

- ألا تمانع إيواء قاتلة وإطعامها؟ طرحت "أبيلا" سؤالها بذهول من معرفة الشاب لهويتها. - بل أنا من عليه القول هل تُمانع آنسة بغاية البهاء مثلكِ في قبول كرم شخصٍ مشبوهٍ مثلي؟ مدّت "أبيلا" يدها أخيرا لتتناول البعض، ثم أجابته متأخرا: - لستُ أثق بك بعد، لكنني مجرمة قتلت عائلتها وموسومة بالجرم مُسبقا، لذا أظن أننا متعادلان. اندهش الشاب من تساهلها بوضوحٍ معه فقط لذلك السبب لكنه ضحك عليها واستمر بتناول افطاره. *** بعد يوم... كان" أكسِل" مُنذ بداية اليوم حتى ظُهره وهو مختبئٌ خلف أحد المقابر مُنتظرًا من يُقدم الاحترام لصاحب القبر الذي يراقبه فلم يرَ سوى رجلٍ وأخرى سيدةٌ في منتصف العمر جاءت بعده بمدة، فلم يكن أي منهم ممن يبحث عنه بعد. [قبل يومين وقبل افتراق "أكسل" عن ضابط الشرطة "جايدن" نهض من الكرسي مُقبلًا على الرحيل. - بعد يومٍ من الآن سيكون ذكرى وفاة والدها، وربما تذهب لزيارة قبره، فقد كانت تلك عادتها سابقا، وقد تفعل المثل الآن منذ أن عادت للبلاد... توقف "أكسِل" ليستمع للرقيب "جايدن"، ثم أجابه: - سأضع ذلك في الحسبان. تبسم الرقيب "جايدن" وهو يرى رحيل ذلك الفتى: - إنني لفرح لامتلاكك مثل هذا الصديق "إيلا". ثم أنزل رأسه بإحباطٍ متذكرا ما لفظه الصبي عن عدم لومه لنفسه على ما حل ب"أبيلا" لأنه على الأقل حاول مساعدتها، وتذكر نظرة "أبيلا" الفارغة والتي كانت تنظر له بها في إحدى ذكرياته لها حين كانت طفلة.] *** اقترب المساء وأوشكت الشمس على المغيب فرأى "أكسِل" شخصان يُقدّمان احترامهما لقبر والد "أبيلا"، كان أحدهما امرأة شعرها أسود ناعم، وضعت مساحيق التجميل وارتدت النظاراتٍ شمسية، أما الآخر فكان رجلا كبيرا في السن، لكن "أكسِل" حين رأى تلك المرأة خرج من مخبأه مُقتربا منهما ليسألهما بقلق: - بحثتُ عنكِ طويلا أين كنتِ...؟ التفتت إليه المرأة ولم تنطق بشيء، فتحدث الرجل بجانبها: - المعذرة! هل اخطأت ابنتي بشخصٍ آخر؟ - اه آسف! يبدو أن الأمر اختلط علي، لأن طولها بشكل غريب هو ذات طول الشخص الذي ابحث عنه، المعذرة! - لا بأس، جميعنا نخطئ لكن هل تأذن لنا بالرحيل؟ فابنتي ليست في حالة جيدة كما ترى! نظر "أكسل" إلى المرأة بجانب كبير السن ذاك بينما كانت تنظر بعيدًا بنظرة مرتبكة قليلا، فابتعد عنهما قليلا حتى يسيران للخارج: - "إيلا"! نادى "أكسِل" باسم "أبيلا" الذي يُناديها به والدها بالتبني بشكل مفاجئ فأربك تلك المرأة وتوقفت عن السير، كانت هي "أبيلا" كما توقع، لكن الرجل بجانبها أدرك أن الفتى عرفها بجفلتها فأمسك بمعصم "أبيلا" ليسحبها ويركض مُسرعا، ركض خلفهم ذلك الصبي "أكسل" بأسرع ما يملك وحين استطاع الإمساك بيد "أبيلا"، فزع من كان معها وانتزع يدها من بين قبضته، كاد "أكسل" أن يقبض على يد "أبيلا" بقوة لكنه خشي أن يؤذيها فأفلتها، فحمل الشاب الذي كان يدّعي كونه كبيرا في السن "أبيلا" بين ذراعيه وركض نحو السيارة التي كانت جاهزة للانطلاق في أي لحظة عند مخرج المقبرة، استقلوا السيارة هو و"أبيلا" بأسرع ما يمكن، ثم انطلقت السيارة إلى الشارع. توقف "أكسل" عن الركض وقد رأى رحيلهم فضرب بقبضته عامود الإنارة بجانبه بغضبٍ شديد: - سُحقا لذلك!... تلك كانت فرصتي الوحيدة... ما الذي سأفع... استوقف حسرته حين رأى عين المراقبة التي أطلت على ذات الشارع حيث مضت منه السيارة قبل لحظات. *** - هاه! ماذا كان ذلك الفتى؟! لقد استطاع القبض عليكَ لوهلة. ارتشف ذلك الشاب ذو الشعر المتعرج رشفة من فوهة قارورة الخمرة التي بيده وهو يتكئ بإهمالٍ على الطاولة بقدميه بينما جلس على كرسيها، ثم التفت بعينيه لينظر إلى "أبيلا" بتفحصٍ بينما كانت ترفع القبعة عن رأسها لينزل شعرها، ثم أخذت بمحارم ورقية لتمسح أحمر الشفاه عن شفتيها، فجعل يُحدق بها بنظرة مشبوهة: - بالمناسبة "أنتين" من هاته الجميلة؟ إنها تبدو.. مثيرة على غير عادتك! - اخرس! وانشغل بأمورك الخاصة. عندما وجد ذلك الرجل تلك الإجابة من "أنتين" حملق به بنظراتٍ فاحصة بعينين بها بعض الشك، لكنه صرف نظره عنه وتلفت حوله في الغرفة، وجد هدف الأسهم وهناك عددٌ من الأسهم التي اخترقت أهدافا قريبة للغاية من منتصفه، فنهض من مكانه بإعجابٍ لينظر إلى ذلك الهدف: - مُدهش! هل تَحسن تصويبك إلى هذه الدرجة أيها الوغد؟ - لا، اه أجل تقريبا. شعر ذلك الرجل العابث بالريبة من إجابة "أنتين" فانتزع تلك الأسهم عن الهدف. خرجت "أبيلا" من دورة المياه بعد أن بدّلت زيها وارتدت بذلتها، فالتفت إليها الرجل بابتسامةٍ خبيثة: - أنتِ أيتها الشقية! نظرت إليه "أبيلا" بنظرة تسألُ عما يريده، فمد يده بالأسهم بيده ليُناولها إياها: - هنا لنرى ما مدى فائدتك؟ لم يخرج صوت "أبيلا" بسؤالها لكن نظرتها سألت عما يجري، ليُجيب نظرتها ذلك الشاب: - لا شيء، فقط لنرى إن كان لديكِ الموهبة في التصويب؟! - لمَ عليها أن تفعل ذلك أيها ال...؟ نهض "أنتين" من مكانه بحاجبين معوجّين فتبسم الرجل الاخر: - ما الأمر؟ هو فقط تحدٍ بسيط وليس بشيء مؤذٍ. - كم تريدني أن ابتعد عن الهدف؟ سألت "أبيلا" ببرودٍ شديد دون شعورها بأي غرابة فعقد "أنتين" حاجبيه، بينما عاد ذلك الرجل عابثا للخلف عدة أمتار: - هنا! ما رأيكِ أن نبدأ بالمستوى الصعب منذ البداية؟ - حسنا. تحاور أولئك الاثنان فيما بينهما بينما حاجبي "أنتين" قد اشتد انعقادهما وصك أسنانه بغيظ. *** اقتنصت "أبيلا" بالثلاثة أسهم منتصف الهدف تماما مما أثار إعجاب الرجل بشدة، فأخذ بسهمٍ هو الآخر ليُحاول التصويب لكنه لم يُصب منتصف الهدف من ذلك البعد، بل جانبه بشيء بسيط: - مهما بلغتُ من الخبرة إلا أنني لن أصيب الهدف بهذه الدقة... انتظري لدي المزيد هنا... أخرج لها ذلك الرجل بأسلحة قتالية من أمتعة "أنتين"، كانت أسلحة تحمل مقدرة عالية لكنها لمجرد التدريب وليست مؤذية ودعاها معه إلى سطح المسكن ليختبر قدرتها في العديد من أهداف التصويب، فكانت الدهشة تملؤه كلما اختبرها أكثر. *** بعد عدة ساعات والغضب الصامت يَعتري "أنتين" قرر أخيرا التذمر بوجه ممتعضٍ: - أظن أنه حان وقت رحيلك "ياندل". - ماذا؟ لقد أصبح الأمر ممتعا الآن فقط، لماذا ترغب في التخلص مني؟ - غادر وحسب، منزلي ليس للعبث. - يا للأسف!... حسنا أنا مغادر. رفع الرجل الساخر "ياندل" يديه مستسلما ثم أخذ يمشي للباب سائرا من خلف "أنتين" فوضع بيده على كتف "أنتين" وهمس: - يبدو أنك وجدت شيئا مثيرا للاهتمام. ظلت نظرةُ العبوس تلك على وجه "أنتين" حتى غادر الرجل المدعو "ياندل"، ثم تنهد أخيرا: - أخيرا رحل! "أبيلا" أرجو ألا تنزعجي من أفعاله.. تفضلي. - لم أنزعج، كان القنص ممتعا. أجابته "أبيلا" ومدت يدها لتأخذ ما ناولها "أنتين"، فما إن رأت الحلوى في يده تعجبت وكأن هناك ما أدركته، لكنها أخذت الحلوى من يده، فالتف للداخل مناديا عليها: - لندخل الآن. *** في اليوم التالي خرجت "أبيلا" لجلب بعض الحاجيات من متجر الحي، لكنها وجدت سيارةً تنتظرها أمام المتجر، كان من يقودها هو ذلك الرجل الذي كان بصحبة "أنتين" بالأمس: - أنتِ أيتها المثيرة! تساءلت تعابير "أبيلا" من وجود ذلك الشخص وكأنه ينتظرها، فأجابها بابتسامة: - سآخذك للمنزل. - يمكنني الذهاب وحدي. ترددت "أبيلا" في الركوب معه فلولا أنه لم يكن برفقة "أنتين" الذي كان لطيفا بعكس مظهره لم تكن لتتبعه في شيء. لكن "ياندل" أصرّ عليها حتى استسلمت وركبت معه، لكنها حين رأت أن الطريق الذي يسلكه بالسيارة مختلف عن طريق المنزل ارتبكت في داخلها: ~ هذا ليس بطريق منزل "أنتين"! نظرت حولها بتفحصٍ وقلق فوجدت أن قفل الباب مغلق. - لا تفعلي ما تفكرين به. حذّر "ياندل" حيث كان بمقعد السائق في الأمام بابتسامة ماكرة، فنظرت إليه "أبيلا" بنظرة هادئة: - إلى أين تأخذني الآن؟ - لا بأسَ بالانتظار لمعرفة ذلك، وصحيح... أخرج مسدسا من جيبه الأيمن وأمال بيده اليمنى وهو ممسك به ليجعل بفوهة المسدس نحوها بوضعية مائلة ونظر إليها من مرآة منتصف السيارة: - ربما لا أصيب الهدف بدقة من ذاك البعد، لكن بهذا القرب فطلقتي لقلبك أسرع من أي حركة قد تقومين بها. جفلت "أبيلا" وأصابها الفزع، لكنها أبقت ذلك في داخلها ولم تظهر ضعفها وجلست بطاعة دون مقاومة. *** وصلا أخيرا للموقع، فدخلت أمامه "أبيلا" ووضع ذلك الرجل "ياندل" بسلاحه نحوها من الخلف حتى دخلت لمنزلٍ ضيق وغرفةٍ امتلأت بدخان السجائر الذي انتثر في أجوائها، وصوت الغناء والموسيقى قد ملأ المكان، كان هناك عدة رجال ونساء قد بان عليهم الخبث ومظاهرهم توحي بأنهم أفراد عصابة يلعبون القمار ويعبثون بصوتٍ مرتفع: - زعيم ها هي جلبتُها. هدأ الجميع وأُغلقت الموسيقى لينظر الجميع إلى من تحدث لرئيسهم، ابتعد "ياندل" عن "أبيلا" ليقف بجانب من وجده بالقرب منه، فانفردت "أبيلا" في المنتصف وحدها وقد حدّقت بها جميع العيون، فعضت على شفتيها بهدوء لتُخفي ارتباكها. نهض من كان في مقعد المكتب في نهاية الغرفة مُقتربا أمام الفتاة التي جفلت لرؤيته وقف أمامها: - هي ليست فقط موهوبة، إنها في غاية الجمال أيضا. تحدث الرجل عن جمال "أبيلا" وهو ينظر لتفاصيل جسدها بنظرةٍ مقززة، فضحك بعضهم بينما نظر البعض الآخر لجسدها بنظراتهم الفاحصة. - لماذا جلبتموني إلى هنا؟ سألت "أبيلا" بهدوءٍ شديد على خلاف ما أخفته في داخلها، فابتعد الرئيس لينفث دُخان سيجارته ثم جلس على الأريكة أمامها والتف بذراعه اليسرى حول عنق تلك المرأة الجالسة بجانبه: - ما رأيكِ أيتها الجميلة "أبيلا فاردي" بالانضمام لنا، لطالما كان ينقصنا قناصٌ خبير. وجّه ذلك الرجل الواضحُ بكونه مُجرما والذي فاحت منه رائحة القذارة والسوء سؤاله بالانضمام ل"أبيلا" تلك الفتاة التي اتهمت يوما بكونها قاتلة عائلتها. *** Fuyume

2 مشاهدة · هل استمتعت بالسلسلة؟ اشترك وادعم مبدعها!
كن أول من يعلق!