

لم يعد هناك صوت في المكان. كان كل شيء ساكنًا بصورة مخيفة، وكأن العالم نفسه قرر أن يتوقف للحظات، غير قادر على استيعاب ما حدث. بقي آسر واقفًا في مكانه، ينظر إلى مايا دون أن يتحرك. كانت فاقدة للوعي. وهاتفها ملقى بعيدًا عنها. نظر إليه للحظات، ثم عاد بنظره إليها. للمرة الأولى منذ سنوات، لم يجد في داخله عذرًا واحدًا يستطيع أن يتمسك به. لم تكن عائلته. لم يكن أخوه. لم تكن السيارة التي لاحقته. ولا الأشخاص الذين هددوه. ولا الماضي الذي ظل يطارده. كان هذا قراره. قراره وحده. كان يستطيع أن يخبرها بالحقيقة. كان يستطيع أن يتركها تذهب. كان يستطيع أن يسمح لها بأن تكرهه، وأن تسلمه للعدالة، وأن تنتهي قصتهما عند تلك اللحظة. لكنه لم يفعل. اختار أن يحمي أسراره بالطريقة التي حطمت بها الإنسان الوحيد الذي وثق به. اقترب منها ببطء. جلس بجانبها. ومد يده نحوها، لكنه توقف قبل أن يلمسها. ترددت في رأسه كلماتها. «الضحية لا تصنع ضحايا.» أغمض عينيه. كانت محقة. فتح عينيه مجددًا. في تلك اللحظة، تحركت مايا قليلًا. فتحت عينيها بصعوبة. كانت الرؤية أمامها مشوشة، لكنها استطاعت أن تراه. آسر. الشخص الذي أحبته. الشخص الذي وثقت به. الشخص الذي كانت تلجأ إليه كلما خافت. والشخص نفسه الذي أصبحت تخاف منه الآن. نظرت إليه طويلًا. لم تصرخ. لم تقل شيئًا في البداية. فقط حاولت أن تجد في وجهه الرجل الذي عرفته. الرجل الذي كان يجلس أمامها في المقهى. الرجل الذي كان يتذكر أنها لا تنام جيدًا. الرجل الذي كان ينتظرها بعد العمل. الرجل الذي قال لها ذات مساء: «لأنني أهتم.» لكنها لم تجده. كان أمامها الآن رجل آخر. أو ربما... كان هذا هو الرجل الحقيقي الذي لم تره إلا متأخرة. لمحت بين يديه شيئًا. شعرت بالخوف. لكن الألم كان أكبر. أكبر من الخوف نفسه. اقترب آسر منها. ولم تستطع مايا أن تمنع نفسها من النظر إلى عينيه للمرة الأخيرة. كانت هناك دموع في عينيه. دموع لم تستطع أن تغير شيئًا. ابتسمت ابتسامة صغيرة، بالكاد ظهرت على وجهها، ثم قالت بصوت متقطع: "لم يؤلمني ما حملته بين يديك..." توقفت للحظة. "بل آلمني... تلك اليد التي كانت تحتضنني." ارتجفت أنفاس آسر. لم يجد ما يقوله. أما هي، فخفضت عينيها. وكأنها كانت تبحث عن آخر شيء تستطيع الاحتفاظ به من الرجل الذي أحبته. ثم قالت: "كنت أتمنى أن تكون أنت أماني." سكتت لحظة. "لكنني كنت مخطئة." تجمعت الدموع في عينيها. ومع ذلك، لم تستطع الكراهية أن تأخذ مكان الحب بهذه السرعة. رفعت عينيها إليه مرة أخرى. وتمتمت: "أحبك..." ارتجف وجهه. ثم أكملت بصوت خافت: "يا قاتلي." وأغمضت عينيها. بعدها... ساد الصمت. صمت لم يشبه أي شيء عرفه آسر من قبل. بقي ينظر إليها. انتظر حركة. كلمة. حتى نفسًا واحدًا. لكن شيئًا لم يحدث. عندها فقط فهم. انتهت مايا. وانتهى معها الشيء الوحيد الذي كان يمكن أن يجعله رجلًا مختلفًا. انهمرت دموعه دون أن يشعر. لم يبكِ عندما اختفى أخوه. لم يبكِ عندما انهارت عائلته. ولم يبكِ عندما أصبح الماضي يطارده أينما ذهب. لكنه بكى الآن. لأن مايا لم تكن عدوًا. كانت الشخص الوحيد الذي أعطاه فرصة ليكون شخصًا آخر. وكان يستطيع أن يختارها. لكنه اختار نفسه. ثم خسرها. مد يده وأمسك يدها. كانت هذه اليد نفسها التي أمسكت بيده يومًا دون خوف. اليد التي فتحت له باب منزلها. اليد التي ضمدت جرحه. واليد التي كان يستطيع أن يحتفظ بها لو اختار طريقًا آخر. خفض رأسه. وأجهش بالبكاء. ثم تذكر اليوم الأول. المقهى. الصينية. الهاتف المحطم. الارتباك الذي ظهر على وجهها عندما أخبرته أن الهاتف أغلى من راتبها. وتذكر كيف ابتسمت رغم إحراجها. ثم الجمعة. الفستان الأحمر. وقفته أمام المطعم. نظرتها الخجولة. والجملة التي قالها لها ببساطة، دون أن يعرف أنها ستبقى معه حتى آخر حياته: "الأحمر يليق بك." رفع آسر عينيه إليها وسط دموعه. كانت المرة الأولى التي قال فيها تلك الجملة، وهو يتمنى لو أنه لم يقلها في ذلك اليوم. "الأحمر يليق بك..." خرج صوته مكسورًا. ثم سكت. لم يكن هناك من يبتسم له. ولا من يخفض عينيه بخجل. ولا من يقول له "شكرًا". فقط الصمت. وفي مكان آخر من ذاكرته، كانت مايا ما تزال تقف أمامه بفستانها الأحمر، كما لو أن الزمن أعادها للحظة واحدة فقط؛ قبل أن يعرف كل منهما إلى أين ستقودهما تلك الصدفة. صدفة الهاتف. صدفة العشاء. صدفة الحب. لكنها لم تكن صدفة في النهاية. كانت بداية كل شيء. وبداية النهاية أيضًا. انتهت الحكاية بالطريقة نفسها التي بدأت بها تقريبًا؛ بفتاة ترتدي الأحمر، ورجل ينظر إليها ويقول: "الأحمر يليق بك." لكن الفرق الوحيد... أن مايا، في البداية، ظنت أنها كانت بداية قصة حب. أما في النهاية... فاكتشفت أنها كانت بداية نهايتها.
8 مشاهدة · هل استمتعت بالسلسلة؟ اشترك وادعم مبدعها!
كن أول من يعلق!