

في الليلة ذاتها... وبعد ساعات من انتهاء الحفل الملكي. كانت معظم أروقة قصر فالين قد غرقت في السكون. خفتت الموسيقى. انطفأت أغلب الشموع. واختفت ضحكات النبلاء خلف الأبواب الثقيلة. لكن النوم... لم يزر غرفة لاسينا. جلست قرب النافذة الواسعة. ما زالت ترتدي ثوب الحفل. تاركـة شعرها الزهري ينساب فوق كتفيها. كانت تحدق في السماء. في ذلك الامتداد الأسود المرصع بالنجوم. نجوم أريامور بدت مختلفة عن نجوم لورينفال. أبرد. أبعد. وأكثر وحدة. شعرت فجأة بشيء يضغط على قلبها. ذلك الشعور الذي لا اسم له. ليس حزنًا. وليس خوفًا. بل إحساس الإنسان عندما يدرك أنه أصبح بعيدًا جدًا عن المكان الذي ولد فيه. همست لنفسها: "أتساءل إن كانت أمي تنظر إلى السماء الآن أيضًا..." دفعها هذا السؤال إلى الابتسام. ابتسامة صغيرة شاحبة. ثم تنهدت. طرقت ميرال الباب بخفة. "مولاتي؟" "ادخلي." دخلت الوصيفة الشابة وهي تحمل صينية فضية. عليها إبريق شاي وأكواب صغيرة. وضعتها فوق الطاولة. ثم جلست دون استئذان. رفعت لاسينا حاجبًا. "منذ متى تستأذنين أصلًا؟" أجابت ميرال فورًا: "منذ أن أصبحتِ دوقة أريامور." "وأصبحتِ مؤدبة فجأة؟" "لا." "إذن؟" "كنت أحاول تجربة الأمر." ضحكت لاسينا. وكانت تلك الضحكة كافية لتطمئن ميرال. لأنها كانت تخشى أن تبكي سيدتها بعد انتهاء الحفل. صمتتا قليلًا. ثم سألت ميرال: "ما رأيكِ بالدوق؟" اختنقت لاسينا بالشاي. "ميرال!" "ماذا؟" "سؤال مباشر جدًا." "إذن هذا يعني أنكِ فكرتِ فيه." أشارت لاسينا إلى الباب. "اخرجي." "إذن فكرتِ فيه." "ميرال." "حسنًا حسنًا." لكن ابتسامة الوصيفة لم تختف. أما لاسينا... فوجدت نفسها تنظر نحو النافذة مرة أخرى. ثم تذكرت شيئًا. الطريقة التي انحنى بها لوكاس لاستقبالها. الطريقة التي تحدث بها معها. هدوءه. نظراته. ثم تذكرت ابتسامته القصيرة. ابتسامة صغيرة جدًا. لكنها كانت حقيقية. وشعرت بحرارة خفيفة في وجنتيها. "إنه... لطيف." قالتها دون وعي. فسقطت الملعقة من يد ميرال. "ماذا؟" اتسعت عينا لاسينا. "لم أقل شيئًا." "بل قلتِ." "لم أقل." "لقد قلتِ إنه لطيف." "ميرال!" "أخيرًا!" في مكان آخر من القصر... كان لوكاس ما يزال مستيقظًا أيضًا. جلس في مكتبه. تنتشر حوله الوثائق والأختام الملكية. لكن انتباهه لم يكن عليها. بل على الورقة البيضاء أمامه. ورقة لم يكتب فيها شيئًا. تنهد. ثم رفع رأسه. "هل ستحدق بي طوال الليل؟" جاءه صوت كايل من الأريكة. "ربما." "لدي عمل." "كاذب." "كايل." "لوكاس." رمقه الدوق بنظرة باردة. أما صديقه فابتسم ابتسامة واسعة. "إذن؟" "إذن ماذا؟" "ما رأيك بزوجتك؟" ساد الصمت. "إنها لطيفة." سقط كايل من فوق الأريكة. حرفيًا. ارتطم بالأرض. ثم نهض بسرعة. "ماذا قلت؟" "هل أصبت رأسك؟" "لا." "إذن لا داعي لتكرار كلامي." "لقد وصفت شخصًا بأنه لطيف." "و؟" "آخر مرة فعلت ذلك كان عمرك أربعة عشر عامًا." في هذه الأثناء... لم تكن جميع القلوب تنبض بالهدوء نفسه. في جناح عائلة ڤيرنوا. كانت دالين تقف أمام المرآة. نزعت أقراطها بعنف. ثم ألقتها فوق الطاولة. دخلت والدتها. المركيزة فيوليت ڤيرنوا. امرأة جميلة رغم تقدمها في العمر. لكن جمالها كان يشبه الورود السامة. راقبت ابنتها للحظات. ثم قالت: "أنتِ غاضبة." "لست غاضبة." "إذن لماذا تكاد المرآة تموت خوفًا منكِ؟" صمتت دالين. ثم همست: "إنها ليست مميزة." "من؟" "لاسينا." رفعت فيوليت حاجبها. "لكن الجميع يتحدث عنها." "لهذا السبب بالذات." اقتربت الأم من ابنتها. ثم قالت بهدوء: "إذا كان وجودها يزعجكِ لهذه الدرجة..." توقفت. ثم ابتسمت. ابتسامة جعلت الهواء يبرد. "فابحثي عن سبب وجودها." "ماذا تعنين؟" "لا أحد يبيع ابنته الوحيدة بهذه السهولة." للمرة الأولى... توقفت دالين عن التفكير في لوكاس. وفكرت في لاسينا نفسها. أميرة. من دولة بعيدة. ظهرت فجأة. وتزوجت دوق أريامور. هل كانت حقًا مجرد أميرة؟ أم أن هناك شيئًا آخر؟ وفي أعماق القصر... خلف أبواب لم تُفتح منذ قرون... عاد ذلك الضوء البنفسجي للظهور. نبضة واحدة. ثم نبضة ثانية. ثم... صوت خافت جدًا. كأنه لحن. لحن قديم. قديم إلى درجة أن الزمن نفسه كاد ينساه. لكن القصر لم ينسه. وقبل أن تنتصف الليلة... استيقظ شخص مجهول في مكان بعيد جدًا عن أريامور. فتح عينيه الذهبيتين ببطء. ثم ابتسم. وقال: "إذن..." "لقد بدأت القصة أخيرًا."
0 مشاهدة · هل استمتعت بالسلسلة؟ اشترك وادعم مبدعها!
كن أول من يعلق!