

الفصل الثاني انتفض يحيى بشهيق حاد جدا وكأنه قد تم اخراجه من الماء بعد الغرق....قفز من الاريكة بجسد يرتجف بعنف....والعرق البارد يغمر جبهته ويتسلل تحت قميصه.... امسك نظارته التي كانت على الطاولة وجات عيناه السوداوان المجهدتان في ارجاء الشقة... صوء الصباح الخفيف يدخل من النافذة و الهدوء يحتضن المكان ... رفع يديه امام وجهه بسرعة محدقا في اصابعه وباطن يديه التي كانتا نظيفتان تماما ولا يوجد بهما اي اثر للدماء، ثم تفحص قميصه البني الذي ايضا كان بلا بقع حمراء ولا رائحة نحاسية خانقة تنبعث منه... كل شيء في الصالة كان بثل ما تركه بالامس... تداعت الافكار في راسه كعاصفة هائجة _كابوس! ... كان مجرد كابوس! لست قاتل! لم اقتل الاستاذ توفيق اطلاقا!...عقلي عقلي فقط من نسج كل هذا بسبب كل الهراء الذي حصل مؤخرا! يستحيل ان يكون ما حصل حقيقي! لكن على الرغم من هذا اليقين الظاهري ، كان انطباع الملمس اللزج ورائحة الدم ونبرة صوت تلك الفتاة ذات الشعر الفضي حي في حواسه لدرجة تجعل ما يفصل بين الحقيقة والوهم خيطا واهيا يوشك ان يقطع. كان طارق واقف بجانب الاريكة مصدوم من تصرفات يحيى الغريبة فهو لم يلحظه اطلاقا مع انه هو من جاء وايقظه من نومه ، لذلك اقترب منه وضرب كتفه بقوة وفي عينه دهشة وشفقة على حال يحيى _يحيى! مابك! كنت ترتجف كسمكة خارج الماء وانت نائم! كنت احاول ايقاظك لكنك بصعوبة استيقظت والان تتصرف بغرابة! عدل يحيى نظارته بيده المرتجفة، ونظر الى طارق بنظرة جاحظة وكانه يرى شبحا _طارق؟!...انت؟...منذ متى دخلت؟... الشقة! الشقة نظيفة اليس كذلك؟؟!!!...لم يدخل احد هنا صحيح؟! رفع عادل حاجبيه بستغراب شديد وتراجع خطوة للخلف _نظيفة؟ ...انها قمامة كالعادة!... مابك؟؟؟ منذ متى تهتم بنظافة الشقة انا من ينظفها لك في العادة! ولماذا وجهك شاحب هكذا ومغطى بالعرق وكانك عائد من سباق جري؟ هل حلمت بكابوس ام ماذا؟ مسح يحيى وجهه بكفيه محاولا لم شتات نفسه والتظاهر بالثبات _اه.. لا ..لا شيء... اظنه كان مجرد كابوس بشع ...انت...مالذي جاء بك في هذا الوقت؟ استرخت ملامح طارق وجلس في كرسي قريب _جئت لأخذك معي... اختي مريم لقد علمت انك تحسنك وعثرت على عمل لذلك ظلت تزعجني بانها ترغب برؤيتك بشدة لانها مشتاقة لك كثيرا... انت تعلم جيدا كم هي حقا تشعر بالوحدة هناك لذا قدومك سيسعدها ثم وقف ونظر اليه بنظرة توسل _يحيى ... لو سمحت ...لاجلي ولاجل اختي عليك حقا ان تاتي ...لكن عل الاقل ...قبل ان نخرج قم بحلق لحيتك الفوضوية هذه...لانه بتاكيد لو رات مريم هذا المنظر ستشعر بالفزع عليك كثيرا.... بتاكيد لا اريد ان اسبب لها اي قلق ... لذا موافق؟؟ _تسمر يحيى في مكانه وهو ينظر الى طارق ... كان يفضل البقاء خلف تلك اللحية كدرع يخفي ملامح انكساره عن العالم ...لكن اسم مريم يمنعه من الرفض...لذا اومئ براسه وتوجه نحو الحمام ليجهز نفسه. وقف امام المراة وامسك شفرة الحلاقة بيد ترتجف من الامل والخوف معا...وهو يمرر الشفرة الحادة على جلده الخشن ويشاهد معجون الحلاقة الابيض يتلطخ بالماء فيتملكه هاجس مرعب ... ماذا لو انزلقت يده؟ ماذا لو تناثرت قطرات الدم على الحوض؟... القشعريرة تسري في جسده هو يتذكر ملمس الدم اللزج في كابوس البارحة...وفي ثوان يخيل له ان الماء الخارج من الصنبور اصبح باللون الاحمر.. يغمض عينه بقوة ويتنفس بصعوبة ثم يواصل الحلاقة بسرعة لينهي الامر ثم يخرج ويمسح وجهه بالمنشفة ويرتدي ملابسه ثم يعود وينظر الى المراة...لقد اختفت تلك اللحية ليظهر وجه شاحب بعينين غائرتين تحيط بهما هالات سوداء... لقد عاد جزء من مظهره القديم لكن بلا روح ...ثم خرج متجها الى طارق وهو يتكلم بنبرة خافتة _الان جيد؟....لنذهب.. خرج كلاهما من الشقة نحو الممر متوجهين الى المصعد ... وعندما وصلو انزاحت شبكة المصعد الحديدية ليقف كل من يحيى وطارق وجها لوجه مع ليال التي كانت بداخله هابطة من الطابق الرابع... دخل كلاهما المصعد وحينها تجمدت الدماء في عروق يحيى وشعر بالانكشاف امام اعين ليال ...تضاربت الافكار في عقله بعنف ... بشرة بيضاء ناصعة، ملامح متناسقة شديدة الجمال، وهدوء ثلجي... كل تفصيلة فيها كانت مطابقة بدقة لوجه الفتاة التي كانت تلتهم جاره في كابوس امس. لكن الفارق الوحيد كان شعرها؛ حيث ان شعرها هنا حالك السواد كظلام الليالي بينما في الحلم كان فضيا كضوء القمر المشع... قبض يحيى يديه داخل جيب سترته حتى ابيضت مفاصله لكي يخفي ارتجافهما العنيف ... كان صدره يعلو ويهبط وعقله يصرخ من الدخل _اهدأ اهدأ ... هذا محض جنون! ..ماذا حل بي لمجرد كابوس لعين!! كانت مجرد اضغاث احلام! انها مجرد جارة جديدة لا اكثر! ظهرت في كابوسي بسبب وجهها الملفت ما من سبب اخر... لا تتصرف كالمجانين! رغم كل محاولاته للتماسك لم يستطع منع نظرة الفزع الحادة التي اطلت من خلف زجاج نظارته... اومأت ليال براسها اماءة خفيفة واتسمت على شفتيها ابتسامة لطيفة ببرود وكانها حقا تقرا الرعب الذي يعصف بداخله... استمرت اللحظات داخل المصعد الهابط كدهور الى ان وصل الى الطابق الارضي ليخرج كل منهم الى سبيله... وبعد ساعة من المشي تقريبا وصل كل من طارق ويحي الى المستشفى وتوجهو فورا نحو تلك الغرفة البيضاء ذات رائحة المعقم الفواحة... حيث كانت مريم ذات البشرة البيضاء الشاحبة والعيون العسلية المرهقة و الشعر الناعم الجاف الطويل ينسدل على كتفيها النحيلان كانت متكئة على وسائد السرير جالسة بتعب ...وبمجرد دخول اخوها الصغير ويحيى اضاء وجهها الشاحب فورا وابتسمت بلطف وهي تنظر الى يحي _يحيى و اخيرا ظهرت!... انت لا تعلم حقا كم قلقت عليك طوال فترة اختفائك...حقا تسعدني رؤيتك مجددا اخيرا! جلس يحى على الكرسي المجاور لفراشها ولاول مرة منذ اسابيع تسلل دفئ حقيقي الى ملامحه المجهدة...ان سر تمسك طارق القوي به لم يكن مجرد شهامة فقط... بل دين قديم ومحبة ... لان اصحاب الفضل بعد رحيلهم بقي اثرهم حي واصحاب الفضل هؤلاء هم والدا يحيى اللذلك كفلا هذان الاخوان في صغرهما بعد وفاة والديهما ...وسانداهما في كل شيء بكل سخاء...لذلك طارق كان يرى في حماية يحيى رد دين للاشخاص الذين احسنوا عليه يوما...بدات مريم تتذكر ايام الطفولة الجميلة بنبرة حنونة _هل تتذكر يا يحيى عندما كنت تحضر الحلوى التي كانت العمة تخباها بينما كنا جميعا نلعب في الصالة؟ او عندما كانت العمة تصنع لنا حليب بالزعفران في الايام الخريفية الجميلة مثل هذه؟ حقا اتمنى ان اعود بزمن الى تلك-.... ارتبك طارق وقاطعها بسرعة بنبرة مليئة بالحذر والحنية _مريم لا داعي لتذكر كل هذا الان ...ايضا يحيى متعب قليلا لذا ...تعلمين لا داعي لفتح مواضيع كهذه.. لكن يحيى وضع يده على ذراع طارق و ابتسم بأسى خفيف _اتركها يا طارق... لا باس ...هذه الايام... حقا كانت الوحيدة التي كل شيء فيها كان واضح ونظيف ... لا يوجد حقد او حسد او غدر او اي شيء...كانت الحياة البسيطة جميلة جدا وانا ايضا اتمنى ان تعود تلك الايام مجددا ... مرت ساعتان دافئتان على عير المعتاد...تلاشت فيهما قسوة الايام بين ابتسامات مريم ورسائل املها البسيطة...و قبل ان يهما بالخروج ودع يحيى مريم متمتم بصوت خافت تحمل نبرته شيء من رقته القديمة _اراك لاحقا مريم ... انبهي على نفسك ردت مريم عليه ببتسامة مشرقة _نعم اراك لاحقا! انت ايضا انتبه على نفسك.. بعدها خرجوا من المستشفى وتولى طارق ايصاله الى المكتبة... مرت ساعات العمل الجافة المملة بكل رتابة وانغمس يحيى في عمله دون اي حدث مميز يذكر مستغلا انشغاله بالعمل كعازل يمنع عقله من شق طريق الكوابيس مجددا... ومع غياب الشمس عاد يحيى الى البناية...كانت الظلمة تحتضن كل شيء ..لكنه فور ان وطئت قدمه البلاط الرخامي البارد عند الدرج لمح حركة غير عادية... تقاطعت انظاره مع الطارق الذي كان واقف قرب المصعد يتحدث مع امراة يظهر على وجهها اضطراب واضح كانت هذه المراة هي زوجة الاستاذ توفيق هو نفس الشخص الذي كان مقتولا في الكابوس! تسمر يحيى في مكانه كأنما صعق بكهرباء وتجمدت الدماء في عروقه وانقبض صدره و اعتصر برعب هائل وجارف ... تدفقت مشاهد كابوس البارحة في راسه كمياه فيضان جارفة... اشتعلت بداخل عينيه صورة الجثة الممزقة ببشاعة يعجز اللسان عن وصفها وتذكر مدى لزوجة الدم الذي كان يغلف يديه و نبرة صوت الفتاة الساخرة وهي تشكره على القربان الذي لا يدري عنه شيئا...تضارب الافكار في ذهنه وتصارعت بنوع من الشك و الانكار المستميت _هل يعقل؟ هل حقا توفيق قد مات بالفعل؟ هل كنت انا؟ ..لا! ...مستحيل هذا غباء!...قميصي كان نظيفا هذا الصباح!... ويداي! كلتاهما نظيفتان...لو كان ذلك حقيقي ما كانت تلك الدماء ستزول من ملابسي!...ربما هي تسأل عن شيء اخر...نعم...ربما تحتاج شيء او ان توفيق تأخر في عمله او ما شابه... كل ما رايته سابقا كان كابوس لعين لا اكثر! ثم فجاة قطع حبل افكاره المتصاعدة بصوت طارق وهو يلتفت ويناديه بنبرة قلقة _يحيى!...من الجيد انك وصلت تعال يا رجل! تحرك يحيى نحوهما بخطوات ثقيلة جافة حاملا جسده بكبرياء مزيف داخله مليء بالذعر المكتوم... فقتربت منه زوجة توفيق عائشة كانت مجرد مراة في الاربعينت من عمرها ذات ملامح عادية لطيفة وكانت عيناها محمرتان تفيضان بالخوف والقلق وقالت بصوت يرتجف: _استاذ يحيى ...اعتذر على ازعاجك لكن اريد ان اسالك عن توفيق...هل صادف لك ان رايته في طريقك او ما شابه؟منذ الليل لم يعد بعد ان خرج ولا يرد على هاتفه و قد سالت جميع اصحابه وقالوا انهم لم يروه اطلاقا! اجتاحت يحيى موجة شلل كاسحة...اختفت كل الاصوات من حوله وتحول كلامزوجة توفيق الى طنين مبهم ينبض في راسه...سرت في عروقه قشعريرة بردة بشدة كالثلج...وعقله يغلي في دواخله بعاصفة جنونية من الاسالة _اختفى؟ ما معنى هذا؟!... وفي نفس الليلة!...مستحيل ذلك مجرد كابوس ...مجرد مصافة!... يحيى انها مجرد مصادفة اهدا! لم يحدث شيء! لا تقل اي شيء غبي! لم يكن يستطيع قول شيء او حتى قول كل ما راه فمن سيصدق انه كان هناك فتاة تاكل من جثة جاره في مكان فارغ...الافصاح عن هذه الرؤية يعني اما انه سيعترف انه مجنون بحاجة الى مصحة او اسفاح يعترف بجريمته...وتحت كل هذا الضغط الهائل انتابته رغبة دفاعية عدوانية في الهرب لابعاد اي شبه او شك عن نفسه باي طريقة...نظر الى زوجة توفيق ببرود حاد وقاس متلبسا بوقاحة ليخفي كمية هلعه و ارتجاف يديه _وما شأني انا؟ لا اعرف عنه شيء ولم اره حتى... لست متفرغ لمراقبة زوجك نيابة عنك شهقت المراة بذهول من شدة قسوة نبرة رده و خلوها من اي انسانية... وقبل ان تنطق باي كلمة استدار يحيى بكل جفاء واندفع نحو المصعد ودخل وضغط الزر بقوة لغلق الشبكة الحيدية التي بينه وبينهم ...وقف طارق مصدوم ومحرجا للغاية بسبب تصرف يحيى الوقح والتفت سريعا الى زوجة توفيق وحاول الاعتذار منها لكي لا تاخذ فكرة سيئة عن يحيى بما انه اساسا مرهق وليس بحالة جيدة اطلاقا.... وعندما وصل يحيى الى الطابق الثالث ودخل الى شقته اغلق الباب فورا واتكا عليه لثوان محاولا التقاط انفاسه المتسارعة ... لم يكد يخطو خطواته الاولى حتى سمع همس عذبا مجددا في اذنيه ووجد نفسه مجددا في مكان اخر فارغ ونظر امامه وراى تلك الفتاةذات الجمال الفاتن لا بل اصبحت اشد جمال من السابق ... اقتربت منه بكل رقة وهمست في اذنه كالنسيم _اشتقت لك كثيرا يا عزيزي يحيى ...الم تشتق لي ايضا؟ الم تشعر طوال اليوم بضيق بسبب غيابي عنك؟ انقبض وجهه بشمئزاز شديد وصاح فيها بصوت مبحوح متعب يحاول الخروج ممن اسر الشلل _لقد سئمت منك! من انت! تلكلمي! ماذا تريدين مني! ابتسمت ابتسامة هادئة اظهرت اسنانها البيضاء الناصعة _هممم...الناس عادة ينادوني بالنداهة تصلب جسده وتدفق الرعب في عروقه وهو ينظر اليها وسالها بنبرة مضطربة _ها؟ ما معنى هذا؟ مهلا...هل انت هي نفسها ليال؟! مالت براسها قليل و ارتسمت على شفتيها ابتسامة مطمئنة وساخرة وهي تجيب عليه _اه...نعم ان كنت تريد ذلك اشتعل راسه من الغضب بسبب جوابها المبهم و اراد ان يصرخ في وجهها مستفسرا بماذا تعني بكلامها لكن الظلام انسدل عليه فجاة ...ثم استعاد وعيه على شعور بات يعرفه ذلك الشعور اللزج ورئحة الدماء الخانقة ...وجد نفسه يتمرغ في بقعة من الدماء الدافئة فرفع راسه برعب ليرى النداهة تجلس بجانبه امام جثتين ممزقتين لرجلين يعشان في نفس الشارع ويعرفهما ...كانا يمتلكان نفس مواصفات الرجل السابق كلاهما ناجح في عمله ومتزوج ويعيش افضل حياة...نفس الحياة التي كان يحيى يرغب بعيشها...التفتت اليه وهي تنظر اليه بمتنان مفزع وقالت بصوت عالي _شكرا لك حقا يا عزيزي كنت اعلم جيدا كم انت تعشقني لكن لم اتوقع ان تحضر لي كل هذا فقط لترى ابتسامتي ... انا حقا سعيدة انك تفعل الشيء الذي تحب فعله وفي نفس الوقت تفعله لاجلي ولاجلك تجمد يحيى من شدة الرعب كانت اطرافه تتاكل من شدة العجز والهلع وهو ينظر الى يديه الملطختين بدماء متسائلا هل هو حقا من فعل كل هذا .... وقبل ان ينطق باي كلمة انقشع الحلم بالكامل على صوت طرقات عنيفة على الباب...انتفض يحيى مذعورا والعرق البارد يغمر وجهه..لم يكن مستلقي على الاريكة بل كان مرمي على الارض خلف عتبة الباب ...اتسعت حدقتا عيناه بذهول قاتل هل فقد الوعي بالامس هنا؟ تكرر طرق الباب بقوة اكبر فقام يحيى وهو يرتجف ومسح وجهه بيديه وفتح الباب و انصدم برؤية الشرطة امام بابه... .... يتبع
16 مشاهدة · هل استمتعت بالسلسلة؟ اشترك وادعم مبدعها!
كن أول من يعلق!