


" ذلك الرجل .. أكرهه حقاً .. منذ أول يوم التقيت به ... حتى آخر يوم خاننا فيه ... أردت فعلاً أن أرديه قتيلاً في تلك الليلة .. لكنني لم أفعل .. لماذا .. ؟ "


✦إصلاحية طوكيو / الممر الخارجي - غرفة التسليم كان الممر الخارجي للسجن أكثر هدوءًا من بقية الممرات.. إضاءة بيضاء باردة تتدلى من مصابيح السقف.. تنعكس على الأرضية الإسمنتية المصقولة.. وتمنح المكان برودة صامتة يصعب تجاهلها.. بين الحين والآخر.. يُسمع صدى خطوات بعيدة لحارسٍ يمر في ممر آخر.. ثم يعود السكون ليبتلع كل شيء من جديد.. في نهاية الممر.. كانت هناك نافذة التسليم.. شبّاك حديدي صغير مثبّت داخل الجدار السميك.. وخلفه طاولة معدنية قصيرة يقف خلفها شرطي التسليم.. لكن قبل أن تمد نوريكو يدها نحو الطاولة.. كانت تقف للحظة صامتة.. ثابتة.. وكأنها تستعيد شيئًا من عالمها القديم الذي تركته خلفها منذ ثلاثة أشهر.. كانت ترتدي ملابسها التي أُعيدت إليها الآن.. كل شيء فيها كان أسود.. قميص أسود ضيق ذو ياقة مرتفعة تلتف حول العنق.. يتصل به بنطال جينز أسود ممزق عند الركبتين.. وفوقهما سترة قطنية سوداء واسعة بغطاء رأس.. تتدلى أطرافها قليلًا حول خصرها.. السواد في ملابسها كان متجانسًا بشكل غريب.. حتى شعرها.. كان أسود حالكًا.. طويلًا.. ينسدل حول كتفيها بخصلات مستقيمة ثقيلة.. أما بشرتها.. فكانت بيضاء شاحبة إلى درجة جعلت التباين بينها وبين ملابسها يبدو حادًا..! كأنها لوحة مرسومة بالحبر والفحم.. لكن أكثر ما كان يلفت الانتباه.. كانت عيناها.. عينان بنفسجيتان باردتان.. بريقهما خافت.. لكن نظرتهما ثابتة.. هادئة بطريقة تجعل من يقف أمامها يشعر بعدم الارتياح دون أن يعرف السبب.. قال شرطي التسليم بنبرة هادئة.. وهو يضع الصندوق فوق الطاولة: "هذه هي أغراضك الشخصية.. ومحفظتك.. وهاتفك المحمول.." ثم أشار إلى ظرف صغير بجانبه.. "وبقية هنا.. كالخواتم وما شابهها.. في هذا الظرف.." امتدت يد نوريكو ببطء عبر الشباك الحديدي.. بدأت تجمع الأغراض قطعة تلو الأخرى.. المحفظة.. الهاتف.. الظرف الصغير.. وجهها بقي نصف مخفي خلف القضبان المعدنية.. بينما كانت عيناها تنظران إلى الأشياء وكأنها تعيد عدّها بصمت.. أما الآنسة نوبويا.. فكانت تقف إلى جانبها.. هادئة.. مستقيمة.. وجهها خلف النظارات الطبية بدا أشبه بلوحة الموناليزا.. ابتسامة خفيفة غامضة.. يصعب معرفة إن كانت حقيقية أم مجرد تعبير رسمي اعتادت عليه.. قال شرطي التسليم مبتسمًا: "إياكِ والعودة إلى عالم الجرائم يا صغيرة.." توترت نوبويا قليلًا.. وقالت بسرعة: "آه.. أ.. أشكر اهتمامك سـ سيدي.." لكن نوريكو.. لم تبدُ وكأنها مهتمة بالحديث.. كانت لا تزال منشغلة بترتيب أغراضها.. أكمل الشرطي حديثه موجهًا كلامه إليها: "ليكن من حياتك.. هذا الجزء الذي قضيته هنا درسًا لك.." ثم أضاف بلطف وابتسامة مشرقة: "وليس عائقًا يمنعك من السير في الطريق الصحيح.. اتفقنا؟" توقفت حركة نوريكو للحظة قصيرة.. ثم قالت ببرود: "لا أعلم إن كان سيبقى درسًا.. أم عائقًا.." انحنت قليلًا نحو الشباك.. جمعت بقية الأغراض دفعة واحدة.. ثم رفعت رأسها أخيرًا.. وعيناها تنظران عبر القضبان مباشرة إلى الرجل.. وأضافت: "لكن ما تقوله الآن يزعجني بالفعل.." ثم قالت بلهجة خالية من المجاملة: "وأنا أكره الرجال المزعجين.." نظرت نوبويا بارتباك إلى نوريكو.. التي استدارت بهدوء.. واتجهت نحو الباب الخارجي للممر.. خطواتها كانت هادئة.. لكن الهالة الباردة التي خلفتها في المكان جعلت الهواء يبدو أثقل مما كان قبل لحظات.. تمتمت نوبويا لنفسها: "تبًا... ما بال الهالات السلبية التي تطلقها هذه الفتاة.." استدارت نحو شرطي التسليم لتعتذر.. لكنها توقفت فجأة.. كان الرجل واقفًا في مكانه.. متجمّدًا قليلًا.. كأنه تمثال حجري.. يبدو أنه لم يعتد بعد على تلك النظرات البنفسجية الباردة.. قالت نوبويا معتذرة: "اعتذر منك سيدي.." ثم انحنت له اعتذارًا سريعًا.. "دعواتك لي! " قالتها في عدم يقين وهي تستدير فورًا.. لتلحق بالفتاة التي كانت قد وصلت بالفعل إلى نهاية الممر.. حيث الباب الخارجي.. الذي ينتظر بداية هذه المهمة الجديدة..

1 مشاهدة · هل استمتعت بالسلسلة؟ اشترك وادعم مبدعها!
كن أول من يعلق!