

لم أعد أستطيع أن أقول إنني لا أعرف شيئًا. كنت أعرف ما يكفي لأخاف، وما يكفي لأشك، لكنني لم أكن أعرف القصة كاملة. وكلما حاولت جمع ما عرفته، وجدت فراغات كثيرة بين الأحداث؛ فراغات تركها آسر عمدًا، وكأن الحقيقة كانت أحجية ناقصة القطع، وأنا من قضيت الأيام الماضية أبحث عن أجزائها دون أن أدرك أن بعضها كان أمام عيني طوال الوقت. عدت إلى المقالات القديمة، وبدأت أبحث عن كل ما يتعلق باختفاء أخيه. هذه المرة لم أكتفِ بعنوان أو خبر قصير، بل فتحت الأرشيفات القديمة، وقرأت التقارير التي بالكاد بقي منها شيء على الإنترنت. وبعد ساعات طويلة، وجدت ما كنت أخشاه. كان آسر آخر شخص شوهد مع أخيه في الليلة التي اختفى فيها. لكن التقرير لم يتحدث عن اختفاء غامض كما أخبرني. تحدث عن خلاف وقع داخل العائلة، وعن مواجهة بين الشقيقين، ثم اختفاء الأخ بعد تلك الليلة. والأغرب أن التحقيق أُغلق بسرعة. لم تكن الأدلة كافية، هكذا كُتب. لكنني عرفت السبب الحقيقي عندما قرأت أسماء الأشخاص الذين تدخلوا في القضية. نفوذ عائلته. أغلقت الملف وأنا أشعر بأن يدي ترتجف. لكن شيئًا آخر جذب انتباهي. وجدت اسم رجل تكرر في أكثر من تقرير، رجل كان يحاول الوصول إلى أشخاص من عائلة آسر، ثم اختفى اسمه فجأة من الأخبار. بحثت عنه أكثر. ثم وجدت صورة قديمة له في أحد التقارير. حدقت في الشاشة طويلًا. لم أكن أعرف اسمه عندما رأيته أمام المقهى، ولم أكن أعرف من يكون عندما ترك الصورة أمام منزلي... لكنني عرفته الآن. كان هو الرجل نفسه. كان الرجل قد حاول التواصل مع آسر. وبعد ذلك اختفى. رفعت يدي إلى فمي. لم يعد الأمر متعلقًا بالماضي وحده. آسر لم يكن يهرب من شيء حدث قبل سنوات. كان هناك شيء يحدث الآن. شيء لم يخبرني عنه. ثم تذكرت الرسالة الأولى. «ابتعدي عنه.» والسيارة السوداء. والرجل الذي ترك الصورة. والجرح الذي جاء به إلى منزلي. كلها لم تكن أحداثًا منفصلة. كان هناك أشخاص يبحثون عن آسر، وبعضهم كان يحاول الوصول إليه من خلالي. لكن بقي سؤال واحد. لماذا أنا؟ واصلت البحث حتى وجدت شيئًا جعلني أتوقف تمامًا. كان هناك اسم ظهر في أحد التقارير القديمة مرتبطًا بليلة اختفاء أخيه، وهو نفسه الاسم الذي وجدته في تقرير حديث. شخص لم يتوقف عن البحث عن الحقيقة طوال تلك السنوات. جلست أمام الأوراق طويلًا. ثم اتصلت به. أجاب بعد رنين واحد. "مايا؟" لم أقل شيئًا. ثم قلت: "أريد أن أراك." ساد الصمت. "الآن؟" "نعم." "لماذا؟" نظرت إلى الصور والتقارير المنتشرة أمامي. "لأنني تعبت من البحث عن إجابات لا تريد أن تعطيني إياها." لم يجب. ثم قال: "حسنًا." أغلقت الهاتف. ولأول مرة منذ عرفته، لم أكن ذاهبة إلى لقائه لأنني اشتقت إليه. كنت ذاهبة لأنني أريد الحقيقة. كلها. ولم أكن أعرف أن الحقيقة، حين تأتي كاملة، قد تكون أقسى من كل ما تخيلته.
3 مشاهدة · هل استمتعت بالسلسلة؟ اشترك وادعم مبدعها!
كن أول من يعلق!