

"الأيام هنا... متشابهة تكاد تُقسم— أن الزمن نفسه قد قرر التوقف عن التفكير.. التفكير عن شيء جديد.. أكل شرب نوم وبالنمط نفسه.. يوميًا وكأن الأيام تُنسخ من بعضها البعض دون أن تتعب حتى من التكرار ممل رتيب ولا شيء.. جديد حتى الساعات المعلّقة على الجدران تبدو وكأنها تتحرّك ببطءٍ متعمّد كأنها.. تستمتع بتعذيبنا أكثر من عدّ الوقت نفسه ورواية "روميو وجولييت" ذلك الكابوس المزعج الذي يطاردني في أحلامي أظن أن قراءتي لها للمرة الحادية والثلاثين.. تسببت لي بأزمة نفسية فعلًا لطالما كرهت قصتهم.. وغباءهم شاب وفتاة يقرّران الموت بسبب سوء فهمٍ سخيف ثم يأتي العالم— ليصفّق لهذه الحماقة ويسمّيها... حبًا خالدًا يا للسخرية.. لكن— لا يوجد شيء آخر يشغلني أهذا.. كل ما استطاعوا توفيره من الروايات الأجنبية في هذه الإصلاحية البائسة؟! ✦-------------------------------------------------✦ ✦إصلاحية طوكيو الداخلية للمراهقين الممر الطويل... هادئ بشكلٍ غير طبيعي صمتٌ ثقيل يهيمن على المكان لا يقطعه إلا طنينٌ خافت من أجهزة الإضاءة وكأن المبنى نفسه يتنفس ببطء في هذا الليل المتأخر— وقع أقدامٍ لشخصين يسيران في الممر كان الصوت الوحيد الذي يكسر ذلك السكون المشرف— متذمّراً: "لماذا تم استدعاء.. تلك الفتاة وفي هذا الوقت؟" "بحقك.. إنها الواحدة إلا ربعًا!" تنهد... ومسح وجهه بإرهاق: "ألم تُغلق قضيتها بعد؟ "أم أن الإدارة.. تستمتع برؤيتنا نحرس هؤلاء المراهقين ليلاً ونهاراً؟" المشرفة— التفتت إليه بسرعة: "بلى.. أُغلقت قبل ثلاثة أشهر تقريبًا" ثم اقتربت قليلًا... وهمست: "اخفض صوتك.. أيمكنك ذلك؟" المشرف— عاقدًا حاجبيه: "تبًا لكِ... لماذا تبدين قلقة هكذا؟" غمغمت— بحدّة: "اخفض صوتك!" توقفت لحظة.. كأنها تتردد ثم قالت— بصوتٍ أخفض: "أنت لا تعلم..." "عندما تم القبض على تلك الفتاة.." "كانت مغطاة بالكامل... بالدماء" توقف المشرف فجأة— "دماؤها؟" هزّت رأسها ببطء: "ليست دماءها..." "بل دماء... أفضل عناصر وحدة التدخل الخاصة" "صحيح أنهم لم يموتوا.." "لكنهم— حتى الآن... في المستشفى" ابتلعت ريقها... ثم تابعت: "قد تبدو لك مجرد فتاة مراهقة.." "لكن... ما إن تُعطى سلاحاً.. تتحول إلى آلة قتل" قاطعها المشرف— مستاءً: "مدحك لهؤلاء الأوغاد جريمة بحد ذاتها" "تتحدثين وكأننا جئنا... لنسلّمها أسلحتنا!" لم تُجب كانت قد توقفت— أمام بابٍ معدني ثقيل في نهاية الممر وصلا... إلى باب غرفة الاحتجاز الانفرادي ابتسمت المشرفة— ابتسامة فارغة "هل تصدق...؟ طوال الأشهر الثلاثة الماضية... كلما تم استدعاؤها بخصوص المراجعات والشهادات لقضيتها المنتهية.." لم أحضرها... إلا من هذه الغرفة" نظر إليها المشرف— بدهشة: "ماذا تقصدين؟" قالت بهدوء: "إنها فتاة كثيرة المشاكل..." ثم أضافت— بتردد: "وليس هذا فقط..." "ماذا؟" أخرجت بطاقتها التعريفية وضعتها على جهاز التحكم صوت إلكتروني حاد— "تم فتح الغرفة رقم A-42" وانفتح الباب... ببطء غرفة صغيرة ثلاثة أمتار.. في مترين بلاط أبيض لامع يعكس الضوء بقسوة حتى يبدو المكان— كشاشة بيضاء ساطعة تؤلم العين وكأن الغرفة نفسها.. تحاول محو أي أثرٍ للحياة في المنتصف سرير رمادي بسيط يحاول عبثاً كسر هذا الجمود لكن— ما شدّ الانتباه حقًا.. كانت هي تلك الفتاة بدت— كوصمة سوداء في لوحة بيضاء قاسية! شعر أسود طويل ينسدل أمامها.. يلتف حول ذراعيها بعض خصلاته— تتشابك.. وتخفي جزءًا من وجهها بشرة بيضاء... باردة كأن الدم لا يجري فيها وعينان بنفسجيتان واسعتان مثبّتتان على كتاب تمسكه بيدها اليسرى بينما الأخرى تسند بها جبينها لم تبدُ حتى.. وكأنها لاحظت دخولهما همس المشرف بعد أن ابتلع ريقه: "ما هذا الشعور...؟" "تباً..." "تبدو... وكأنها ليست بشراً" رفعت المشرفة صوتها— بصعوبة: "هيناموري نوريكو!" "تم استدعاؤك.. حالًا!" رفعت الفتاة بصرها.. ببطء ونظرت إليهما.. في تلك اللحظة شعر الاثنان أن الهواء في الغرفة أصبح أثقل عينان... بلا تعبير عينان— تشبهان عيني ميت لا حياة فيهما صرخ المشرف— محاولًا استعادة شجاعته: "هيا!" "توقفي عن التحديق بهذه النظرات!" أغلقت الكتاب ببطء ورمته على السرير ظهر العنوان— واضحًا: [ روميو وجولييت ] نهضت.. وقفت— على قدميها الحافيتين فوق البلاط البارد تراجعت خصلات شعرها قليلاً .. لتنكشف ملامحها كاملة.. هيئة تشبه— إلى حدٍ مخيف مصاصة دماء من العصور الوسطى.. بشرة شاحبة باردة بلا دم .. تبادل الاثنان نظرة سريعة لم يتكلما.. لكن ذلك... كان كافياً في لحظة واحدة— قاما بتقييد يديها واقتيادها إلى الخارج كل ما كان يدور في ذهنيهما— أن تنتهي هذه المناوبة الليلية بأسرع وقت ممكن وأن يعودا إلى منازلهما وأن يبتعدا قدر الإمكان عن هذه الفتاة..