

(هيجا تلهث وترتجف بقوة وتحاول النهوض) هيجا: "آهه!! آهههه!!!! تبا!!!!" ماري: "هيجا!" (بينما تتردد صرخات الألم والإنهاك من هيجا، تقفز ماري متجاوزة خوفها، وتجمع آخر ما تبقى لها من طاقة وقوة جسدية) ماري (بصوت يتقطع من التعب، وهي تحني ظهرها لتحمل هيجا وتثبتها عليها بقوة): «اصمتي ولاتحملي هذا... إن استمررنا في البقاء هنا لثانية واحدة فسيمزقنا ذلك الوحش ذو الرقعة إرباً!» (تنطلق ماري راكضة بكل ما أتييت من قوة، تتعثر في جذور الأشجار وتنزلق فوق الطين، لكنها ترفض التوقف، محاولةً شق طريقها بين كثافة الغابة المظلمة بينما تسيل دماء هيجا لتترك أثراً خفيفاً على العشب الخلفي). (على الضفة الأخرى، يعبر أولوريك ورايدر النهر فوق حصانيهما بسهولة، ليصل أولوريك إلى مكان هبوطهما السابق. يتنقل بعينه الحادة فوق بقايا طاقة الفقاعة المتبخرة ودماء هيجا الطازجة على العشب) أولوريك (يضيق عينه السليمة، ويرتسم على شفتيه ابتسامة ساخرة وقاتمة وهو يتابع أثر الدماء): «تحملان بعضهما كالجرذان الهاربة... لكن الأثر واضح هذه المرة، ولن تذهبا بعيداً.» رايدر (يمتطي حصانه بهدوء تام، ويتحقق من اتجاه المسير بعقلانية): «النزيف الذي تعاني منه هيجا سيبطئ حركتهما حتماً، وخاصة أن ماري تحملها الآن. لقد بدأ التعب ينال منهما... المسافة بيننا أصبحت قصيرة جداً.» أولوريك (يشد لجام حصانه بقوة، وتشتعل عيناه بنظرة حاسمة): «إذاً لننهِ هذه المطاردة... تحرك.» (تصل ماري وهيجا أخيراً إلى أطراف القرية المجاورة، وتستغل ماري طريقاً سرياً كانت هيجا عرفتها على هذا الطريق السري منذ زمن لكثرة تسللها للقرى وغيره... لتدخلا السوق المزدحم بلا جذب للأنظار). (تلمح ماري عربة خشبية ضخمة مملوءة بالأسماك النيئة، وبحركة خاطفة تدفع هيجا وتدخلان معاً في أحد الدلاء والبراميل الكبيرة المملوءة بالسمك، تغلق ماري الغطاء الخشبي الموثق بإحكام تماماً كما تتحرك العربة ببطء نحو قلب السوق الصاخب).* (تستقر هيجا وسط تلك الرائحة اللاذعة واللزجة، لتلتصق الأسماك بملابسها، فتفتح عينها على مصراعيها وتلهث بغضب واشمئزاز وهي تحاول التقاط أنفاسها المكتومة). هيجا (بصوت مخنوق ومتقطع من شدة القرف والإنهاك، وهي تحاول دفع سمكة بعيداً عن وجهها): «آععع!!! بآععع!! سأستفرغ!!!! من بين كل الأطعمة في العالم... أخترتي السمك النتن هذا!!!! يالي من تعيسة... ألا توجد عربة جزر أو بطاطا على الأقل؟! رائحتي أصبحت سمكاً! كدت أختنق!» ماري (تنكمش في ركنها الضيق، تلهث بقوة وهي تكتم أنفاسها بيدها وتعدل شعرها المبعثر): «اصمتي أيتها الجاحدة! هل كنت تفضلين أن يعلقنا ذلك ذو الرقعة على أسوار القصر؟! اتركي التذمر الآن واحمدي الله أن العربة تتحرك نحو خارج القرية... تنفسي بهدوء ولاتحركي ساكناً!» (عند مدخل القرية، يتوقف أولوريك ورايدر بصمت على صهوة حصانيهما). رايدر (يترجل من على حصانه بهدوء، ويتفقد الأثر الذي ينتهي عند أول السوق المزدحم، عاقداً حاجبيه ببرود): «الأثر يتوقف هنا... السوق مليء بالبشر، والعربات تتحرك في كل اتجاه. لقد تخلصتا من رائحة الدم وسط رائحة الأسواق.» أولوريك (يقف بجانبه، ويجول بعينه الحادة والقاتمة في أرجاء السوق الصاخب، وترتسم على شفتيه ابتسامة جانبية ساخرة وخشنة): «تظنان أن زحام البشر سيخفيهما عني؟... ابحث عن أي عربة مغادرة باتجاه الميناء أو الجبال يا رايدر. الفئران تفضل دائماً الجحور الضيقة.» (في داخل الدلو المظلم والمليء بالرائحة اللاذعة، تلهث هيجا برفق، ويستقر رأسها على حافة البرميل بينما يعلو صوت العربة وهي تهتز على الطريق الصخري. تنظر إلى أختها بنظرة محملة بالقلق الثقيل). هيجا ( بصوت خافت متقطع من التعب والتوتر): «... أين تظنين أخذوا أمي وأبي... هل يعقل أن أولوريك ورايدر دمروا القصر وقتلوهما حقاً؟ لا أستطيع تخيل أن أكون بلا أم الآن...» (تنظر ماري إليها بملامح شاحبة ومتعبة، وترفع يدها الملطخة بالدماء واللزوجة لتمسح جبهتها ببطء مبالغ فيه). ماري (بنبرة جادة ومحاولة فاشلة للسخرية لتخفيف التوتر، وهي ترفع يدها أمام وجهها): «لحظة، دعيني أشم على ظهر يدي لأعرف المستقبل...!» (قبل أن تكمل ماري جملتها، تلتقط هيجا سمكة لزجة وباردة من قاع الدلو وترميها بكامل قوة غضبها وانزعاجها مباشرة على وجه ماري!) ماري (تصرخ بشهقة مفاجئة وهي تتفادى السمكة وتتلقاها على كتفها): «يا إلهي! أجننتِ تماماً؟! سمكة حقيقية؟! أقسم أنني سأرميكِ أنتِ في البحر إن نجونا من هذا اليوم!» هيجا (تضحك باستهزاء وهي تلهث، وعيناها تدمعان من شدة القرف والضحك المكتوم): هنا! كلي السمكة واصمتي... العربة تتحرك ببطء شديد وأعصابي تلفت.» ماري (تزيل السمكة باشمئزاز وتلقيها في زاوية الدلو، وتتنهد بقلة حيلة وهي تسند رأسها على كتف هيجا بصمت): «... حسناً، لنكن واقعيين. أولوريك ورايدر ليسا قتلة عشوائيين؛ لو أرادا قتل أمك وأبيك لفعلا ذلك فوراً في القصر. هم يبحثون عن إجابات، وعن أشخاص يحملون علامات العيون مثلي ومثلك... هذا يعني أن أمك ربما تكون محتجزة في مكان ما، أو... ربما أخذوها رهينة للضغط علينا.» هيجا (تتلاشى الضحكة من وجهها، ويقبض الخوف على قلبها بقوة، وترتجف أصابعها في الظلام): «رهينة...؟ أمي لا تستطيع تحمل التعذيب، قوتها قد تدمر المكان ومن فيه إن فقدت السيطرة... يجب أن نجد طريقة للهروب بعيداً عن هذه القرية قبل أن يجدونا.» (في تلك اللحظة، تتوقف العربة فجأة، ويسمع صوت البائع وهو ينادي بصوت عالٍ معلناً الوصول إلى مشارف الميناء أو محطة التفتيش الخارجية للقرية). (يهتز غطاء البرميل بفعل توقف العربة المفاجئ، ويُسمع صوت خطوات بائع الأسماك وهو يقترب لرفع الغطاء وتفريغ الحمولات). هيجا (تتسع عيناها بـرعب مكتوم، وتهمس بسرعة فائقة وهي تلتصق بماري): «دعينا نهرب بسرعة لأن يبدو أنها ستمطر سكاكين علينا إن رأينا أولوريك هذا... هيا!» ماري (تومئ برأسها بقوة وهي تشد على أطراف ثيابها): «هيا هيا!» (بينما يبدأ البائع برفع الغطاء الخشبي قليلاً، تطلق هيجا دفعة سحرية خفيفة وخاطفة لتشتيت انتباهه، وتدفع ماري الغطاء بقوة لتطير السمكات في الهواء، وتقفز الاثنتان خارج العربة بلمح البصر وسط صياح البائع الفزع). البائع (بصحوة من الذهول، وهو يلوح بيده بغضب): «هيه! أيها اللصوص! ماذا تفعلون بأسماكي؟! تعالوا هنا!» (لكن الأميرتين كانتا قد اختفتا بالفعل بين أزقة الميناء الضيقة والمزدحمة، تركضان بكل ما أتييتا من قوة تحت سماء بدأت تتلبد بالغيوم الداكنة وتنذر بعاصفة قريبة). (على بعد أمتار قليلة، عند تقاطع الطرق المؤدية للميناء، يتوقف أولوريك على صهوة حصانه، ويضيق عينه السليمة بحدة وهو يراقب فوضى السوق واختفاء طيفين صغيرين يركضان بسرعة). رايدر (الذي يقف بجانبه ببرود تام، وهو يغلق كتابه الجلدي ويضعه جانباً): «يبدو أن الفئران خرجت من جحورها أخيرًا... لقد تسببن في إزعاج لبائع الأسماك هناك.» أولوريك (تعتلو وجهه ابتسامة جانبية ساخرة، وتشتعل عيناه بنظرة حادة لا تخطئ الهدف، وهو يشد لجام حصانه ليتقدم بخطى بطيئة وواثقة): «يعتقدن أن الزحام سيحميهن... تحرك يا رايدر، لن أسمح لهن بالهرب هذه المرة، سأجعلهن يندمن على كل خطوة قطعتناها.»
1 مشاهدة · هل استمتعت بالسلسلة؟ اشترك وادعم مبدعها!
كن أول من يعلق!