

لم أنم تلك الليلة بسهولة. بقيت صورة السيارة السوداء عالقة في رأسي، وكلما أغمضت عيني عادت إليّ اللحظة نفسها؛ نظرة آسر المتوترة، صوته حين طلب مني ألا أنظر، والطريقة التي تغيّر بها وجهه بمجرد أن رأى السيارة تتوقف أمام المبنى. كنت أعرف أن هناك شيئًا لم يخبرني به، شيئًا أكبر بكثير من مجرد خلاف عائلي قديم، لكنني لم أكن أعرف إن كان خوفي نابعًا من الخطر الذي يحيط به، أم من حقيقة أنني بدأت أشعر أنني لا أعرف الشخص الذي تعلقت به كما كنت أظن. في صباح اليوم التالي، حاولت أن أتصرف بشكل طبيعي. ذهبت إلى المقهى، رتبت الطاولات، أخذت الطلبات، وابتسمت للزبائن كعادتي، لكن عقلي كان في مكان آخر تمامًا. كنت أنتظر منه رسالة، مكالمة، أي شيء يخبرني أن كل شيء بخير. وحين اهتز هاتفي أخيرًا، أسرعت إليه دون تفكير. آسر: أين أنتِ؟ حدقت في الرسالة للحظات قبل أن أكتب: مايا: في العمل. لم تمر سوى ثوانٍ حتى وصلتني رسالة أخرى. آسر: متى ستنتهين؟ مايا: بعد ساعتين تقريبًا. لماذا؟ تأخر في الرد هذه المرة، ثم كتب: آسر: لا تخرجي وحدك. سأأتي لأخذك. رفعت حاجبي وأنا أقرأ الجملة. لم يكن في كلامه مجال للنقاش، وكأن الأمر قد حُسم من البداية. كتبت: مايا: آسر، أنا أستطيع العودة وحدي. ظهرت علامة الكتابة، ثم اختفت، وعادت مرة أخرى قبل أن تصلني رسالته: آسر: قلت لا تخرجي وحدك. توقفت أصابعي فوق الشاشة. كانت جملة بسيطة، لكنها لم تشبه آسر الذي أعرفه. لم تكن طلبًا هذه المرة، بل أمرًا صريحًا. رفعت رأسي عن الهاتف، وحاولت إقناع نفسي بأنني أبالغ. بعد كل ما حدث بالأمس، ربما كان خائفًا عليّ فقط. وربما لو كنت مكانه، لفعلت الشيء نفسه. لذلك أغلقت الهاتف وعدت إلى عملي، متجاهلة ذلك الشعور الصغير الذي بدأ يخبرني بأن شيئًا ما قد تغير. بعد ساعتين، خرجت من المقهى لأجده واقفًا بجانب سيارته. كان يرتدي معطفًا أسود، ويداه في جيبيه، لكن ملامحه لم تكن هادئة كعادتها. وما إن رآني حتى اتجه نحوي بسرعة. "قلت لكِ لا تخرجي وحدك." نظرت إليه باستغراب. "وأنا قلت لك إنني أستطيع العودة وحدي." توقفت خطواته، وكأن ردي فاجأه. لثوانٍ، لم يقل شيئًا. فقط نظر إليّ بطريقة جعلتني أشعر أنني ارتكبت خطأ لا أعرفه. ثم تنفس ببطء وقال: "أنا آسف." تغيرت ملامحه فجأة، وعاد ذلك الهدوء الذي أعرفه. "أنا فقط... قلق عليكِ." ابتسمت بخفة وأنا أقترب منه. "أعرف." فتح لي باب السيارة، فجلست دون أن أجادله أكثر. طوال الطريق كان الصمت يملأ السيارة، حتى قررت أن أكسره. "آسر؟" "همم؟" "هل كنت هكذا دائمًا؟" التفت إليّ للحظة. "كيف؟" "تقلق كثيرًا." ظهرت ابتسامة صغيرة على وجهه، لكنها لم تصل إلى عينيه. "ليس دائمًا." ثم عاد إلى الطريق. لم أعرف لماذا شعرت أن الإجابة كانت أعمق مما قاله، وكأن وراء كلماته قصة أخرى لم يحن وقت سماعها. بعد دقائق، توقفت السيارة أمام منزلي. وقبل أن أفتح الباب، أمسك آسر بهاتفه ونظر إلى الشاشة، ثم تغيرت ملامحه مرة أخرى. "ما الأمر؟" سألت. لم يجب. نظر إلى الشارع خلفي، ثم إلى المنزل، ثم أعاد نظره إلى الهاتف. "آسر؟" "ادخلي." ضحكت بخفة. "ماذا؟" هذه المرة نظر إليّ مباشرة. "مايا، ادخلي الآن." اختفت ابتسامتي. لم يكن صوته مرتفعًا، لكنه كان حازمًا بطريقة جعلتني أفتح الباب دون أن أسأله عن السبب. نزلت من السيارة، وقبل أن أغلق الباب سمعت صوته. "ولا تفتحي الباب لأي شخص." نظرت إليه. كان ينظر إليّ بنظرة لم أرها من قبل. خوف؟ غضب؟ أم شيء آخر؟ لم أستطع تحديده. دخلت المنزل، لكنني توقفت خلف الباب للحظة، أراقبه من خلال النافذة. بقي في مكانه حتى تأكد أنني دخلت، ثم أخرج هاتفه وأجرى اتصالًا. لم أسمع ما قاله. لكنني رأيت شيئًا واحدًا فقط. للمرة الأولى منذ أن عرفته... لم يكن آسر يبدو خائفًا على نفسه. كان يبدو خائفًا مني.
4 مشاهدة · هل استمتعت بالسلسلة؟ اشترك وادعم مبدعها!
كن أول من يعلق!