

الفصل الرابع وصلت سيارة الشرطة الى المركز وسط حالة عارمة من الفوضى والهرج... اصوات اللاسلكي تعلو في الممرات والضباط يركضون بالملفات بين المكاتب ...لم تكن جثة الاستاذ توفيق هي المفاجئة الوحيدة...بل كان فد تم العثور للتو على جثتي رجلان اخران داخل موقع بناء قديم مهجور قرب النيل مقتولين بنفس الطريقة البشعة و قلوبهم غير موجودة اطلاقا ... وقد كشفت تفريغات الكاميرات الاخيرة عن تتبع يحيى لهما في الشارع بعد خروجهما معا للذهاب الى احد المطاعم... تم ادخال يحيى الى غرفة التحقيقات المعتمة ...كان الجو مشحونا وثقيلا... لكن الغرابة تجلت في المحقق الرئيسي المقدم هشام الذي كان بخلاف مساعده النقيب نوح الذي كان ملتزم بالصمت و الرزانة ...كان المقدم هشام شخصية غريبة الاطوار يجمع بين الخفة والحدسالمرعب ...دخل الغرفة حاملا معه كوب من الشاي الساخن وسحب الكرسي بصرير مزعج ثم جلس مقلوبا وهو ينظر الى يحيى بنظرة فاحصة وبسمة تهكمية خفيفة ثم يرتشف الشاي براحة عجيبة وسط هذا الهلع _حقا يا استاذ يحيى... _لقد قابلت مجربين كثيرين...جميعهم غريبي الاطوار...لكن انت حقا شيء اخر تماما... لقد عثرنا على شعرة لك في مسرح الجريمة كانت ملتصقة على ملابس الضحية ترى مالذي كانت تفعله هناك هل كانت في نزهة؟...ايضا تم تفتيش شقتك ... ونعم تم العثور على اداة الجريمة بداخل احد الصناديق في ثلاجتك... ليس هذا فقط بل عثرنا للتو على ضحيتين جديدتين بنفس اسلوب الجريمة الاولى لا اظن ان هناك احد اخر قد يرغب بتقليد فعلتك لذا بتاكيد انت الفاعل...الان اخبرني اين وضعت قلوب الضحايا؟ ولماذا فعلت كل هذا اساسا؟ ماهو دافعك؟ بحسب التحقيق الاول كل جيرانك استبعدوك كمشتبه به نظرا لعدم وجود اي عداوة بينك وبينهم.... لذا لماذا فعلت هذا؟...ها؟ ...تكلم!!! كان يحيى في حالة ذهول شديدة لم يكن يستوعب اي كلمة من ما كان يقول المحقق كانت معدته تعتصر من شدة الخوف وجسدة يرتعش بجنون بينما كان مقيدا بقوة على الكرسي...الشيء الوحيد الذي كان يعرفه هو انه من المستحيل ان يفعل شيء كهذا اطلاقا... لذلك بدا بصراخ بحدة قائلا _اقسم اني لا اتذكر اي شيء من هذا!!!!! لا اعلم ماذا تقول!!!! لست انا!!!! انها هي!! تلك!!! تلك اللعينة ليال!!! انها الفاعلة!!! انا رايتها! .....رايتها تاكل!!! تاكل قلوبهم و.. انها تطلب قرابين!!! ...لا علاقة لي بشي!!! لا!!!! نظر اليه المقدم هشام بنزعاج وامال جسده للامام وهز راسه بسخرية مستفزة _اخرس... وتوقف عن هذا الصراخ اللعين ستنفجر اذني من كمية الهراء...هل تظن اننا نلعب هنا؟ او اننا اغبياء؟ ... الا ترا ان ما تقوله سخيف؟ اولا تقول لا تعرف شي ثم تتهم امراة بانها اكلت قلوبهم؟ ها؟ كيف اكلتهم قامت بشويهم على النار؟ اعطني الوصفة كاملة ههههه! ثم فجاة اندفع امام وجهه ونظر اليه بنظرة مرعبة خالية من اي صبر او رحمة _لسنا في برنامج طبخ او جلسة تحضير جن!... اما ان تعترف وحسب والا صدقني ساجعلك تندم على اليوم الذي ولدت فيه! كان النقيب نوح ينظر الى الملف بنظرة هادئة دون ان يرفع عينه ثم قال _كل تفريغات الكاميرات واضحة و المتهم يحيى يظهر فيها انه كان في حالة ثبات حركي متزن اثناء التتبع مما ينفي وجود غيبوبة او عدم وعيي اثناء السير لكن... يوجد شيء غير منطقي ... كيف تمكن من العودة من جريمته بشكل نظيف؟ فلا توجد عليه اي بقعة دماء ظاهرة ... كان يحيى في تلك اللحظة بعد ان قال النقيب هذا الكلام يصرخ وينفي انها كانت فعلته محاولا اقناعهم بوجود النداهة التي هي ليال لكن صبر هشام قد تعدى حدوده بالفعل لذلك قبل ان يدرك يحيى حتى فجاة وجد ان راسه ارتطم على الطاولة بعنف بعد ان صفعه المقدم على وجهه بقوة... _لقد سئمت منه ...خذوه الى الحجز لعل عقله يرجع اليه قريبا... سنستكمل التحقيق معه غدا ... سحب يحيى بقوة وتم رميه في الحجز... اغلق الباب الحديدي الثقيل ليبقى يحيى جاثيا على البلاط البارد محاطا بصمت الزنزانة وجحيم افكاره ... وفي صباح اليوم التالي جاء طارق لزيارة يحيى في الحجز فو يعلم يقينا ان صديقه لم يكن هكذا اطلاقا يعلم كم هو شخص طيب لدرجة انه غير قادر حتى على اذية نملة ويعلم جيدا ان تصرفات يحيى في الفترة الاخيرة كانت غير طبيعية اطلاقا...نظر الى صديقه خلف القضبان و استمع الى قصته الكاملة عن ندائات الليل وعن ليال ذات الشعر الفضي والعيون الزرقاء والقرابين وكل شي... لذلك بعدها خرج ثائراالى المقدم هشام متوسلا له ان يكثفوا التحقيق و بذات مع المدعوة ليال هذه ... لكن في اليوم الذي بعده تم احضار يحيى مجددا الى غرفة التحقيق ...كان المقدم هشام يجلس بوضعيته الغريبة المعتادة ممسكا بملف اصفر بينما يقف النقيب نوح هادئ كعادته ... القى هشام الملف على الطاولة بفرقعة خفيفة ونظر الى يحيى ببتسامة _صديقك المسكين طلب منا ان نحقق اكثر عن الانسة ليال...بالفعل فعنا هذا!... الفتاة بريئة تماما!... لانها تمتلك حجة غياب صلبة كالفولاذ... ليلة الجريمة الاولى والثانية كانت في شقة صديقتها في الطابق الثالث طوال الليل والكاميرات و الصديقة قد اكدت ذلك...لذا اتهاماتك للفتاة الظريفة كلها باطلة ارتجف يحيى بعنف وتعلثم لسانه _مم...مستحيل!...لقد كانت موجودة! مال هشام بجسده للامام وانخفضت نبرته المرحة لترتدي ثوب القسوة _اما بنسبة لسر نظافة ثيابك بعد الجريمة فلقد اكتشفناه بالفعل... انت قد اشتريت ثوب بلاستيكي شفاف خفيف من المكتبة التي كنت تعمل فيها مؤخرا ذلك الثوب الذي يستعمله الفنانون و الصباغون حتى لا يغطيهم الطلاء ... يتميز ذلك الثوب بسهولة الطي لذا كنت تطويه جيدا وتخبئه تحت ملابسك قبل الجريمة و بعد الانتهاء تدفنه... لاننا قد حفرنا في كلا من المشتل وموقع البناء وعثرنا اثواب ملطخة بالدماء... واحزر ماذا بعد؟ بصماتك كانت موجودة! صمت المكان كامقبرة... كان التفصيل كله مادي بحتا ... شراء ثوب بلاستيك ودفنه ...كلها تدل على تخطيط واع وبارد يناقض تماما فكرة الكابوس او فعل كل هذا بلا وعي اكمل المقدم هشام وهو يميل بنظرة حادة نحو يحيى _انت خططت لكل شي بكل دقة... لكن السؤال الذي لم نجد له جواب الى الان اين اختفت القلوب الثلاثة؟ انفجرت الدوائر في عقل يحيى وتهاوى الجدار الاخير الذي يملكه ليفرق بين الحقيقة و الوهم وانزلقت روحه في جحيم لا قاع له...كل التفاصيل اثبتت انه القاتل لكن الصورة التي لا تزال موجودة في عقله كانت بها النداهة وهي تلتهم تلك القلوب...فتسائل في داخله _هل...هل...هل يعقل انني من كنت انهش تلك الجثث؟؟ هل انا الوحش طوال الوقت؟ تلاشى صوت المحقق وتحول الى طنين مكتوم وانسحبت الجدران ليحل محلها سواد سحيق ومن بين الظلمات جاء ذلك النداء كنسيم الربيع ليخرق طبلتي اذنيه _يحيى... سقط على ركبته في الفراغ وجسده يعتصر بنوبة رعب واشمئزاز غير مسبوقة و انغرزت اظافره في فروة راسه محاولا سد اذنيه لكن الصوت كان ينبعث من داخل جمجمته نفسها ...تجلت امامه بهدوء لكن وجهها هذه المرة لم يكن ينضح الا بقسوة شامتة وابتسامة تتلذذ بتدميره صاح فيها يحيى بصوت مبحوح يملؤه الكره والرجاء _ابتعدي! ابتعدي ايتها اللعينة!!! انت من فعلتي كل هذا! اقتربت منه حتى استشعر انفاسها الثلجية وامسكت بذقنه ومسحت زجاج نظارته باصابعها الملطخة بالدماء لتغطي رؤيته ببقعة حمراء زادت الجو اختناقا ثم قالت بنبرة تهكمية يملؤها التحقير _تتهمني؟... انا لست من قام بقطع احشائهم... يدك اللطيفة هذه هي من فعلت هذه...الا تذكر؟ انت من كنت تمسك الشفرة وتقطع اللحم شبرا شبرا بينما انا فقط كنت اقف متفرجة الا تذكر؟ عليك التذكر ... لا بل بنفسك من كنت تقدمهم لي ... اصبحت لا اعلم هل كنت تحبني حقا ام ان حبك لي كان عذرا لتفعل كل هذا ثم تلقي اللوم كله عليي انا مع انني لم افعل شي...ايضا انت من كان يلوح السكين امام طارق محاولا قتله فقط لكي لا تشر انه اصبح افضل منك... لذا كيف تتهمني الان وانت من فعل هذا كله! ثم مالت على اذنه وهمست ببتسامة _ايضا اتسائل... هل حقا لا تتذكر اطلاقا ذلك الطعم الللزج الذي ملاء حلقك؟...او هل لازلت تشعر به الى الان؟ الست تتذكر انك من التهم قلوب اولائك المساكين لانك تضن انن فعلت هذا ستصبح مثلهم...حقا الا تذكر؟ هذه الكلمات جعلت عقله ينهار تماما ... كانت كلماتها كمسامراخترقت راسه... انقبضت معدته بعنف وسرت برودة الموت في جسدة وبدا يتقيء ... فعليا بدا يشعر بحشرجة وطعم نحاسي في فمه بسبب كلامها هذا ... اصبح لا يعرف اطلاقا ما الواقع وما الوهم فهل هي تتلاعب به؟ فهو لا يتذكر اي من هذا حتى ... وكان متاكد من انه ليس شخصا سطحي يفكر في القتل بسخافة هكذا لكن في نفس الوقت كان الوسواس يكدس الشكوك بداخل راسه. في تلك الاثناء في غرفة التحقيق تحول ضغطه النفسي الى نوبة هستيرية حادة...اخذ يحيى يتخبط على الكرسي بحركات تشنجية مجنونة يلوح بيديه المقيدتين في الهواء ليضرب طيب النداهة الغائب عن عيون الضباط وصراخه المبحوح يزلزل الغرفة _ابتعدي!! ...ابتعدي! انت!!!! انت السبب!! وفي ذروة تخبطه اعتصر جسده وانحنى للامام في نوبة قيء شديدة قاذفا عصارة دمه الممزوجة بخيوط دموية داكنة نتيجة تمزق جدار المريء من شدة الهلع و الجفاف تلاشت السخرية فورا عن وجه المقدم هشام وقفز من كرسيه متراجعا الى الخلف بذهول بينما اندفع الننقيب نوح نحو الباب يصرخ في اللاسلكي _الحراس فورا! واحضروا طيب السجن والنقالة! ارتمى يحيى على بقعة الدم والقيء ووجهه ملتصق بالبلاط الرخامي البارد لغرفة التحقيق... كانت انفاسه تخرج على شكل حشرجات متقطعة وعيناه مثبتتان نحو الفراغ لا تعكسان اي ضوء فقد انطفأ شعوره بالادراك كليا و اصبحت ملامح الضباط حوله مجرد ظلال سوداء تتحرك بسرعة...لم يستطع رفع راسه... شعر بايدي متعددة ممتدة بقسوة حذرة تمسك بكتفيه الخاويين واطرافه المقيدة ...رفع جسده الذي افقده الرعب وزنه على السطح المعدني البارد للنقالة..كان يستلقي وهو ينظر للسقف ويرى المصابيح الفلورية الشاحبة تمر فوق عينيه بايقاع منتظم مريب ضوء، ظلام، ضوء، ظلام...لم يكن يرى المسعفين ولا جدران الممر الملطخة برطوبة البنايات القديمة ... كان يرى بين مصباح ومصباح طيف النداهة وهي تمسح على جبينه بلطف...غرق المكان في سواد كامل فور ان تم ادخاله الى سيارة الاسعاف...استمر هذا حتى عندما وصلو لوجهتهم ... كان الاطباء يسلطون الاضواء على حدقتيه الشاحبتين ... يسالونه ولا يجيب.. يطعمونه ولا ياكل الا عن طريق الانابيب...ولا ينظر الى طارق الذي كان يجلس عند طرف سريره بساعات يبكي بمرارة ويهمس باسمه بلا جدوة مرت ثلاث اشهر كالة في قسم الاحتجاز النفسي الحصين بالمستشفى العسكري انقطع فيها يحيى تماما عن العالم الخارجي وعاش تحت مراقبة مكثفة من لجنة الطب النفسي الشرعي ... وفي النهاية اصدرت اللجنة تقريرا مفصلا من خمسين صفحة خلص الى ان المتهم يعاني من فصام وجداني واضطراب هوية تفارقي مصحوب بغيبوبة تذبذبية للوعي وهلاوس سمعية وبصرية كاملة واكد الاطباء ان يحيى قد قام بكل افعاله هذه في حالة انفصال تام عن الواقع و اخترع شخصية النداهة كالية دفاعية نفسية ليرمي عليها شحنات الغل الدفين بداخله بعد انتكاساته المتتالية... وبعد اربع اشهر من الجريمة تحدد اولى جلسات المحاكمة وسط تغطية اعلامية واهتمام جماهيري غفير...ادخل يحيى الى القاعة المكتضة والسلاسل تقييد يديه وقدميه ويحيط به اربع رجال امن... كان شاحبا كارماد جلس منهكا وبجسد نحيف بدرجة مخيفة وعيناه الغائرتان تثبتان في الفراغ بينما جلس طارق في الصفوف الخلفية ووجهه معصور بالبكاء وبجواره المقدم هشام الذي جاء ليتابع نهاية القضية بصمت...بدات الجلسة بهدوء ووقف ممثل النيابة يستعرض كل التفاصيل البشعة للجريمة وفي اللحظة التي بدا فيها وكيل النيابة بانعاش تفاصيل الجثث الممزقة انكسر الهدوء في راس يحيى ...لم يكن يستمع للتفاصيل بل راى ليال فجاة...كانت تجلس بهدوء مرتدية ثوب اسود وكانت جالسة في منتصف القاعة مع باقي الحضور وتنظر اليه بعينيها الزرقاوتان ببرود...بلعت القاعة السنتها عندما وقف يحيى فجاة على كرسيه وضرب الطاولة بيديه المقيدتين لتحدث السلاسل رنين هائلا في القاعة وصاح بصوت هستيري مرعب جاف ومبحوح شق الصمت _اصمتوا!....انتم غافلون!!!... هي جالسة بينكم هناك! هناك!!! تلك القاتلة اللعينة!!! هاجت القاعة وفجاة القاضي قام بالطرق على المطرقة يطالب بالهدوء لكن يحيى قد بدا يتخبط بجنون مطلق وكان يلتف بالسلاسل ويضرب الحراس الذين يحاولون تثبيته وهو يشير نحو الفراغ بيده المرتجفة ويصرخ _لم اقتلهم!!! هي!! هي من فعلت!!!! اكلت قلوبهم جميعا!!! وستاكلنا جميعا!!!!! لست انا!!! تحول الموقف الى فوضى كليا وتعارك يحيى مع الحراس الاربع بجنون حتى ان نظارته سقطت وتحطمت على البلاط وانتهى الامر به جاثيا على ركبتيه يتمرغ تحت اقدام رجال الامن وهو يصرخ ويبكي بحشرجة ويتقيء من شدة الذعر والانهيار الكامل امام الحضور... وفي نهاية المحاكمة بدا القاضي بقرائة القرار _قررت المحكمة اعفاء المتهم يحيى من العقوبة الجنائية لعدم ثبوت الاهلية و المسؤولية العقلية وقت ارتكاب الفعل وايداعه فورا الى مستشفى العباسية للامراض النفسية والعقلية في قسم الجرائم الخطرة شديد الحراسة تحت الملاحظة والعلاج المفتوح الى اجل غير مسمى سحب يحيى وهو غائب تماما عن الوعي وجرته السلاسل على بلاط القاعة بينما كان يسمع في الممر الخارج صدى صوت ضحكة عذبة تتردد في اذنية وحده... تم ادخاله الى مكان لا يشبه المستشفيات ابدا بل كان حصنا من البيتون البارد تفوح منه رائحة المطهرات الممزوجة بالرطوبة واليأس هناك لم يعد ينادى يحيى باسمه بل بالخليية رقم 9 .. ..في الاسابيع الاولى لم يهدا عقل يحيى لحظة واحدة بل ازداد جنونه حدة وضراوة واشتعلت الهلاوس في راسه كعاصفة لا تتوقف...كان يرفض النوم ويرى زوايا الخلية تتسع وتضيق ويرى الجدران تنضح بدم بارد وبدات تصيبه نوبات هستيرية يهاجم فيها الفراغ بكل ما اوتي من قوة ...خدش جلد وجهه ورقبته باظافره حتى ادمى نفسه وحاول مرارا وتكرارا ضرب راسه بالجدار الحجري ليتخلص من ذلك النداء العذب الذي يتردد في اعماقه...لم تعد المهدئات او الادوية تجديمعه نفعا.. .وامام خطورته الشديدة على نفسه وعلى الحراس والاطباء اتخذ الاطباء قرار بالباسه سترة تقييد قماشية لتقييد حركته كليا...احكمت الاربطة العريضة على ظهره وضبطت زوايا ضراعيه المكتوفتين على صدره كانه اسير داخل جسده وثبتت قدماه بسلاسل قصيرة منغرسة على الارضية وصفحت جدران الغرفة بطبقات سميكة من الاسفنج والجلد حتى لا يتمكن من تهشيم جمجمته ... اصبح يحيى هائما في منطقة برزخية فاصلة ...جسد مقيد لا يملك حركة اطرافة ... وعقل في داخله جحيم من الخيالات... مرت اشهر وربما سنوات ...لم يعد يحيى يحتفظ بذاكرة للزمن اساسا...في ليلة شديدة السكون كانت الامطار تطرق بنتظام على الشباك الحديدي الصغير المرتفع في اعلى الجدار...كانت ليلة هادئة كامعتاد...جلس يحيى في منتصف الخلية جاثيا على ركبتيه مائلا بجسده للأمام والخلف بايقاع بطيء خفيض ومريض...كانه بندول ساعة يوشك على التوقف... فجاة توقفت قطرات المطر عن التردد وساد الصمت المطلق داخل الغرفة و انحل برود الاسفنج المبطن ليحل محله هواء دافيء يحمل في طياته عبق زهور جميل... نفس تلك الرائحة التي اعتاد شمها بعد اول جريمة له... ظهرت النداهة او ربما ليال...لم يعد يحيى يفرق او يكترث... اقتربت منه بهدوء حتى جثت امامه مباشرة...امالت راسها الفاتن تتامله بشفقة ورفعت يدها البيضاء لتلمس خده الشاحب باصابعها الناعمة... لم يصرخ ولم يتخبط في سترته ولم يحاول الابتعاد...انزل جفنيه ببطئ شديد واتكأ براسه على كتفها الناعم واسترخى جسده المقيد كليا بين يديها... النهاية...
2 مشاهدة · هل استمتعت بالسلسلة؟ اشترك وادعم مبدعها!
كن أول من يعلق!