

كان أول ما لاحظته لاسينا في ذلك الصباح أن الطاولة بدت أطول مما ينبغي. ربما لأن مقعدها كان في الطرف المقابل لمقعد لوكاس، أو لأن الصمت الممتد بينهما جعل المسافة تبدو كأنها ممر كامل لا مائدة إفطار. توقفت لحظة عند الباب. كان لوكاس واقفًا إلى جانب المقعد الذي أخرجه لها، ويده مستندة بخفة إلى ظهره. لم يكن في وقفته شيء متكلف؛ بدا الأمر طبيعيًا إلى درجة جعلتها تشعر بشيء من الحرج لأنها فوجئت به. قال: — صباح الخير. رفعت لاسينا عينيها إليه، ثم ابتسمت. — صباح الخير. جلست، وسحب هو المقعد إلى مكانه قبل أن يعود إلى مقعده. راقبته لاسينا لحظات. ثم نظرت إلى المائدة. ثم إليه. ثم إلى المائدة مرة أخرى. كان الإفطار مرتبًا بعناية مبالغ فيها؛ خبز طازج، فاكهة مقطعة، مربى من التوت، شاي، قهوة، جبن، وعاء صغير من العسل، وحلوى لم تتعرف إليها. رفعت حاجبًا. — هل يُفترض أن آكل كل هذا؟ جلس لوكاس. — لا. — جيد. تناولت قطعة من الخبز. — لأنني بدأت أشعر بالشفقة على معدتي. ظهرت في عينيه لمعة خافتة. — يمكنكِ أن تأكلي ما تريدين. — هذه إجابة خطيرة من رجل مسؤول عن طعام زوجته. — لماذا؟ رفعت قطعة الخبز أمامه وكأنها تقدم له دليلًا في محاكمة. — لأنني قد أقرر أن الإفطار هو الحلوى. نظر إلى الطعام. — هذا ليس إفطارًا. — بالنسبة إليّ هو كذلك. — إذن لديكِ تعريف مختلف للإفطار. ابتسمت. — ولديك تعريف مختلف للحياة، على ما يبدو. لم يرد. لكنها لاحظت أنه أخفى ابتسامة صغيرة خلف فنجان الشاي. ابتسمت هي الأخرى. كان ذلك غريبًا. غريبًا جدًا. لم يمض على زواجهما سوى أيام، ومع ذلك بدأت تشعر أن هذا الرجل الذي قابلته في اليوم الأول كجدار من الصمت، يملك في مكان ما خلف ذلك الهدوء شخصًا آخر. شخصًا لا يظهر إلا قليلًا. وربما... أمامها هي فقط. خفضت عينيها إلى فنجانها كي لا يلاحظ ارتباكها. قال لوكاس بعد لحظة: — هل نمتِ جيدًا؟ — إلى حد ما. — هل هناك شيء أزعجك؟ ترددت. لم تكن تريد إخباره عن الحلم. عن ذلك الصوت الذي سمعته في الليل. ولا عن اللحظة التي استيقظت فيها وهي تشعر بأن أحدًا كان يقف عند باب غرفتها. لكنها لم تكن متأكدة أصلًا إن كان ذلك حقيقيًا. قالت: — اشتقت إلى لورينفال قليلًا. لم يتغير وجه لوكاس. لكنه وضع الفنجان من يده. — طبيعي. رفعت نظرها إليه. — هل تشتاق أنت إلى مكان ما؟ صمت. سؤال بسيط. إلا أن صمته كان أطول من المعتاد. ثم قال: — أحيانًا. — إلى أين؟ نظر نحو النافذة. كان ضوء الصباح ينسكب عبر الزجاج، ويصنع خطوطًا ذهبية على الأرض. — إلى مكان لم يعد موجودًا. توقفت يد لاسينا. لم تعرف لماذا شعرت أن الجملة أثقل مما ينبغي. قالت بهدوء: — آسفة. عاد بنظره إليها. — لا داعي. — لكنك قلتها بطريقة تجعلني أعتقد أن هناك قصة وراءها. — هناك قصة. — وستحكيها؟ — ربما. ابتسمت ابتسامة صغيرة. — إذن سأنتظر. قال: — لا تنتظري طويلًا. لم تعرف لاسينا لماذا بقيت تلك الجملة في قلبها أكثر مما ينبغي. وقبل أن تتمكن من الرد، فُتح باب القاعة. دخلت أغنيس بخطواتها المنضبطة، يتبعها خادمان يحملان صندوقًا خشبيًا طويلًا. قالت: — سيدي الدوق، وصلت الرسائل من العاصمة. ثم نظرت إلى لاسينا. — وهناك رسالة مخصصة للدوقة. رفعت لاسينا رأسها. — لي؟ — نعم، مولاتي. تقدم أحد الخادمين ووضع الصندوق الصغير على الطاولة. كان مغلقًا بشريط بنفسجي داكن. حدقت لاسينا فيه. ثم قالت: — من أرسلها؟ أجابت أغنيس: — لم يُذكر اسم المرسل. نظر لوكاس إلى الصندوق. تغير شيء في عينيه. لم يكن خوفًا. لكنه كان قريبًا منه. قال: — اتركيه. رفعت لاسينا حاجبها. — لي؟ — لا. — ماذا تقصد بـ«اتركيه»؟ — لا تفتحيه الآن. نظرت إليه باستغراب. — ولماذا؟ اقترب لوكاس من الصندوق دون أن يلمسه. تفحص الشريط. ثم الختم الصغير المثبت في طرفه. كان الختم على هيئة نجمة ذات سبعة رؤوس. قال: — لأنني لا أعرف من أرسله. مدت لاسينا يدها، ثم توقفت قبل أن تلمسه. — لكن الرسالة موجهة إليّ. — وهذا تحديدًا ما يقلقني. ساد الصمت. حتى أغنيس بدت أكثر انتباهًا. قالت لاسينا: — هل هذا الختم معروف لديك؟ رفع لوكاس عينيه إليها. — نعم. — لمن؟ لم يجب فورًا. وفي تلك اللحظة، جاء صوت من الممر: — إن كنتم ستتحدثون عن الأسرار، فاختاروا مكانًا أقل سوءًا من قاعة الطعام. دخل كايل أستور. كان يحمل نصف تفاحة في يده، وشعره الأسود غير مرتب كما لو أنه خرج لتوه من التدريب. توقف عندما رأى الصندوق. ثم مضغ ببطء. — أوه. نظر إلى لوكاس. — هذه ليست جيدة. قالت لاسينا: — يبدو أن الجميع يعرف شيئًا إلا أنا. رد كايل: — هذه مشكلة القصور. جلس دون دعوة. حدقت فيه لاسينا. — هل تجلس دائمًا على موائد الآخرين؟ — عندما يكون الطعام جيدًا. — هذا طعامي. — ونحن عائلة الآن. قال لوكاس ببرود: — كايل. — نعم؟ — اخرج. — بعد أن أنهي التفاحة. تنهد لوكاس. وللمرة الأولى منذ دخول كايل، ضحكت لاسينا. ضحكة قصيرة، لكنها جعلت التوتر ينكسر. نظر كايل إليها مبتسمًا. — على الأقل أنتِ تفهمينني. قالت: — لا، أنا أضحك عليك. وضع يده على صدره متظاهرًا بالألم. — هذه أول طعنة أتلقاها من دوقة أريامور. — ستعيش. — مؤسف. هز لوكاس رأسه، لكنه لم يمنع ابتسامته الصغيرة هذه المرة. ثم عاد بصره إلى الصندوق. اختفت الخفة من وجهه. قال: — كايل. فهم الآخر فورًا. وضع التفاحة جانبًا. — سأتصرف. قالت لاسينا: — لحظة. توقفت نظراتهما عندها. مدت يدها ببطء. ثم أمسكت الصندوق. — سأفتحه. قال لوكاس: — لاسينا. — إذا كان هناك شخص يريد إخافتي، فقد نجح. ثم نظرت إليه مباشرة. — لكنني لا أحب أن أخاف من شيء لا أعرفه. بقي ينظر إليها. كانت عيناها البنفسجيتان ثابتتين، رغم أن أصابعها كانت تمسك الصندوق بحذر. ثم قال: — حسنًا. اقترب منها. — لكنني سأفتحه أنا. — لماذا؟ — لأنني لا أريد أن تلمسي شيئًا قد يؤذيك. صمتت. لم تجد جوابًا سريعًا. أخذ لوكاس الصندوق منها. وضعه على الطاولة. ثم فك الشريط. سقط الشريط البنفسجي على الخشب. لم يحدث شيء. فتح الغطاء. كان في الداخل ورق واحد فقط. ورقة قديمة بلون العاج. وفوقها زهرة بنفسجية مجففة. شهقت لاسينا بصوت خافت. لم تعرف لماذا. لكنها شعرت أنها تعرف تلك الزهرة. مدت يدها دون وعي. قال لوكاس: — لا. توقفت. نظر إلى الزهرة. ثم إلى لاسينا. — هل تعرفينها؟ هزت رأسها ببطء. — لا. لكن صوتها لم يكن مقنعًا حتى لها. أمسك لوكاس الورقة. فتحها. لم يكن فيها سوى سطر واحد. قرأه. وتغير وجهه. قالت لاسينا: — ماذا كُتب؟ لم يجب. انتزعت الورقة من يده. قرأتها. وكانت الكلمات مكتوبة بحبر بنفسجي باهت: «إلى ابنة اللحن الذي لم يمت... لا تغنّي أمام النجمة السابعة.» تجمدت لاسينا. لم تسمع شيئًا بعدها. لا حركة الخدم. ولا صوت الساعة. ولا حتى صوت كايل الذي كان قد توقف عن المزاح تمامًا. بقيت تحدق في الورقة. ثم قالت: — ما معنى هذا؟ نظر لوكاس إليها. — لا أعرف. — كاذب. خرجت الكلمة منها بهدوء، لكنها كانت حادة. رفع حاجبه قليلًا. — ماذا؟ — أنت تعرف شيئًا. لم يجب. اقتربت منه. — منذ وصلت إلى هذا القصر، هناك أشياء تحدث من حولي وكأن الجميع ينتظر مني أن أكتشفها وحدي. خفض لوكاس صوته: — لاسينا... — لا. هزت رأسها. — لا تقل «لا تقلقي». صمت. — ولا تقل إن الأمر لا يخصني. كانت عيناها تلمعان بشيء بين الغضب والخوف. — لأن الرسالة موجهة إليّ. ثم رفعت الورقة. — وأنا أريد أن أعرف لماذا. لم يجب لوكاس. لكن قبل أن يقول شيئًا، جاء صوت خطوات مسرعة من الخارج. دخل أحد الحراس. انحنى. — سيدي. — ماذا؟ — الأمير أدريان يطلب رؤيتك فورًا. قطب لوكاس حاجبيه. — الآن؟ — قال إن الأمر لا يحتمل الانتظار. ثم أضاف الحارس، مترددًا: — وقال شيئًا آخر. — ماذا؟ — قال إن عليه أن يرى الدوقة. تبادلت لاسينا ولوكاس النظرات. ثم قال كايل: — هذا يوم جميل فعلًا. التفتت إليه لاسينا. — لماذا؟ ابتسم ابتسامة لم تحمل أي مرح هذه المرة. — لأن الأمير أدريان لا يقول إن شيئًا لا يحتمل الانتظار إلا عندما يكون قد وجد شيئًا كان يتمنى ألا يجده. لم يمضِ نصف ساعة حتى كانت لاسينا تسير في أحد ممرات القصر إلى جانب لوكاس. كانت تمسك بطرف فستانها بيد، وبالرسالة باليد الأخرى. لم تتحدث. أما لوكاس فكان يسير بصمته المعتاد. حتى قالت فجأة: — أنت غاضب. — قليلًا. — مني؟ — لا. — من الرسالة؟ — نعم. نظرت إليه. — لماذا؟ — لأنها وصلت إلى غرفتك قبل أن تصل إليّ. توقفت خطواتها. — ماذا؟ استدار إليها. — الصندوق وُضع في جناحك خلال الليل. حدقت فيه. — وكيف عرفت؟ — الحرس لم يروا أحدًا يدخل. شعرت ببرودة تسري في ذراعيها. — هل هذا يعني أن شخصًا دخل إلى جناحي؟ — لا أعرف. — وهذا يفترض أن يطمئنني؟ — لا. ثم أضاف بهدوء: — لكنه يعني أنني لن أسمح بتكرار الأمر. نظرت إليه طويلًا. ثم ابتسمت رغمًا عنها. — أنت غريب. — أعلم. — قلتها وكأنها حقيقة طبية. — ربما هي كذلك. ضحكت. وللحظة قصيرة، عاد كل شيء طبيعيًا. إلى أن فتح لوكاس بابًا ثقيلًا في نهاية الممر. كانت الغرفة خلفه واسعة، مليئة بالكتب والخرائط والآلات القديمة. وفي وسطها وقف أدريان. كان شعره الفضي مبعثرًا، ومعطفه مفتوحًا، وفي يده كتاب ضخم يبدو أقدم من القصر نفسه. رفع عينيه إليهما. ثم حدق في لاسينا. لم يقل مرحبًا. لم يسألها كيف حالها. بل قال مباشرة: — غني. رمشت لاسينا. — ماذا؟ — أغنية. قال لوكاس ببرود: — أدريان. — ماذا؟ — حاول أن تتحدث مثل إنسان طبيعي. نظر أدريان إليه. — أنا طبيعي. قال كايل، الذي دخل خلفهم: — هذه أكثر جملة غير طبيعية قلتها اليوم. تجاهله أدريان. وتقدم نحو لاسينا. كانت عيناه مثبتتين على عينيها. — أريد أن أختبر شيئًا. قالت لاسينا بحذر: — ماذا؟ فتح الكتاب. كانت صفحاته مليئة برموز موسيقية غريبة. ثم قلب عدة صفحات حتى توقف. — هذا. نظرت لاسينا. شعرت بشيء غريب في صدرها. النغمة المكتوبة على الصفحة... لم تكن تعرفها. لكنها شعرت أنها سمعتها من قبل. منذ زمن بعيد. ربما في طفولتها. قال أدريان: — هل تعرفينها؟ همست: — لا. — هل يمكنك غناءها؟ رفعت عينيها إليه. — قلت إنني لا أعرفها. — لكنك تعرفينها. — كيف عرفت؟ قال ببساطة: — لأنك تنظرين إليها كما أنظر أنا إلى الأشياء التي نسيتها ثم وجدتها. لم تجد ما تقوله. مد أدريان الكتاب نحوها. — حاولي. نظر لوكاس إليه. — لا تضغط عليها. — لن أفعل. ثم قال لأدريان: — وإذا حدث شيء؟ أجابه: — سأوقفها. ابتسم كايل بسخرية. — هذا رائع. الخطة هي: نغني لحنًا مجهولًا في قصر غامض، وإذا حدثت كارثة، نوقفها. قال أدريان: — نعم. — كنت أمزح. — وأنا لم أكن. تنهد كايل. أما لاسينا... فكانت لا تزال تحدق في الصفحة. ثم بدأت تحرك شفتيها. كانت النغمات تخرج من ذاكرتها قبل أن يخرجها عقلها. نغمة. ثم أخرى. ثم الثالثة. لم يكن صوتها مرتفعًا. بل كان رقيقًا جدًا. لكن ما إن خرجت النغمة الأولى حتى انطفأت إحدى الشموع. رفع لوكاس رأسه. ثم انطفأت الثانية. والثالثة. حتى بقي ضوء واحد فقط. توقفت لاسينا. قال أدريان: — لا تتوقفي. نظرت إليه. — ماذا؟ — تابعي. — لماذا؟ لم يجب. كان ينظر خلفها. استدارت لاسينا. وفي الطرف الآخر من الغرفة، كان هناك مرآة قديمة مغطاة بالغبار. لكن سطحها بدأ يضيء. ببطء. ظهر عليه ضوء بنفسجي. ثم انعكس في عيني لاسينا. شهق كايل: — لوكاس... لم يتحرك الدوق. كان ينظر إلى المرآة. ثم إلى لاسينا. وفجأة... سمع الجميع صوتًا خافتًا. كأنه صوت امرأة تغني من مكان بعيد جدًا. لم يكن صوت لاسينا. كان صوتًا آخر. وصوتها يقول: «البنفسج لا يغنّي مرتين...» انقطع الصوت. سقطت الشمعة الأخيرة. وغرق المكان في الظلام. وفي الظلام، قالت لاسينا بصوت مرتجف: — من كانت تلك؟ لم يجب أحد. لكن في مكان ما، تحت القصر... بدأت ساعة قديمة لم تعمل منذ مئات السنين تدق. دقة واحدة. ثم ثانية. ثم ثالثة. وعندما بلغت الدقة السابعة... فتح الباب الحجري القديم عينيه البنفسجيتين من جديد.
1 مشاهدة · هل استمتعت بالسلسلة؟ اشترك وادعم مبدعها!
كن أول من يعلق!