

الفصل الثالث وقف المقدم هشام والنقيب نوح عند عتبة البوابة ... كان المقدم يبدو كشاب قصير ونحيل بشعر بني محمر في منتصف العشرينات مع ان عمره بالفعل في الثلاثينات وينظر الى يحيى بعيناه السوداوتان المحاطة بالهالات نتيجة العمل الجاد ..كان مظهره عكس مظهر النقيب نوح صاحب الجسد القوي و الطويل ويبدو عليه انه بنفس سن يحيى لكن نظرات عيون نوح الزرقاء كانت بها شي من البرود واللا مبلاة ... بينما كان المقدم يبرز هويته االرسمية لمعاينة المكان ظهر طارق مندفع نحوهما بكل قلق _يا رفاق اخبرتكم هو لم يفعل اي شيء ... حالته اساسا يرثى لها مالذي قد يفعله شخص منهك مثله؟! نظر المقدم هشام الى طارق بنظرة هادئة صارمة _نحن فقط نريد ان نساله اسالة بسيطة يا استاذ طارق... لن نقوم بعض راسه لذا توقف عن قول الهراء الغير مهم ...ويمكنك البقاء بشرط ان لا تسبب الازعاج جلس الجميع في صالة الشقة المظلمة ... ساد الصمت لثوان قليلة... قبل ان يفتح النقيب نوح دفتره وينظر المقدم هشام في عيني يحيى الغائرتين خلف نظاراته _استاذ يحيى .. ان تفريغ كاميرات المراقبة المحيطة بالمبنى والشارع الخلفي اظهرت ان الاستاذ توفيق قد خرج من العمارة في الساعة الواحدة بعد منتصف الليل وبعد اربع دقائق بضبط انت خرجت من نفس الباب وسلكت نفس الشارع الضيق المؤدي الى ناحية النيل ... تجمدت ملامح يحيى واعتصرت معدته من شدة الصدمة ... هو لم يخرج مطلقا ذلك اليوم ...هو يذكر تماما انه كان مستلقي على الاريكة... فكيف قد ظهر في الكاميرات؟ كيف كان هناك دون ان يعلم؟ اكمل المقدم كلامه دون ان يرمش حتى للاسف قد عثرنا على جثة الاستاذ توفيق في المشتل المهجور قرب الضفة... الجثة كانت ممزقة بشكل بشع وكان قد تم نزع القلب منها ولم نعثر عليه الى الان... لذا هل ربما تعرف شيء مهم؟ ظهرت فورا صور الكابوس الاول في عقله كشريط من الجحيم ... وبدا يتذكر بعض الاشياء لاول مرة...ارض ترابية رطبة اغصان ذابلة كانت تحيط به وسواد الليل الدامس الذي يحيط به وسط المشتل المهجور!... ازدادت ضربات قلبه بجنون وسرت برودةالموت في اطرافه ازدادت فوضى الافكار التي في راسه _انا هل حقا كنت هناك؟ هل انا من فعل هذا حقا؟ لكن هذا مستحيل تماما! كان مذعورا كثيرا فهو اساسا لا يتذكر اطلاقا كيف خرج ولا يذكر كيف تلطخت يداه بذلك الدم ثم عادت ناصعة عند الصباح كأن لم يحصل شيء... صرخ طارق معترض وهو يقف امام الشرطة لحماية يحيى _مستحيل...هذا غير ممكن ... يستحيل ان يخرج يحيى من شقته فانا بصعوبة اخرجه فكيف قد يخرج بمفرده في ذلك الوقت!... ولماذا نبرتك فيها اتهام له و هو لم يفعل شيء ويستحيل ان يفعل ! بتاكيد الكاميرات لم تصور جيدا وظهر شخص يشبهه لا اكثر! لم يستمع يحيى للدفاع ...كان العالم يدور به ورؤيته تتلاشى شيء فشيء ..حاول ان يتكلم وان ينفي لكن حلقه كان جاف تماما...انزلق جسده على الكرسي وهو يتمتم بصوت خافت _...انا..انا لا اذكر كل هذا...لم اخ..لم اخرج...حقا لم افعل... وقبل ان ينهي جملته انحلت اعصابه كليا بسبب هذا الهلع الشديد والضغط وسقط راسه للامام مغشي عليه ليرتمي جسده على الارض...تبادل المقدم هشام والنقيب نوح نظرة حادة...كان هذا السقوط المفاجئ في عين التحقيق اما حيلة لتمثيل دور الضحية والهروب من المواجهة او مؤشرا صارخا على انهيار عصبي لشخص يدمره ذنب مكتوم...انحنى طارق بجنون ليرفع راس يحيى ووقف بجسده حائلا بينه وبين الضباط صارخا بغضب ارأيتم؟ حرفيا لقد ضغطتم عليه رغم انهاكه...هو منذ اشهر لا ياكل جيدا او يشرب سوى المهدئات والادوية ولقيمات طعام صغيرة اجبره عليها...ليس غريب ان ينهار هكذا اطلاقا...اخرجوا فقط واتركوه! اشار المقدم لمساعده بتراجع و قال بتنهد _سنرحل لكن سنعود في وقت لاحق لاستجوابه فهو لا يزال مشتبه به رحل كلاهما و بعد فترة استعاد يحيى وعيه على برودة الماء الذي يسكبه طارق على وجهه...كان عقله يغلي بكمية افكار هائلة بعد كل ما حصل... حاول طارق التخفيف عنه بحرارة قدر ما يستطيع _بتاكيد يوجد خطا...ربما الامر مجرد تشابه اسماء او ان الصورة لم تكن واضحة جيدا ... لذا لا تشغل بالك ابدا كل شيء سيكون بخير لكن صحة يحيى تدهورت بشكل مخيف في الدقائق التي مرت...وجه شاحب كالجص وشفتان متشققتان وعينان غائرتان تحيط بهما هالات سوداء كئيبة ...ورغم محاولات طارق المستميتة لابقائه في الفراش قام يحيى بجسده المرتعش واصر على الخروج الى العمل في المكتبة...كان يحاول ان يفر من جدران شقته الكئيبة هذه...كان يحتاج لاي ضوضاء خارجية تمنع عقله من الغرق في دوامة الافكار هذه...خرج طارق معه خوفا عليه وعندما ضغط زر المصعد وانزاحت الشبكة الحديدية كانت ليال تقف في منتصف المصعد ببشرتها البيضاء التي تشع ببرود وعيناها الزرقاوان تحدقان بسكون...في تلك اللحظة انكسر الخيط الاخير في عقل يحيى المجهد ... الرعب المكتوم الذي كان في التحقيق وكل الاشياء الفضيعةالتي حدثت في كوابيسه تجمعت كلها في نوبة جنون حادة...تراجع يحى للوراء بقوة وارتطم بعنف على الجدار مشيرا اليها باصبعه المرتجف وصرخ بهستيرية هز ارجاء الممر _ابتعدي عني!!! ماذا تريدين!!! اتريكيني!!! ابتعدي ابتعدي!!!!! اتسعت عينا طارق بذهول ورعب من الحال الذي وصل اليه صديقه ...بدا وكانه قد فقد عقله بالكامل...فقبض على كتفي يحيى محاولا تهدئته _يحيى! اهدا ما بك!...انها الانسة ليال الجارة الجديدة! الا ترى؟؟؟ مابك! تراجعت ليال خطوة الى الخلف واضعة يدها على صدرها بعينين زرقاويين تتسعان بذهول وخوف كضحية مفزوعة من شاب اعتاره الجنون فجاة... لم يحتمل يحيى رؤية وجهها اطلاقا ودفع يد طارق بعنف وهوى نحو الدرج مسرعا وكان طارق يلحق به الى ان وصلو الى الطابق الارضيي ووقع بينهما شجار وفي النهاية فعل يحيى ما يريد وخرج وحده متجه الى العمل اما طارق فضطر للعودة والاعتذار عن ما بدر من صديقه المضطرب... وصل يحيى الى المكتبة وجسده يتصبب عرقا باردا وبقي هناك يشغل عقله المضطب بالعمل...الى ان اقتربت فترة غروب الشمس حيث اقتحم الهدوء دخول مجموعة من موظفيه السابقين ..اؤلائك الذين تسببوا في طرده من عمله... وقفوا امامه بوجوه اصطنعت الاسف ..وبداء احدهم بالكلام قائلا: _استاذ يحيى سمعنا انك اصبحت تعمل هنا لذا...لذا جئنا لنعتذر منك على ما بدر منا...حقا ضميرنا يؤنبنا بسبب ما حصل. توقف يحيى عن الحركة واصابه اشمئزاز شديد بسبب اعتذارهم هذا ... هل ظنوا حقا ان كلماتهم هذه ستعيد كرامته المهدورة؟ او ماله الذي خسره او ستعيد له خطيبته التي ترخلت عنه ورحلت؟ ام انهم فقط جاؤا لينظروا كيف اصبح منظر مديرهم السابق بعد كل المصائب التي حلت به؟...راي في عيون احدهم نظرة استعلاء وشماته خلف قناع الاخلاق هذا... قفز من خلف الخزينة نحوهم بجون وصاح بصوت مرعب وسدد قبضته فورا في وجه الموظف المتحدث واشتبك معهم بضراوة هستيرية وركل الارفف الخشبية للتتهاوى كل الكتب القرطاسية على الارض وقلب كل شي راس على عقب الى ان جاء مالك المكتبة العجوز وهو يصرخ بعد ان راى مكتبته التي عمل سنين عليها اصبحت مجرد كومة فوضى _اخرج ايها المجنون! اخرج واياك ان تعود مجددا! خرج يحيى الى الشارع شاحب الوجه وينهمر مطر الخيبة على قلبه الميت..عاد يجر قدميه نحو البناية بلا عمل او مال او حظ او اي شي كانه هيكل عظمي افرغته الحياة من اي امل...وفي ازقة الطريق المظلمة القريبة من المبنى انحل صخب المدينة تدريجيا ... انهمس في اذنيه ذلك الصوت العذب الساحر _يحيى!... وفجاة تلاشى اسفلت الشارع وجدران البنايات العتيقة من حوله ليهوي مجددا في قلب الفراغ الحالك المظلم منتظرا ما ستقدمه له النداهة هذه المرة...انجلت العتمة في ذلك الفراغ الى ان ظهرت النداهة امامه اخيرا لكن وجهها هذه المرة لم يكن يحمل تلك السخرية الباردة بل ارتدى قناعا مسرحيا مفعما بالحزن و الشفقة المسمومة...اقتربت منه ويدها تمسح على وجهه وقالت بصوت يفيض بالحنق المزيف _يالهي انظر ماذا فعلوا بك يا عزيزي... كيف اهانوك وطردوك؟ انت حقا لا تستحق كل هذا الجحيم يا يحيى! تراجع يحيى وهو يلهث لكنها طوقته بنظراتها الزرقاء واستطردت وهي تهمس في عقله ببطء _اتظن ان طارق يحبك حقا؟ انت حقا في وهم كبير!...طارق هو السلسلة التي تقيدك في هذا القاع المظلم ...يدفع ايجارك ويطعمك كل ها ليس شهامة!...بل يفعل هذا ليغذي غروره! يتلذذ برؤيتك مكسورا هكذا لانه كان يموت من الغيرة يوميا عندما كنت ناجح تملك كل شيء!...يستمتع بسقوطك ليستعلي هو علليك بكبريائه! صرخ يحيى بضعف محاولا الامساك بمى تبقى له من عقل _لا!!! طارق مثل اخي! طارق احد افراد عائلتي وهو ليس كما تقولين اطلاقا! كانت تضحك بسخرية عليه وتستهزء به وتستفزه الى ان تلاشى الصوت فجاة ومعه فراغ حالك وفجاة استعاد يحيى وعيه دفعة واحدة على صوت صراخ وزجاج ينكسر...لم يكن في فراغ بل كان يجد نفسه بداخل شقة طارق...كان ممسك بسكين مطبخ حادة ويده تخترق الهواء بضراوة...كان طارق يحتمي بكرسي خشبي ويحاول ابعاد ذراعي يحيى بدموع ورعب حقيقي والدم ينزف بسبب جرح غائر في ذراعه وهو يصرخ بلوعة _يحيى! عد الى رشدك! ارجوك! انه انا ! انا طارق الا ترى؟!!! وفي زاوية الغرفة كانت النداهة تقف مستندة على الجدار تتامل المشهد ببتسامة متلذذة ...وفور ان راها يحيى استدار بجنون مطلق وازاح طارق بعنف وصاح بصرخة هستيرية هزت الاركان _انت السبب في كل هذا!!!! اندفع يحيى بالسكين نحوها فورا ليطعنها بقوة لكنها اختفت ليغرس السكين على الجدار بقوة...ثم راها مجددا عند الخزانة فهجم عليها بضراوة يضرب الاثاث الصحون وكل شيء امامه وفي خضم ضرباته الهستيرية للفراغ كان يتراجع ويرتطم بطارق حتى انه كاد ان يقتله بينما كان طارق ينظر اليه برعب كاسح موقنا ان صديقه قد فقد عقله تماما... في تلك الاثناء اندفع يحيى كالرياح من باب الشقة المفتوح يركض بذهول على الدرج نحو الشارع و السكين الملطخ بدم طارق في يد...خرج طارق خلفه وهو يترنح ويصرخ بقلة حيلة مستغيثا بالناس _امسكوه! ليلحق به احد ما! وصل يحيى الى الشارع المظلم بجسد يرتعش بشدة وعينين تشتعل بحقد اعمى وفي تلك اللحظة بذات صادف خروج احد سكان البناية المجاورة من سيرته كان طبيب ناجح متزوج ويعيش حياة مستقرة تلك التي كان يرغب بها يحيى دوما...وفجاة اندفع يحيى نحوه كوحش مفترس يصرخ بكلمات غير مفهومة ..لكن قبل ان تصل شفرة السكين الى جسد الرجل المفزوع ...انقضت عليه اجساد قوية من الظلمات ...كان المقدم هشام قد وضع بعض رجال الشرطة بزي مدني لمراقبة البناية على مدار الساعة... قد ثبت الضباط ذراعي يحيى وضرب احد يده ليرتطم السكين على الاسفلت الرخامي برنين حاد... ثم سحب يحيى الى الارض وجبينه يلتصق بتراب الشارع بينما كانت الاغلال الحديدية تقفل على معصميه بقوة...التفت يحيى بعينين جاحظتين نحو السماء لم يكن يرى عناصر الشرطة الذين يقيدونه بل وجه النداهة الذي كان يرتسم في العتمة وهي تبتسم له ... بينما كان طارق يجثو على ركبتيه في الشارع وهو يبكي بمرارة على انهيار صديقه التام... ..................
6 مشاهدة · هل استمتعت بالسلسلة؟ اشترك وادعم مبدعها!
كن أول من يعلق!