

في منزلٍ قديمٍ في قرية صغيرة، تنير النجوم لياليها، ولدت طفلةٌ جميلةٌ بشعرٍ أشقر لامع وعيون زرقاء ببشرة بيضاء أسموها رؤى. كبرت رؤى وهي تستمع للخرفات والقصص الخياليّة من جدّتها. أحد تلك القصص، الّتي أعجبت بها رؤى، كانت قصّة الوردة السحريّة. الوردة السحريّة هي وردة جميلة، لا يمكنك تمييزها عن باقي الورود ولكنّها تملك قدرة سحريّة حيث بإمكانها تحقيق الأمنيات. لا تظهر تلك الوردة إلا أمام من امتلك قلبََا طيبََا وعطوفََا، وتختبئ أمام من غطى قلبه بالشرّ والحقد. في أحد أيّام الرّبيع، خرجت رؤى، وهي بسنّ السّابعة، إلى الحديقة المجاورة لمنزلها، وجلست تحت أحد الأشجار وهي تقرأ كتابها. وبينما هي كذلك، سمعت صوت طفلٍ يبكي قادم من الغابة. خافت رؤى قليلََا ولكنها قررت إتباع مصدر الصوت. هناك كان صبيََّا، لا يتعدى سنّ الثّالثة، على وشك السّقوط داخل وادٍ عميقٍ. حاولت رؤى مساعدته، فمسكت بيدٍ غصن شجرة والأخرى مدّتها للصبيٌ. عندما أصبح الصبيّ في أمان، كُسِرَ الغصن ممّا أدّى لسقوط رؤى في الوادي. فتحت رؤى عينيها بصعوبة، وكان رأسها يؤلمها كثيرََا. عندما وضعت يدها على رأسها شعرت بنزيف، شعرت حينها بذعر خصيصََا بعد أن رأت دمََا كثيفََا على كفّ يدها. عندما حاولت رؤى النّهوض، وقعت عينيّها على أغرب ما رأته في حياتها. في قاع الوادي، بين الصّخور الصلبة، وجدت رؤى وردة زرقاء جميلة. "ماذا تفعل هذه الوردة في منطقة لا ماء فيه!؟" قالت رؤى باستغراب. "أوتش!رأسي يؤلمني كثيرََا!" وضعت رؤى أحد يديها على الوردة، فتذكرت قصّة الوردة السحريّة."لو كانت هي حقََا، فإذا بإمكانها شفاء رأسي!" أغمضت رؤى عينيّها وتمتمت:"أتمنى أن يشفى رأسي." ثم ضحكت على نفسها قائلة:"يا لي من غبيّة! إنها مجرد قصص لا أساس لها." ثم فتحت عينيها على مصرعيها من الدهشة ووضعت يدها على رأسها. "لقد..لقد..توقف الألم!" عندما نظرت ليدها، لم يتواجد أي دم. وقفت على قدميها ونظرت حولها، وكأنها لم تسقط من أعلى الوادي. نظرت رؤى نحو الوردة وجلست أمامها وهي في صدمة كبيرة. "هذا يعني...إنها حقََا الوردة السحريّة!نعم إنها هي!" حملت الوردة بين يديها وحاولت إعادة الكرّة مجددََا:"أتمنى أن أعود إلى منزلي." وما هي إلا دقائق حتّى وجدت رؤى نفسها أمام المنزل. كانت رؤى في قمّة السّعادة، فذهبت لجدّتها وأخبرتها بكل ما جرى وأرتها الوردة. كانت الجدّة متفاجئة ممّا سمعته من حفيدتها لكنّها ربتت على رأسها وقالت بابتسامة جميلة:"أنت فتاة طيبة وحنونة،لذلك ظهرت لك الوردة يا صغيرتي." كانت رؤى سعيدة بكلام جدتها، فقررت الإعتناء بالوردة. في اليوم التّالي، نهضت رؤى مسرعة واستعدت للذهاب إلى المدرسة، وحملت معها الوردة في جرّة. في المدرسة، وضعت رؤى الوردة على النافذة بجانب مقعدها وجلست وهي تنظر نحوها. دخل الأستاذ وقال بأنه يوجد إمتحان مفاحئ لما درسوه أمس الآن. كانت رؤى خائقة فهي لم تدرس ولم تكن مستعدة. ثم نظرت نحو الوردة وقالت بابتسامة صغيرة:"أتمنى أن ينسى الأستاذ أمر الإمتحان." وهذا ما حصل إنتهت الحصة والأستاذ قد نسي القيام بالامتحان. في نهاية الحصّة، كانت رؤى سعيدة جدا لتجنبها للإمتحان عندما أتت صديقتها سلوى تحدثها. "أرأيت ماذا حصل؟! لقد نَسِيَ الأستاذ تماما أمر الإمتحان! هذا جيد،فأنا لم أراجع جيدََا أمس." رؤى وهي تضحك بهدوء:أجل وأنا كذلك. استغربت سلوى وسألت رؤى عن سبب ضحكها، لكن رؤى قالت بأنه سرّ فهي لا تريد من أحد معرفة ما حصلت عليه أمس. في وقت الاستراحة، كانت رؤى قد نسيت إحضار وجبة غدائها ولم ترد مشاركة الطعام مع صديقتها سلوى التي كانت عبارة عن خبز وجبنة، أرادت شيئا "فاخرََا" أكثر. لذا تمنت أن تحصل على وجبة غداء لذيذة ومميزة وكان لها ما تمنت. مع مرور الأيّام، أصبحت رؤى تتمنى أشياء كثيرة وعديدة، وأحيانََا أنانيّة، كحصولها على درّاجة ابن عمّها، أو إلغاء الإمتحانات والفروض، أو حصولها على كل ما هو غالٍ ويصعب على طفلةٍ في مستواها الاجتماعيّ الحصول عليه. لم تعد رؤى تلك الفتاة المجتهدة والتي تحب القيام بالأشياء بطريقتها، بل أصبحت فتاة كسولة تعتمد على طلب الأمنيات وخصيصََا تلك الأنانيّة منها. لاحظت الجدّة تغير أفعال حفيدتها، فقررت الحديث معها بأسرع وقتٍ ممكن. "رؤى، صغيرتي، أخبريني متّى كانت آخر مرة قمت بشيء بنفسك من دون طلب أمنية؟" رؤى:"ولِمَ عليّ أن أتعب في حين بإمكاني الحصول على ما أريده من دون أيّ جهد، يا جدّتي؟" الجدّة:"حفيدتي رؤى، عليك أن تعملي بجهدك، في النّهاية تلك الأمنيات لن تدوم ويومََا ما ستندمين على ذلك." رؤى:"لا تقلقي يا جدّتي، أنا حذرة." الجدّة:"حسنََا، أريدك أن تساعدي والدك في الحقل من دون-" رؤى:"لِمَ لا نتمنى أن نصبح أغنياء؟ هكذا لن يتعب والدي كل يوم في الحقل وسنحصل على كل ما نريده!" الجدّة بصراخ:"رؤى! من دون أيّ أمنيات!" رؤى بغضب:"لماذا تصرخين عليّ؟ ما الخطأ الّذي اقترفته؟!" الجدّة وهي تحاول أن تهدئ الوضع: "ستصبحين فتاة كسولة إذا بقيتي تعتمدين على الأمنيات يا رؤى." رؤى بغضب:"لا! أنت تغارين مني لأنّ الوردة اختارتني!" الجدّة بصدمة:"رؤى...." رؤى:لا، لا أريد سماع أيّ شيءٍ منك. أتمنى لو تموتي!" وضعت رؤى يديها على فمها، بينما رأت جدّتها وهي تسقط عل الأرض وقد توقفت عن التنفس."لا، لا جدّتي، لا..لا تموتي..أسحب أمنيتي أرجوك لا تتركيني" بدأت رؤى بالصراخ والدّموع يملئ عينيها،"جدّتي!" فتحت رؤى عينيها بعد أن نهضت من سريرها والدّموع تنهمر بشدّة وهي تنادي جدّتها. كان ذلك عندما أدركت أن كل ذلك كان مجرّد حلم. أتت الجدّة بعد أن سمعت صراخ رؤى وعانقت حفيدتها التي بادلتها العناق وهي تقول:"أعدك سأجتهد دوما وأعتمد على نفسي ولكن لا تتركيني!" لاحقََا في ذلك اليوم، وبينما كانت رؤى تقرأ كتابها تحت الشّجرة، سمعت صوت طفلٍ قادمٍ من الغابة. إتبعت الصّوت لتصل إلى وادٍ عميقٍ وصبيٍّ، لا يتعدى سنّ الثّالثة، على وشك السّقوط. مسكت رؤى بأحد الأغصان ومدّت الأخرى للصبيّ. وعندما أصبح في برّ الأمان، كُسِرَ الغصن فوقعت رؤى من أعلى الوادي. عندما فتحت عينيها، رأت وردة جميلة بقربها، فجلست تنظر إليها بصدمة وهدوء.