقةً لا تقبل الجدل: "سوان... شعره أنعم، وأطول قليلًا." هززت رأسي بعنف، وقد اختلط الرجاء باليأس في صوتي: "بل أنا... أقسم لك أنني سوان! لقد كبرت فقط... كبرت." ابتسم لي مرةً أخرى، تلك الابتسامة الدافئة التي لم تستطع السنوات انتزاعها من أعماقه، وقال كمن يساير طفلًا يبكي: "حسنًا... حسنًا. فقط... لا تبكِ." أدركت أنه لا يصدقني. كان يسايرني فحسب، لأنه لم يحتمل أن يرى أحدًا يذرف الدموع. حتى بعد كل ما أصابه، ما زال قلبه رقيقًا كما عرفته. تشبثت بالأمل للمرة الأخيرة، وقلت بإصرارٍ يائس: "أنا سوان... صدقني. لقد كبرت." هز رأسه نافيًا، وقال في هدوءٍ مؤلم: "لا... سوان ما يزال في السابعة..." ثم انقطع صوته فجأة. رفع رأسه نحو النافذة، وقد كانت الشمس تميل إلى المغيب، تتسلل أشعتها الأخيرة إلى الغرفة. اتسعت عيناه، ونهض واقفًا على عجل. "آه..." همس، كأن أمرًا بالغ الأهمية قد تذكره. "انتهى الدوام... يجب أن..." وترنحت خطواته وهو يحاول السير، حتى بدا وكأنه يقاوم جسدًا لم يعد يطيعه. ومع ذلك لم يتوقف، بل مضى بخطواتٍ متعثرة، يتمتم بكلماتٍ خرجت من أعماق خوفٍ لم يهدأ منذ تسع سنوات: "سأتأخر..." "يجب أن أذهب..." "يجب أن آخذ سوان..." "سيخاف..." تجمدت في مكاني. لقد توقفت الحياة بالنسبة إليه عند ذلك اليوم. ما زال، كل مساء، يظن أن أخاه الصغير ينتظره خارج المدرسة... وأنه إن تأخر دقائق قليلة... فسوف يخاف. أسرعت أنهض، ولحقت به قبل أن يبتعد. مددت يدي، وأمسكت بكلتا يديه، كانتا خفيفتين على نحوٍ أفزعني. جلدٌ رقيق يكسو عظامًا نافرة، حتى خُيّل إليّ أن قبضةً أشد قليلًا قد تؤذيه. شددت عليهما برفق، وقلت متوسلًا: "لا... أرجوك، أنصت إليّ. أنا هو... أنا سوان. أقف أمامك." رفع بصره إليّ، وحدق في وجهي لحظات بعينين غائمتين، كأنهما تحاولان أن تعثرا على ذكرى ضائعة. ثم أطلق ضحكةً خافتة واهنة، وسحب يديه من بين كفيّ برفق. وربت على رأسي مرتين...كما كان يفعل دائمًا. ثم ارتسمت على شفتيه ابتسامةٌ متعبة، وقال في هدوء: "سأتأخر على سوان... حسنًا؟ سنتحدث لاحقًا." شعرت بشيءٍ ينكسر في صدري. تمسكت بالأمل للمرة الأخيرة، وقلت بصوتٍ مرتجف: "أنا سوان." ابتسم ابتسامةً حزينة، وهز رأسه نافيًا. "لا... لست هو." ثم تجاوزني، ومضى يجرّ قدميه بصعوبة، يهمس لنفسه بصوتٍ أرهقه التعب: "أين سوان...؟ أين طفلي...؟ من أخذه...؟ إلى أين ذهب...؟" عضضت شفتي حتى كدت أُدميها. لم أعد أحتمل. استدرت نحوه، وأسرعت أحتضنه من الخلف، أضمه إلى صدري بكل ما بقي فيّ من قوة، كأنني أخشى أن ينتزعه العالم مني مرةً أخرى. وحين فتحت فمي، خرج صوتي دون إرادة، بنفس النبرة التي كنت أناديه بها وأنا طفل: "أنا... خائف يا ديان." لم تكن حيلةً لأستميله. كنت خائفًا حقًا. سكن جسده بين ذراعي، ثم سألني بصوتٍ خافت: "ولِمَ تخاف؟" أغمضت عيني، وشددت عناقي له أكثر. "لأنك... لا تعرفني." ابتلعت غصتي، وأكملت بصعوبة: "ولأنني... لن أتركك مرةً أخرى، يا ديان. أعدك بذلك. لقد اشتقت إليك كثيرًا، وأنا..." لكن كلماتي انقطعت. فقد رفع ديان رأسه فجأة، واتسعت عيناه، وقال بلهفةٍ أربكتني: "آه... صوت سوان!" وأخذ يلتفت يمنةً ويسرة، يبحث بعينيه المرتجفتين في أرجاء الغرفة. "أين هو...؟" ازددت تشبثًا به، كأنني أريد أن أقول له: ها أنا بين ذراعيك. لكن...لم يرني. وبعد لحظات، شعرت بجسده يرتعش. ثم بلغ سمعي أول شهقة، تلتها أخرى، فأرخيت عناقي ببطء، حتى أرى وجهه. كان يبكي. يبكي بحرقةٍ كسرت ما تبقى من قلبي. والدموع تنحدر على خديه وهو يحدق في الفراغ، ويردد بصوتٍ أنهكه الرجاء: "أين سوان...؟ أخبروني... أين أخي الصغير؟" رفعت يدي ببطء، ومسحت دموعه بإبهامي، كما كان يفعل معي كلما غرقت في البكاء وأنا صغير. أطرقت لحظةً أفكر. لقد ظل ديان حبيس الماضي كل هذه السنين... فربما لا سبيل إلى الوصول إليه إلا من الباب الذي أُغلق عليه. ابتسمت ابتسامةً واهنة، ثم قلت بصوتٍ هادئ، كما كنت أفعل في طفولتي: "ديان... لنعد إلى المنزل، وفي الطريق نأكل مثلجات." ساد صمتٌ قصير. ثم اتسعت عيناه فجأة، كأن برقًا شقَّ ظلام ذاكرته. ارتجفت شفتاه، وخرج اسمي منهما مرتعشًا: "سوااان...؟" وفي اللحظة التالية اندفع نحوي، يعانقني بكل ما بقي فيه من قوة، حتى شعرت بذراعيه المرتجفتين تلتفان حولي، وانفجر بالبكاء. "كنت... قلقًا عليك كثيرًا." تقطعت أنفاسه بين شهقةٍ وأخرى، ثم همس بصوتٍ مكسور: "أرجوك... لا تتأخر عني مرةً أخرى." تجمدت، أحقًا... تحققت أمنيتي؟ أحقًا عاد أخي إليّ، ولو للحظات؟ أغمضت عيني، وأحطته بذراعيّ، وربتُّ على ظهره برفق، كما كان يفعل معي كلما خفت. ثم همست عند أذنه: "أنا آسف..." أعدك... لن أتركك مرةً أخرى." ازداد بكاؤه، حتى أخذ جسده كله يرتجف بين ذراعي. كم من الألم اختزنه وحده طوال تلك السنين؟ وكم مرة بكى، ولم يجد من يربت على كتفه؟ شعرت بغصةٍ تخنق صوتي، فقلت محاولًا التماسك: "كفى... لا تبكِ يا ديان." ابتسمت وسط دموعي ابتسامةً مرتعشة. "وإلا... سأبكي أنا أيضًا." فما إن سمع ذلك، حتى ابتعد عني على عجل، وأخذ يمسح دموعه بكفيه في ارتباك، يتمتم وهو يحاول السيطرة على شهقاته: "لا... لا... لا تبكِ." راح يفرك عينيه بعجلة، وكأنه يخوض معركةً مع دموعه. "أنا... أأحاول... سأ... سأتوقف... انتظر قليلًا." كان منظره مؤلمًا، ومحببًا في آنٍ واحد. يبكي... ثم يكافح بكل ما أوتي من قوة ليكف عن البكاء، فقط لأنه لا يريد أن يراني أبكي. وعندها... انهارت مقاومتي. فانفجرت أنا أيضًا بالبكاء. رفع رأسه نحوي، وقال بين شهقاته: "قلت لك... لا تبكِ." نظره إليّه بعينين دامعتين، ثم قالت بصوتٍ مختنق، وقد ارتسمت على شفتيه ابتسامةٌ باكية: "أنت... أنت من بدأ بالبكاء!" رغم كل شيء... ضحكت. ضحكةً خرجت ممزوجةً بالدموع. وللمرة الأولى منذ سنوات، لم يكن بكاؤنا وداعًا... بل لقاء. هدأت شهقاتنا أخيرًا، وسكن البكاء بعد أن استنزف ما في صدورنا. رفعت بصري إليه، وأخذت أتأمل وجه أخي في صمت. كانت وجنتاه قد احمرّتا من فرط البكاء، وأنفه يسيل كطفلٍ صغير، بينما ارتسمت على شفتيه ابتسامةٌ وادعة، ابتسامةٌ افتقدتها طويلًا حتى ظننت أن الألم قد انتزعها منه إلى الأبد. عندها شعرت بأن قلبي، بعد سنواتٍ من اليباس، قد تنفس للمرة الأولى. ولأول مرة منذ زمنٍ بعيد، لم أندم على تمسكي بالأمل. بل حمدت الله حمدًا كثيرًا أنني لم أستسلم لليأس، ولم أصدق أنه قد ضاع مني إلى الأبد. فها هو أخي... ما زال هنا. ورغم ما سلبته منه الحياة، ورغم ما فعلته به السنوات، فما زال قلبه هو القلب نفسه؛ ذلك القلب الدافئ الذي طالما كان ملجئي. في تلك اللحظة، اتخذت قراري: لن أتركه هنا بعد اليوم. سآخذه معي، وأرعاه كما رعاني يومًا، وأكون له السند الذي حُرم منه طويلًا. نهضت، ثم مددت يدي إليه، وعلى شفتي ابتسامةٌ امتزج فيها الرجاء بالعزم، وقلت: "هيا يا ديان... لنذهب." رفع بصره إليّ في هدوء، ثم سأل ببراءةٍ خالصة: "إلى المنزل؟" أومأت مبتسمًا. "نعم... إلى المنزل." مد يده إليّ دون تردد، فتشبثت أصابعه بأصابعي، ثم حاول النهوض. لكنه لم يكد يستقيم حتى خانته ساقاه، فمال جسده واهتز توازنه. بادرت إليه، وأدرته برفق، ثم حملته على ظهري كما كان يحملني صغيرًا. ساد بيننا صمتٌ قصير، لم يقطعه إلا صوته الهادئ وهو يسألني: "سوان... كيف كانت المدرسة اليوم؟" ابتسمت رغم غصة قلبي، وأجبته مسايرًا العالم الذي يعيش فيه: "كانت جيدة." شعرت بكفه تربت على يدي برفق، ثم قال مبتسمًا، بصوتٍ يفيض حنانًا: "سوان... فتى صالح." أغمضت عيني لحظة، كم اشتقت إلى رؤية هذا الوجه. ذلك الوجه الذي أضاءته ابتسامته من جديد، بعدما أنهكني طويلًا منظر الحيرة والخوف اللذين لم يفارقا عينيه كلما عجز عن معرفتي. ثم راودتني فكرةٌ موجعة. كنت ألومه لأنه لم يعرفني... لكن، أكنت سأعرفه أنا لو لم يخبرني الممرضون أن ذلك الرجل المنهك هو أخي؟ كلانا تغيّر. غير أن الفرق بيننا كان قاسيًا. أنا غيّرتني الأيام حتى اشتد عودي... أما هو، فقد غيّرته حتى أوهنت جسده، وأثقلت روحه، وسلبته من نفسه. ومضيت في طريقي نحو المنزل، وهو مستندٌ إلى ظهري، وقد غلبه النعاس. كان خفيفًا...خفيفًا على نحوٍ أوجع قلبي. ذلك الأخ الذي كان يحملني يومًا على ظهره، ويضحك غير آبهٍ بثقلي...أصبح اليوم بين ذراعيّ، كأن السنوات لم تترك منه إلا ما يكفي لأحمله أنا. فشددت عليه برفق، ومضيت. هذه المرة... لن أدعه يسير وحده أبدًا. مضت الأيام، وعلى ما حفلت به من عناءٍ ومسؤوليات، أخذت حياتنا تستقر شيئًا فشيئًا. كان ديان، في أغلب أوقاته، وديعًا هادئًا، تلازم الابتسامة محيّاه، حتى يخال إليّ أن السكينة قد بدأت تجد إليها سبيلًا، وأن المرض قد خفف شيئًا من قبضته. غير أن ذلك الهدوء... لم يكن إلا هدنةً قصيرة. فما إن تحين بعض اللحظات، حتى أرى التبدل ينساب إلى عينيه ببطء؛ ينطفئ بريقهما، ويحل محله نظرٌ غريب، كأن روحه قد انتُزعت من حاضرها، وأُلقي بها قسرًا في ماضٍ لم تغادره قط. ثم يتغير صوته، وتشتد ملامحه، ويغدو شخصًا آخر. لم يكن يضربني لأنه يبغضني، ولا لأنه يريد إيذائي. بل لأن عقله لم يعد يرى الحاضر. كان يرى أبي. بل... كان يصير أبي. تلك الذكرى البائسة، التي انغرست في أعماقه حتى غدت جزءًا من وعيه، كانت تعيد نفسها أمامه كاملة؛ الأب يعنّف، والطفل يتلقى الأذى. ولأن ذاكرته توقفت عند تلك اللحظة، كان يتقمص دور المعتدي دون أن يشعر، كأن الصدمة استلبت إرادته، وأجبرته على إعادة المشهد مرةً بعد أخرى، في حلقةٍ لا تنتهي. أما أنا... فكنت أقف أمامه مشلول الحركة. أشعر بأنني عدت ذلك الطفل الصغير، الذي كان يرتجف كلما ارتفع صوت أبي، عاجزًا عن فهم ما يحدث، أو عن إيقافه. لكن أكثر ما كان يمزقني... لم يكن الضرب، بل ما يعقبه. فما إن تهدأ النوبة، حتى تتبدل ملامحه فجأة، ويزول ذلك الوجه القاسي، كأن سحابةً سوداء قد انقشعت عن روحه. كان ينظر حوله في فزع، يلهث، ويتلفت بعينين مذعورتين، ثم يهرع إليّ. يحتضنني بقوة، ويتفقد وجهي ويديّ في هلع، وكأنه يخشى أن يكون قد وصل إليّ الأذى. ثم يردد بصوتٍ تختلط فيه الشهقات بالرجاء: "سوان... هل أنت بخير؟" "لم يؤذك، أليس كذلك؟" "لا تخف... أنا هنا." وفي كل مرة...كان أخي يعود. يعود ليفعل ما اعتاد فعله طوال طفولتنا؛ يقف بيني وبين الألم، ويحميني بكل ما يملك. غير أنه لم يكن يعلم الحقيقة الأكثر قسوة. لم يكن يدرك أن اليد التي كان يحاول إنقاذي منها... كانت يده. كان يظن أنه خلصني من أبي، بينما هو، في غياب وعيه، كان قد أعاد تمثيل المشهد كله، ثم عاد ليؤدي دور الأخ الذي طالما نذر نفسه لحمايتي. لقد بقي ديان سجين تلك اللحظة، عاجزًا عن تجاوزها. يعيدها كلما انكسرت ذاكرته، لعل القدر يمنحه فرصةً أخرى لينقذ أخاه الصغير. غير مدركٍ أن الجلاد والمنقذ أصبحا، في ذهنه المرهق، شخصًا واحدًا. ذلك الرجل... ذلك الأب الذي دمّر طفولتنا، وحطم حياة ديان... لا يزال حاضرًا حتى بعد غيابه. ترك في نفس أخي ندبةً لم ينجح الزمن، ولا المرض، ولا الدواء في محوها. وكأننا، مهما ابتعدنا عنه... ظل يلاحقنا من خلال الجراح التي خلّفها فينا.
19 مشاهدة · هل استمتعت بالسلسلة؟ اشترك وادعم مبدعها!
كن أول من يعلق!