

كان الفجر يهبط على أريامور بهدوءٍ يليق بمدينةٍ لم تعرف الضجيج يومًا. لم تكن الشمس تشرق دفعةً واحدة، بل كانت تنسل بين قمم الأبراج الحجرية شيئًا فشيئًا، فتوقظ النوافذ الزجاجية الملونة، حتى بدا القصر وكأنه يستعيد ألوانه بعد ليلةٍ طويلة. في هذا الوقت من الصباح... كان معظم النبلاء لا يزالون نائمين. أما الخدم، فقد امتلأت بهم الممرات. أصوات الخطوات الخافتة. رائحة الخبز الساخن. وأجراس صغيرة تُعلّق عند عربات الشاي كي يعلم الجميع أن يومًا جديدًا قد بدأ. فتحت لاسينا عينيها ببطء. ظلّت تحدق في سقف الغرفة للحظات. كلما استيقظت، احتاج عقلها إلى ثوانٍ ليتذكر... أنها لم تعد في لورينفال. لم تعد تستيقظ على زقزقة طيور حدائق والدتها. ولم تعد تسمع خادمات القصر القديم يتجادلن حول أي الزهور ستُقطف أولًا. بل أصبحت... دوقة أريامور. تنهدت وهي تغطي وجهها بالوسادة. "ما زلت أعتقد أن كل هذا حلم..." قالت بصوتٍ ناعس. لكن صوتًا مألوفًا جاءها من الجهة الأخرى. "إذا كان حلمًا، فهو أطول حلم رأيته في حياتك يا مولاتي." أنزلت الوسادة ببطء. لتجد ميرال تجلس على الأريكة المقابلة، تحتسي الشاي وكأنها صاحبة الغرفة. حدقت فيها لاسينا. ثم حدقت في كوب الشاي. ثم عادت تحدق في ميرال. "كيف دخلتِ؟" رفعت ميرال المفتاح الفضي بين إصبعيها، ولوّحت به. "أعطتني رئيسة الخادمات نسخة." عقدت لاسينا ذراعيها. "سأشتكي عليكِ." أجابت ميرال بهدوءٍ قاتل: "بعد الإفطار." ضحكت لاسينا رغماً عنها. بعد نصف ساعة... كانت الخادمات يساعدنها على ارتداء فستانٍ صباحي بسيط بلون الأزرق الفاتح. لم يكن مزخرفًا كفساتين الحفلات. بل صُمم ليمنحها حرية الحركة. وقفت أمام المرآة الكبيرة بينما كانت إحدى الخادمات ترتب شعرها الزهري في ضفيرة فضفاضة. قالت الخادمة بإعجاب: "حقًا... لم أرَ هذا اللون من الشعر من قبل." ابتسمت لاسينا. "في لورينفال كان الجميع يعتبره أمرًا عاديًا." تبادلت الخادمات النظرات. واضح أن ذلك لم يكن صحيحًا. لكنهن لم يعلّقن. طرقت رئيسة الخادمات الباب. امرأة خمسينية تُدعى السيدة أغنيس. قصيرة القامة. شعرها الفضي مرفوع بإحكام. ولا يجرؤ أحد في القصر على مخالفة أوامرها. انحنت باحترام. "صباح الخير يا صاحبة السمو." ابتسمت لاسينا. "صباح الخير." قالت أغنيس: "أبلغني سمو الدوق أنكم ستتناولان الإفطار معًا هذا الصباح." ساد الصمت. التفتت لاسينا نحو ميرال ببطء. همست: "معًا؟" هزت ميرال رأسها بابتسامة واسعة. "معًا." في الوقت نفسه... كان لوكاس قد انتهى من تدريبه الصباحي. وقف في ساحة التدريب الخلفية. أنزل سيفه الخشبي، بينما كانت أنفاسه منتظمة، رغم أن قطرات العرق انزلقت على عنقه. صفق كايل وهو يقترب. "كما توقعت... هزمتني مرة أخرى." ألقى لوكاس السيف لأحد الجنود. "أنت كنت شارد الذهن." ضحك كايل. "أنا؟" اقترب حتى أصبح بمحاذاته. ثم قال بخبث: "بل أنت." رفع لوكاس منشفة وجفف يديه. "ما الذي تريد قوله؟" قال كايل: "إنها أول مرة منذ سنوات تطلب تأجيل اجتماع مجلس الدوق." توقف لوكاس. "لأن لدي ضيفة." ابتسم كايل ابتسامة المنتصر. "زوجة." صحح لوكاس ببرود. "ليست ضيفة." سكت كايل للحظة. ثم انفجر ضاحكًا. "لقد صححتها!" نظر إليه لوكاس نظرةً باردة. لكن كايل لم يتوقف عن الضحك. في الجناح الشرقي... كانت دالين تتناول الشاي مع والدها. الماركيز رينارد ڤيرنوا. رجل في أواخر الخمسينيات. صاحب شعرٍ أسود بدأ يغزوه الشيب. عيناه ضيقتان دائمًا، وكأنهما تدرسان كل شيء. كان أحد أكثر رجال الإمبراطورية نفوذًا. قرأ رسالة وصلته للتو. ثم طواها بعناية. قال دون أن يرفع رأسه: "جلالة الإمبراطور سيقيم مأدبة بعد ثلاثة أيام." سألت دالين: "وما شأننا؟" أجاب بهدوء: "سيقدم الدوق لوكاس زوجته رسميًا أمام جميع بيوت النبلاء." توقفت يدها. لم تقل شيئًا. لكن ملعقة الشاي ارتطمت بالفنجان بصوتٍ خافت. لاحظ والدها ذلك. رفع نظره إليها. "ما زلتِ تفكرين به؟" أنزلت عينيها. "لا." ابتسم ابتسامة صغيرة. "لا تكذبي على رجلٍ علّمك الكذب." ساد الصمت. ثم أردف: "لكن تذكري شيئًا يا دالين..." رفع إصبعه ببطء. "في السياسة..." "لا يوجد زواجٌ لا يمكن كسره." وفي الطابق الأرضي... دخلت لاسينا قاعة الإفطار. كانت القاعة أقل فخامة من قاعة الولائم. لكنها ما زالت واسعة، تتوسطها نوافذ طويلة تطل على الحدائق الملكية. وكان لوكاس... يجلس بالفعل. ما إن رآها حتى نهض احترامًا. تقدم خطوة. ثم سحب المقعد المجاور له بنفسه. وقال بصوته الهادئ: "صباح الخير." ابتسمت لاسينا ابتسامة صغيرة. "صباح الخير." جلست. وشعرت، للمرة الأولى، أن الصمت بينهما لم يعد مخيفًا... بل مريحًا. يتبع....
0 مشاهدة · هل استمتعت بالسلسلة؟ اشترك وادعم مبدعها!
كن أول من يعلق!