

مرت الأيام، لكن كلام آسر لم يخرج من رأسي. لا تبحثي وحدك. لم أفهم لماذا قالها بهذه الطريقة. هل كان يحاول حمايتي فعلًا؟ أم أنه كان يخشى أن أصل إلى شيء لا يريدني أن أعرفه؟ في البداية، حاولت أن أصدّق الاحتمال الأول. لكن كلما تذكرت الصورة التي وجدتها في ذلك المبنى، ازداد شعوري بأن هناك جزءًا من القصة لم يخبرني به. لذلك قررت أن أبحث مرة أخرى. هذه المرة لم أذهب إلى المبنى. جلست أمام حاسوبي لساعات، أتنقل بين المقالات القديمة والصفحات التي تتحدث عن عائلة آسر واختفاء أخيه. كان معظم ما أقرأه مكررًا. اختفاء. تحقيق. أيام من البحث. ثم إغلاق القضية. لكن شيئًا صغيرًا لفت انتباهي. كان هناك تقرير قديم يتحدث عن آخر مرة شوهد فيها أخو آسر. قرأت السطر أكثر من مرة، ثم شعرت بأن يدي تجمدت فوق لوحة المفاتيح. كان اسم آسر مذكورًا في التقرير ضمن الأشخاص الذين كانوا آخر من تواصلوا معه قبل اختفائه. لم أستطع التنفس لثوانٍ. كنت أعرف أن هذا لا يعني بالضرورة أنه فعل شيئًا. لكن لماذا لم يخبرني؟ لماذا قال إن الأمر مجرد صراع عائلي؟ ولماذا أُغلقت القضية بهذه السرعة؟ فتحت صورة قديمة مرفقة بالتقرير. كان آسر وأخوه يقفان معًا أمام منزل العائلة. الصورة نفسها التي رأيتها في الصندوق. لكن هذه المرة، انتبهت إلى شيء لم ألاحظه من قبل. في الخلفية، وبعيدًا عن الاثنين، كانت هناك سيارة سوداء متوقفة قرب البوابة. تجمدتُ. كبرت الصورة قدر الإمكان. لم أستطع رؤية لوحة السيارة، لكن شكلها كان مألوفًا جدًا. السيارة نفسها التي رأيتها أكثر من مرة. شعرت بقشعريرة تسري في جسدي. هل كانت مجرد مصادفة؟ أم أن السيارة كانت موجودة منذ ذلك الوقت أيضًا؟ عدت إلى الصور التي احتفظت بها من المبنى. أخرجت الصورة التي كان آسر يقف فيها وحده، وقلبتها. هذه المرة لاحظت شيئًا لم أنتبه إليه سابقًا. كانت هناك كلمة صغيرة مكتوبة على ظهرها. البداية. حدقت فيها طويلًا. البداية؟ بداية ماذا؟ اختفاء أخيه؟ تهديدات العائلة؟ أم شيء آخر لم أكن أعرف عنه شيئًا؟ وفجأة اهتز هاتفي. رسالة جديدة. من رقم مجهول. فتحتها. قلتُ لكِ أن تبتعدي عنه. شعرتُ بأن قلبي هبط إلى مكانه. هذه المرة لم تكن الرسالة مجرد تحذير. كانت تأكيدًا. الشخص الذي أرسلها يعرف أنني ما زلت أبحث. رفعت رأسي عن الهاتف، وكأنني أتوقع أن أجد أحدًا يراقبني من النافذة. لم يكن هناك أحد. لكن شعور المراقبة لم يختفِ. اتصلت بآسر. أجاب بعد ثوانٍ. «ميا؟» ترددت قبل أن أقول: «أين أنت؟» «لماذا؟» «أريد أن أسألك شيئًا.» ساد الصمت للحظة. ثم قال: «هل حدث شيء؟» ترددت. لم أخبره عن الرسالة. قلت فقط: «وجدت شيئًا جديدًا.» تغير صوته. «ماذا وجدتِ؟» نظرت إلى الصورة أمامي. «وجدت صورة لك مع أخيك.» لم يجب. تابعت: «وكانت هناك سيارة سوداء في الخلفية.» طال الصمت هذه المرة. «ميا... أين أنتِ؟» عبست. «في المنزل.» «هل أنتِ وحدك؟» «نعم.» تنفس ببطء. ثم قال: «أغلقي الباب جيدًا.» شعرت بالقلق يتسلل إليّ. «آسر، ماذا يحدث؟» لكنه لم يجب عن سؤالي. قال فقط: «لا تخرجي الليلة، ولا تفتحي الباب لأي شخص.» انتهت المكالمة. بقيت أحدق في الهاتف. لم يخبرني شيئًا. مرة أخرى. لكن هذه المرة كان الأمر مختلفًا. لأنني لم أعد أملك مجرد شك. كان لدي تاريخ، وصورة، وسيارة ظهرت في الماضي والحاضر، ورسائل من شخص يعرف ما أفعله. وضعت الصور أمامي، وبدأت أجمعها واحدة تلو الأخرى. ولأول مرة، لم أسأل نفسي إن كان آسر يخفي شيئًا. بل سألت نفسي: ماذا لو كان كل ما يحدث حولي مرتبطًا به منذ البداية؟
3 مشاهدة · هل استمتعت بالسلسلة؟ اشترك وادعم مبدعها!
كن أول من يعلق!