

افكاري متضاربة بين ما هو الواقع والخيال لكنني لم أدع ذلك يفقدني عقلي تماماً. شيلد يقف أمامي الآن لذا اجبت ساخرة: - وكأن الخيال يمكنه صنع شيء في الواقع . أخذ شيلد يجول بعينيه العسلية في المكان ثم رد علي: - لا أظن أنك تستوعبين ما فعلته يا كاتبة. ووضع يده فوق يدي لأشعر بدفئ يتسلل إلى جلدي، توسعت حدقتي وسحبت يدي، بينما زادت ابتسامته أتساعاً. بدأت أرتعد وقلت: - من أنت ؟! . - شيلد ألم تتعرفِ علي قبل ثانية؟. أجاب بنظرة بريئة، فاعتدلت بجلستي وأجبت: - بل أظن أنك عفريت!، ليس لهذا تفسير آخر. تنهد وهز راسه مع ابتسامة جانبية ثم قال أخيراً: - هيا يا كاتبة ألست أوسم من أن أكون عفريتاً؟. كانت تالة تمشي باتجاه غرفتنا وهي تتحدث على هاتفها في الجانب الآخر، فهمست له: - أختبئ أرجوك فلا أستطيع أن أشرح وجود شاب غريب في وسط غرفتي !. ما أن قلت ذلك حتى دخلت تالة وقبل أن أبدأ بالشرح مرت من خلال شيلد فطفى جسده الذي مرت من خلاله كدخان في الهواء، ولم تشعر هي بشيء سوى أنها قامت بالعطس !، أخرجت الهواء المحبوس في صدري من الصدمة وأخذت أنظر إلى وجهه الذي كان يسترق النظر إلى تالة حين قال: - إن هذه الفتاة مختلة أهي تحدث قطعة الصفيح؟. ما إن خرجت حتى قلت له : - إذاً لست إلا امتداداً لخيالي فعقلي لم يعد يفرق بين الخيال والواقع، لذا إن تركتك الآن وغرقت في النعاس لن يمكنك فعل شيء حيال الأمر. - هل أنت متأكدة ؟. سحب يدي لأسقط من أعلى السرير، أتت تالة مجدداً تتفقد أمري بينما أتى صوته الشامت: - ما رأيك يا كاتبة هل أجعلهم يظنون بإنك مجنونة ؟ أم تلبسك شيء ؟. يمكنني أن أفسد حياتك بالكامل ونظراً لها الآن لا تبدو بالكثير. لم أرد عليه فكانت تالة تصرخ علي طالبة مني أن أقول لها ما حدث فأخبرتها أنني تدحرجت من على السرير. رفعت تالة حاجبها باستنكار وهزت رأسها قائلة: - ما رأيك أن نذهب للطبيب فوجهك شاحب ؟. هززت رأسي نافية : - لا داعي، ماذا سيكون بي إلا حمى أو انخفاض في السكر. - أنت لا تهتمين بصحتك البتة.. هناك حد للضغط كما تعلمين سدرا، هل ترغبين أن آتي لك ببعض الطعام ؟". أومأت لتذهب . عدت ببصري إلى شيلد وقلت له : - ما الذي تريده بالضبط ؟. ابتسم برضى: - هذا هو ما أردت سماعه، سؤال مهم يا كاتبة.. حك دقنه ثم استطرد: كل ما في الأمر أنك أخطأت في كتابة القصة فهل يعقل أن تكون كتابتك لشخصية رائعة مثلي ثم تنفذينها بأسوء طريقة ممكنة؟. - لم أفهم؟. جلس بجانبي وأكمل: - لقد وضعتِ لشخصيتي كل المفاتيح لأكون شخصية رائعة، أو حتى أن أكون بطل هذه القصة لكن يبدو أن أفكارك نفذت في النهاية ووقع الاختيار علي ليتم التضحية بكل شيء على حسابي، وثم قد تتسألين لما لم ينتبه أحد لقصصك. دحرجت عيني وقلت: - إذا أنت حانق بسبب مجريات قصتك. هز رأسه بقلة حيلة: - ضيقة الأفق كالعادة، ربما يجب علي أن ألقنك درساً لعل هذا الدرس يجعلك تكتبين بطريقة أفضل!. ابتسمت رغم الغضب هذا ما كان ينقصني انتقاد من شخصية كتبتها أنا لربما هذا مجرد عقلي الباطن يحاورني بوقاحة، ليس وكأنني كنت أنتظر منه أن يتكلم معي بلطف لكن أن يظهر لي أحد شخصياتي والشخصية الشرير بهذه الهيئة تطالب بتغير مسار قصتها أليس هذا مضحكاً ! وكثيراً جداً الآن ذاته؟. - ليس لدي وقت لهذا . - سيكون لديك الكثير من الوقت لتفكرِ في الأمر. استقام وقال بنفس الابتسامة الساخرة: - آه وقبل أن أنسى تذكرِ طريق العودة غير حتمي لكنه محكوم بالاختلاف. وأنزل رأسه ليكون وجهه بمحاذاة وجهي وأكمل: - أتمنى أن يعجبك شتاء شيد. سمعت آخر كلمة وكأنني أهوي من السماء شعرت بهواء يمر من خلال جسمي بالكامل وكأنني سقطت فجأة من فوق طائرة وقبل أن أتدارك نفسي شعرت بماء بارد بل مثلج يتلقفني ووجدت نفسي أحاول أن ارفع نفسي من الغرق ما أن وصلت إلى السطح حتى رأيت انكسار الضوء على جدار جليدياً فوقي لقد كنت وبلا شك بدخل بحيرة متجمدة . ضربت بيدي سطح الجليد فأنتشر بها ألم لا يحتمل!، شككت بأنني كسرت شيء في يدي، لكن رغم ذلك كانت الضربة بلا أي فائدة، كما أن هناك ألم آخر بسبب البرودة القاسية ينهش جسدي بالكامل. حاولت مراراً وتكراراً حتى أنني رفعت رأسي محاولة استنشاق قليلاً من الهواء لكن لم يكن هناك فاصل بين الجليد والماء، رأيت شيء صغير يمر فوق الجليد ثم توقف فوقي قدم شخص في نفس المكان الذي كنت ألكم يدي به، يدي التي تخدرت. سمعت غمغمة من حديثه لكنه وصل لي مشوشاً وغير واضح، أخبرني حدسي أنه يرغب مني الابتعاد، فابتعدت بما تبقى لي من قوة. طرقة طرقتين .. يبدو أنه يضرب الجليد بمطرقة من حديد مرة بعد مرة حتى كسر، لكنني لم أعد اقوى على رفع نفسي سكنت في وسط الماء البارد وكأنني تجمدت لثانية.. هل هكذا كان يشعر (جاك من تايتنك يا ترى) ، كانت عيني تغمض ببطء وقبل أن أفقد وعيي بالكامل شعرت بشيء يسحبني بعيداً للأعلى. صوت أقدام ترتطم فوق خشب قديم محدث صريراً عالاً، فتحت عيني أخيراً وبدأ الضوء يخبت شيء فشيء حتى اتضحت الصورة وصداع يذهب بي يميناً ويساراً. منظر من جدران خشبية مهترئة وشبكة عنكبوت كبيرة في السقف،يبدو انه هذه العنكبوت عاشت حياة رغيدة. تسللت رائحة شهية في الأجواء فتوقفت عن الأهتمام بالشبكة، جلست فوق السرير الذي اصدر أصوات مدوية معلناً لأي من كان في هذا المكان أنني استيقظت، تذكرت للتو أنني كنت في غرفتي بثوبي التي تملأه الثقوب، أخذت أقرص نفسي كي أستوعب ما حدث ! ، هل جننت فعلا ؟ هل جسدي مرمي في مصحة المجانين بينما عقلي يحبسني في عالم آخر؟، ماذا حدث؟. اذكر انني رأيت شيلد و قال شيء ما عن العودة وشيد !، صرخت فجأة: - شيد ! . سمعت طرقات أقدام تمشي بسرعة باتجاهي فتراجعت بسرعة لأسند رأسي بالسرير قلبي يكاد ينفجر وعيني تترقب بخوف متجهزة تماماً للصراخ والركل، ظهر رجل كبير في السن بابتسامة متجعدة: - ها قد استيقظت أخيراً، سعيد لأنك بخير يا طفلة. طفلة قوست حاجباي لكنني في السادسة والعشرون!، عما يتحدث هذا العجوز ؟! ، رفعت يدي لأرها فاذا هي أصغر مما كانت عليه تحسست جسدي بسرعة إلا أن كل شيء تغير بي صغر جسدي وحتى ثدياي! ماذا يعني هذا !، قال الرجل وهو يرى حالتي المرتعدة: - أه لا تخافي يا صغيرة لست أنا من بدل ملابسك أنها جارتنا شخص ذميم حقاً، لكنها لأول مرة تصنع معروف لأحد. قلت متجاهلة وصفه لجارته: - أين أنا؟. - في قرية الصفراء ، أعذريني لكن لا أظن أنني رأيتك هنا من قبل أبنة من أنت؟. أنا .. لا يمكنني أخباره، لحظة واحدة إن هذا مجرد خيال، لكن إن كنت ظهرت في هذا المكان فجأة إذاً لا أبوين لي هنا .. أنا لست حتى في جسدي على ما أظن، أجبت: - لا أعلم. قوس الرجل العجوز حاجبيه وقال: - يبدو أن سقوطك في البركة أثر عليك .. على إي حال لنأكل الطعام قبل أن يبرد وأعذريني يا صغيرة أنا لا أملك الكثير لذى سنتقاسم حساء الفاصولياء والخبز. كان عجوز طاعناً في السن، تزاحمت التجاعيد حول وجهه وفاقد لعدد كبير من أسنانه ويملك انحناء بارز على ظهره إلا أن هناك شيء مريح في ملامحه شجعني على الخروج من فوق السرير لتناول الطعام معه. كوخ مكون من حمام وغرفة ومطبخ صغير كانت غرفته بالكاد تتسع للسرير، رأيت المرجل فوق النار تتراقص فوقه الأبخرة. جلست على الأرض فلم تكن هناك طاولة في هذا البيت أو كراسي. مد العجوز لي طبق ساخن من الحساء وكسرة من الخبز قائلاً: - كلي جيداً. كانت ابتسامته حانية كابتسامة أبي، تذكرت أن ربما جسدي الحقيقي ملقي في وسط الغرفة وربما والداي قلقان جداً علي، تمنيت أن ينتهي هذا الكابوس بسرعة، وشرعت في التهام كل ما في الوعاء. قال لي ذلك العجوز : - إذا ما اسمك يا صغيرة؟. احترت ماذا أطلق على نفسي هل يا ترى ابحث عن اسم غامض أو شيء ساحر، لم يكن هناك وقت للبحث لذا أجبت مستسلمة: - سدرا. - يا له من أسم غريب ماذا يعني ؟. - آه أنه اسم شجرة في بلاد بعيدة قال لي أبي عنها، فقد كان والدي رحالة. - هذا رائع لقد تذكرتِ والداكِ ؟. عضتت شفتي يبدو أنني لم أفكر جيداً حول الكذبة التي قلتها ولا يمكنني التراجع الآن فأكملت. - نعم لقد توفيا قبل سنتين. - يؤسفني سماع ذلك، إذا أين كنت تعيشين ؟. - أتسول.. يا إلاهي ما الذي تفوهت لم قلت ذلك لما لم آخذ وقت لأفكر؟!، حاولت كبح الاضطراب، لكن ذلك الرجل العجوز قال: - لا أظن أن هذا سيفيدك هنا في القرية، ليس هناك شخصٌ واحد يملك ما يكفيه ليعطيه لغيره. كنت أمضغ الخبز حين قال ذلك، شعرت بأن كل شيء أقوله الآن يصب بعيداً عن مصلحتي !، فغصت قطعة الخبز في حلقي ليأتي العجوز لي بكوب ماء، شربته بسرعة محاولة أن أنقذ نفسي من الاختناق . - على مهلك يا صغيرة. - أعتذر. أخذ ينظر لي بحزن ثم قال: - ليت بامكاني مساعدتك فلا أعتقد أنك ستكونين بخير هنا، ما زلت طفلة كما أنك تملكين وجه جميلاً أرى أن هذا الوجه يملك مستقبلاً مشرقاً.. تنهد وهز رأسه بقلة حيلة: - هنا الفتيات يتم اخفاءهن عن الاعين دائماً فهناك قطاع طرق ولصوص يمرون من هذا الطريق الوعر كي يصلوا للعاصمة شيد وغالباً يتم التعرض لهن ولسوء الحظ يتم اغتصاب بعضهن ولا يفعل أي من الحراس شيء. شعرت بالغضب والقرف في آن واحد وسألت: - لما ؟. لا اذكر شيء من هذا القبيل في القصة، ما الذي يتحدث عنه هذا العجوز، لكنه أجاب: - أنها قرية الصفراء، فكل من ترينه هنا أرتكب جرماً ما وينتهي بهم جميعاً يعيشون في هذه القرى بسبب الورقة الصفراء التي تعطى للمدانين، لا يحصلون على أعمال وأن تحصلوا عليها فلا يعطيهم أرباب الأعمال ما يكفي لسد حاجاتهم، قرية قد نسيت من قبل الحاكم لتترك للزمن. قال بحزن ثم أضاف : - لكن يمكنني أن أوصلك إلى شيد، لا أملك المال الكافي لنذهب كلينا بالطبع ولا أظن أنك قادرة على الوصول إلى شيد بهذه الحالة خصوصاً أنك ما زلت طفلة. - لما تساعدني وأنت لا تعرفني يا سيد.. - ناديني لايت، لقد كانت لدي أبنة في نفس سنك كانت فتاة يافعة وجميلة وددت لو أن بالإمكان أن أقدم العالم لها لكن شاء القدر فقد كانت له خطة أخرى. توقفت عن الأكل حيث شعر بالحزن عليه: - آسفة. فهز السيد لايت يده في الهواء نافياً: - لقد مرت سنوات على ذلك، سأضعك في ملجأ للأطفال هناك فهم يملكون أكثر مما قد أقدمه لك. - شكراً سيد لايت، لكن كيف سننتقل أن كنت لا تملك مالاً كافياً لكلانا ؟. - سأحملك فوق ظهري وكأنني أحمل قطع الفحم. هززت رأسي بشدة: - قطعاً لا!. بالطبع لن أقبل كيف سأقبل بشيء كهذا. لكنه ابتسم واصر: - لا تقلقي أنا أحمل أطنان من الفحم والحطب لن تكونِ أثقل من ذلك، العربة تتحرك بعد يومين لذا أتمنى أن تتحملي البقاء هنا . أخذت أفكر لثانية عن موقع القرية الصفراء من الخريطة التي رسمتها للقصة، فسألت: - أنحن في جنوب ولاية سوارس ؟. - لا بل نحن في شمال الولاية. شمال أهذا يعني أننا على قرب من موقع الحدث الأساس حين يأخذ شيلد خنجر مورقم المدفون في مقبرة العمالقة. - أتقع مقبرة العمالقة هنا ؟. أوماء وقال مبتسماً : - لابد أن والدك كان رحالة لتعلمِ حول هذه المقبرة في هذا السن . - أيمكن أن أراها. - بطبع فهي اجمل حين يحل الشتاء، لكن اليوم تحتاجين للراحة. عدت لأكل كسر الخبز بحماس!، لا أصدق بأنني سأرى المقبرة التي كتبت تفاصيلها .. سأرها بعيناي!، لابد وأنها أكثر هيبة مما وصفت .. أن كان عقلي الباطن يحاصرني لتغيير مجرى الأحداث فغداً سيبدأ الأمر. - END نهاية الفصل الثاني أتمنى حبيتم كيف شايفين مجرى الأحداث وين بنصول؟ هل حد عنده أي فكرة عن المقبرة
1 مشاهدة · هل استمتعت بالسلسلة؟ اشترك وادعم مبدعها!
كن أول من يعلق!