

《كان يوماً آخر يثقله المطر.》 أكره المطر... ولا يخطر ببالي سببٌ واحد يبرّر هذه الكراهية. وكذلك أعجز عن فهم أولئك الذين يعلنون ولعهم به. ما الذي يدعو المرء إلى عشق قطراتٍ تهوي من السماء لتغرق ثيابه وتثقل خطاه؟ وما الذي يُغري في سماءٍ مكتظّة بالغيم، وأيامٍ يلفّها الشحوب، وصوتِ مطرٍ لا يكفّ عن قرع الأسطح والأرصفة حتى يوشك أن يثقب السكون؟ ثم إن عليّ أن أحمل مظلّتي كل يوم، خشية أن أعود مبتلّاً. فأيُّ شيءٍ في هذا كلّه يستحقّ الحب؟ يتحدّث الجميع عن الجمال الذي يخلّفه المطر؛ عن الهواء المنعش، ورائحة الأرض بعد ارتوائها، وعن السكينة التي يسكبها في النفوس. لا أفهم. حقاً... لا أفهم. أيُّ جمالٍ يتركون للحديث عنه؟ وأيُّ أثرٍ هذا الذي يعجز عقلي عن إدراكه؟ مددتُ يدي خارج المظلّة، فتلقّفتها قطراتٌ غزيرة، كأن السماء تصبّ عليها كل ما ادّخرته من ماء. تمتمتُ بصوتٍ خافت: "ما الجميل في هذا؟" يا لسخافة أمري... أبدّد دقائق فراغي القليلة في مجادلة نفسي حول المطر، كأنني سأبلغ في النهاية حقيقةً غابت عن البشر جميعاً. راقبتُ القطرات وهي تنساب بين أصابعي، فبدت لي أشبه بعمري؛ يتسرّب بصمت، ويتناثر هباءً دون أن أقبض منه على شيء. لقد بلغتُ السابعة والعشرين بالفعل، وما زلت أقضي أوقاتي في محاورة نفسي حول أمرٍ تافه كهذا. تنهدتُ، ثم شددتُ قبضتي على مقبض المظلّة. عليّ أن أُسرع إلى المنزل، فإضاعة الوقت لن تجلب لي سوى مزيدٍ من المتاعب. وأرجو... ألا يكون قد افتعل جلبةً أخرى بسبب تأخّري. بلغتُ باب المنزل بعد دقائق معدودة، غير أنّ ما استقبلني قبل أن تمتد يدي إلى المقبض لم يكن السكون، بل ضجيجاً وصراخاً يتسرّبان من الداخل. تنهدتُ وغمغمتُ بضيق: "آه... ضجّةٌ أخرى. بحقّ السماء، لم أتأخر سوى ثلاثين دقيقة." ما إن فتحتُ الباب حتى وجدته واقفاً قبالتي، كأنه كان يترقّب قدومي منذ لحظة خروجي. اندفع نحوي مسرعاً، وأخذ يتفحّصني بعينين مرتجفتين، يجول بهما على وجهي ويديّ وسائر جسدي، باحثاً عن أيّ أذى قد يكون أصابني. بدا واضحاً أنّه كان يبكي. عيناه الرماديتان، اللتان تميلان إلى زرقة السماء، كانتا تغشاهما حمرةٌ شديدة من فرط الدموع، وقد امتدّ الاحمرار إلى وجنتيه وأنفه. أمّا شعره البني، فكان، كعادته، مبعثراً لا يعرف نظاماً، تتخلّله خصلاتٌ بيضاء متناثرة هنا وهناك، وكأنها شواهدُ على أعوامٍ أثقلته قبل أوانها. ولمّا فرغ من تفحّصي، واطمأنّ أخيراً إلى أنني لم أُصب بمكروه-وهو أمرٌ استغرق وقتاً أطول مما ينبغي-شدّني إلى صدره في عناقٍ كاد يخنقني من شدّته. ثم قال بصوتٍ متحشرج، وهو يجاهد ألّا ينفجر بالبكاء مرةً أخرى: "سوان... لمَ تأخّرتَ عن المدرسة؟! هل أصابكَ شيء؟ هل آذاك أحد؟ لقد أقلقتتي حقاً." ...حسناً. هذا هو المشهد المعتاد، يتكرّر أمامي منذ أعوام، حتى غدا جزءاً من تفاصيل أيّامي. وأنا أعلم، بل أوقن، أنّ كلّ كلمةٍ ينطق بها صادقة، وأنّ قلقه ليس تمثيلاً ولا مبالغة. لكن تكرار هذا المشهد مراراً وتكراراً جعلني أعتاده، حتى غدوت أعجز عن مجاراة صدق مشاعره كما ينبغي. أجل... وبشأن المدرسة. إنّ أخي مصابٌ بذُهانٍ حاد، ولذلك ما زال يراني طفلً في السابعة من عمره. يظنّ أنّ خروجي إلى عملي ليس سوى ذهابي إلى المدرسة، ويبني على هذا الوهم سائر تصرّفاته. وربما لهذا السبب يتصرّف معي كما لو كان أبي... أو أمي. لا أدري. لكن ما أعلمه يقيناً، أنّه، رغم علّته، كان أكثرهما اهتماماً بي. آه... لقد شردتُ مجدداً. إلى الحدّ الذي جعلني أنسى الردّ عليه. كان لا يزال يحدّق إليّ بقلقٍ صافٍ، يملأ عينيه الطفوليتين اللتين لا تعرفان كيف تُخفيان ما يعتمل في القلب. وكانت كفّاه تطبقان على يديّ برفق، كأنّه يخشى أن أختفي إن أفلتني. لا أذكر متى أمسكهما. كلّ ما أدركته أنّ دفء يديه ما زال كما عهدته دائماً... دفئاً يبعث الطمأنينة في غير موضعها. عليّ أن أطمئنه...كما أفعل كلّ يوم، بكذبةٍ أخرى. تنهدتُ، ثم تنحنحتُ بخفة، وأطلقتُ صوتاً طفولياً مصطنعاً، أُجيد تقليده لكثرة ما كررته: "أخي ديانغ جو، لا تقلق! لقد تأخرنا بسبب المطر، ليس أكثر. أنا بخير... بخير حقاً!" كان عليّ أن أسايره، وأن أتقمّص دور الطفل الذي ما زال يراه. قد يبدو الأمر محرجاً لأول وهلة... بل لا، ما زال محرجاً! لكن لا بأس؛ فلا أحد يشهد هذا المشهد سوانا بين جدران هذا المنزل. ثم إنّ أخي ديانغ جو... أو "ديان"، كما اعتدتُ أن أناديه، يخاف المطر. ولستُ أدري إن كان من الإنصاف أن أقارن خوفه بكراهيتي له. إنّه يملك سبباً يخشاه من أجله، يحمل من الذكريات ما يكفي ليغدو المطر، في عينيه، نذيرَ فزعٍ لا بشيرَ حياة. كلّما اكتظّت السماء بالغيوم، واستحال لونها إلى ذلك الرماد الثقيل، رأيتُ الطمأنينة تنسحب من عينيه شيئاً فشيئاً، ويحلّ محلّها خوفٌ عتيق، كأنّه لم يغادره يوماً. أمّا أنا... فلا أملك حتى سبباً واحداً يبرّر هذا النفور الذي يسكنني. إنّه لا يكره المطر كما أكرهه أنا... بل يرتعد منه. ولهذا، ما إن تهطل أولى القطرات حتى تستيقظ هواجسه دفعةً واحدة، ويغدو أسير قلقٍ لا يهدأ، يترقّب عودتي عند الباب، ويحسب كلّ دقيقةٍ أتأخّر فيها احتمالاً جديداً لأن يفقدني إلى الأبد. أدركتُ ذلك منذ أن بدأنا نعيش معاً. ثمانية أعوام... ثمانية أعوام كاملة، ونحن نعيش المشهد ذاته؛ الكلمات نفسها، والقلق نفسه، والعناق نفسه، حتى غدا طقساً يومياً لا ينفكّ يرافق عودتي إلى المنزل. ولستُ أرتاح لهذا الطقس. أكره أن أكذب. وأكره، أكثر من ذلك، أن أرتدي في كلّ مساء هيئة طفلً تجاوزته الأعوام منذ زمن. لكن... إن كان في تلك الأكذوبة الصغيرة ما يهدّئ اضطراب ديان، ويمنحه شيئاً من السكينة التي سلبها منه مرضه... فلتكن. فما قيمة كبريائي أمام راحةٍ يلتقط بها أنفاسه؟ سحبتُ يدي برفقٍ من بين كفّيه، ثم تجاوزته متّجهةً إلى الداخل. عليّ أن أُعِدّ الطعام... أو لعلّني سأكتفي بشيءٍ يسير لا يحتاج إلى عناء. فلم تعد فيّ ذرّةُ طاقةٍ تسمح لي بالوقوف في المطبخ طويلًا. آه... تذكّرت. لقد أعددتُ قبل أيامٍ قدراً لا بأس به من الحساء. يكفي أن أُعيد تسخينه، وسيغدو جاهزاً في دقائق. كما أنّ الحساء، على أيّ حال، خيرُ رفيقٍ ليومٍ يثقله المطر. أخرجتُ وعاءين، ثم وضعتهما فوق المائدة. وكعادته... كان ديان يتابع كلّ حركةٍ أقوم بها بعينين لا تعرفان الغفلة. ولم تكن نظراته ممّا يثقل الروح أو يبعث على الضيق؛ بل كانت من ذلك النوع الذي يعجز المرء عن رده، لما يفيض به من براءةٍ خالصة. كان يرمقني بإعجابٍ صادق، وفخرٍ لا تشوبه شائبة، كأنّ أعظم إنجازٍ في هذا العالم هو أن يراني أقف أمام الموقد، أو أرتّب المائدة، أو أمارس أكثر الأعمال اعتياداً. غير أنّ ذلك الصفاء لم يكن يخلو من شيءٍ آخر... شيءٍ أعمق من القلق. خوفٌ قديم، استوطن عينيه حتى غدا جزءاً من ملامحه، لا يفارقه مهما حاول أن يبتسم. كأنّه يخشى، في كلّ لحظة، أن أتبخّر من أمامه دون سابق إنذار. أن يمدّ يدي إلي...فلا يجد سوى الفراغ. لا أعلم إن كان لا يزال يذكر ما مضى. بل أشكّ في أنّ ذاكرته أبقت له من تلك الأيام شيئاً. إلّا أنّ الجراح لا تحتاج دائماً إلى ذاكرةٍ كي تبقى حيّة. فبعض الآلام تغادر العقل...لكنّها تستوطن الروح. وربّما لهذا ظلّ ذلك الخوف يسكنه، رغم أنّه قد يكون نسي السبب الذي ولّده. أهي ذاكرةُ المشاعر؟ أم ذاكرةُ الجسد التي يقال إنّه يحتفظ فيها بما تعجز الذاكرة عن استعادته؟ لا أدري. مهما يكن اسمها، فهي لم ترحل عنه قط. سحبتُ الكرسي برفق، فأجلسْتُه، ثم اتخذتُ مقعدي قبالته. ولم يكد يستقر في مكانه حتى التقط الملعقة، وغرف بها شيئاً من الحساء، ثم أخذ ينفخ فيها برفقٍ وصبر، حتى لا تحرقني. بعدها... مدّها نحوي. أجل... إن لم يكن المشهد واضحاً بما يكفي... فإنّ أخي يصرّ على إطعامي بنفسه. والمصيبة أنّ هذا المشهد، رغم تكراره مئات المرّات، لم يصبح أقلّ إحراجاً. ويا له من موقفٍ يستنزف ما بقي لي من كرامة. في السابعة والعشرين من عمري... وما زلتُ أجلس كل مساءٍ متقمّصً دور طفلٍ لم يتجاوز السابعة. بل إنّ هذا القدر من الرعاية لا يُغدقه الناس على طفلٍ في مثل ذلك العمر، وإنما على رضيعٍ لا يقوى على حمل الملعقة بنفسه. كم يبدو الأمر باعثاً على الحرج... رفعتُ بصري إلى وجهه. لم يكن في ملامحه أدنى تكلّف. ولا أدنى تردّد. بل كانت ابتسامته تشرق بذلك الصفاء الذي لا تعرفه إلا قلوب الأطفال؛ صفاءٌ يجعل رفضه ضرباً من القسوة. ثم تقدّم بالملعقة نحوي، وقال بصوتٍ يفيض حماسةً طفوليةً وبراءة: "وصل الطائر... افتح فمك!" تنقّلت عيناي بين الملعقة ووجهه. كم تمنّيتُ، ولو لمرّةٍ واحدة، أن أقول له إنني لم أعد طفلً... لكنّ تلك العينين... العينين اللتين لم تعرفا سوى محبّتي، كانتا تكتمان رجاءً صامتاً أعجز من أن أخيّبه. لو امتنعتُ، فلعلّه سيظنّ أنّني ضقتُ به... أو أنّه أثقل عليّ. ولم أكن أحتمل أن يخطر ذلك بباله. فلم أجد سوى أن أبتلع حيائي قبل أن أبتلع اللقمة، وأفتح فمي في استسلامٍ اعتدتُه منذ سنوات. لنرَ... وبذكر ذلك، فنحن نعيش اليوم ذاته مراراً وتكراراً، حتى غدت أيّامنا نسخاً متطابقة، لا يكاد يميّز إحداها عن الأخرى شيء. نادراً ما يطرأ حدثٌ جديد... وربما يعود ذلك إلى أنّ ديان ما يزال عالقاً في يومٍ واحد، لم يغادره قط. لكن... ثمّة أمرٌ حيّرني دائماً. كيف يدرك أنّني تأخّرت؟ إنّه لا يملك إدراكاً للوقت. لو أخبرته أنّ الشمس قد أشرقت الآن، لابتسم وصدّقني. ولو عدتُ بعد دقائق وقلت إنّ الليل قد أرخى سدوله، لما وجد في الأمر ما يدعو إلى الشك. إنّه لا يفرّق بين الساعات، ولا يعرف للأزمنة ترتيباً. فكيف، إذن، يشعر بتأخّري؟ أيّ ساعةٍ خفيّةٍ تدقّ في داخله، بينما عجز عقله عن إدراك الزمن؟ ...لا أجد جواباً. لعلّه الحدس. أو ربّما القلب، حين يخشى فقدان شيءٍ، يغدو أقدر من العقل على عدّ الدقائق. ابتلعتُ لقمةً أخرى من الحساء، وأغلقتُ باب تلك الأفكار. فلا جدوى من ملاحقة سؤالٍ لا يملك جواباً. لقد أنهكتُ رأسي بما يكفي، ولم يعد يحتمل أن يطارد ألغازاً أخرى لا نهاية لها. أفضّل، هذه المرّة، أن أكتفي بتفسيرٍ واهٍ، مهما بدا ساذجاً أو بعيداً عن المنطق. وذلك... ليس من طباعي. لكنّ العقل، مهما ألحّ في البحث، يحتاج أحياناً إلى هدنة. رفعتُ بصري إلى الساعة؛ فإذا العقرب يشير إلى الثامنة والنصف بالفعل. ما يزال أمامي كمٌّ وافرٌ من الأعمال على الحاسوب، وتقارير ينبغي تسليمها قبل انقضاء الموعد. ولعلّي... أأظفر بترقيةٍ هذا الشهر؟ وبينما كنت غارقًا في أفكاري، امتدّت يدٌ تعبث بخصلات شعري الأسود في رفقٍ وألفة. كانت يدَ ديان. مرةً أخرى... يربّت عليّ، ويغمرني بفخرٍ لا يستند إلى إنجازٍ ولا سبب. حقًّا، ما أعجب وأعظم أن يكون في الحياة شخصٌ كهذا؛ يؤمن بك قبل أن تنجح، ويطمئن إليك قبل أن تثبت شيئًا. لا يحمّلك أعباء التوقعات، ولا يطالبك بالكمال، ولا ينتظر منك إلا أن تكون أنت. هذا وحده قد يكون دعماً نفسياً لا يُقدّر بثمن. ومع ذلك... ما زلتُ أرجو أن أكون أهلًا لهذه الثقة التي يمنحني إياها بلا حساب. أتمنى، ولو قليلاً، أن أكون جديراً بهذه الثقة التي يمنحني إياها. أن أكون الشخص الذي يراه ديان حين ينظر إليّ، لا الشخص الذي أراه أنا في المرآة. فرغتُ من وعائي، فنهضت، وما إن رآني ديان حتى نهض هو الآخر. مهلًا... لم يُتمَّ طعامه بعد. تنهدت في صمت، ثم عزمت أن يتناوله لاحقًا. أنهيت غسل الأطباق، وقد آن أوان جرعة دواء ديان، ثم سأتفرغ لما ينتظرني من عمل. "سوان! سوان!" بلغني صوته المفعم بالحماس، فالتفتُّ إليه، فإذا به يحدّق بي بعينين متألقتين، ثم قال في لهفة: "أتريد أن نشاهد التلفاز معًا؟" خفضت بصري قليلًا. ليس لديَّ متسعٌ من الوقت اليوم. ينبغي أن أنجز ما تراكم عليّ قبل حلول الغد، وإلا تبدد حلم الترقية، وضاع ثمرة أعوامٍ من الكدّ. وفوق ذلك... لا أستطيع العمل ما دام ديان مستيقظًا؛ فلا بد أن يخلد إلى النوم أولًا. سأجلس أمام الحاسوب، وأحاول إنقاذ ما تبقى من هذا اليوم. لكن... منذ متى يطلب ديان شيئاً مني؟ هو لا يفعل ذلك. ليس من عادته أن يرغب في شيءٍ لنفسه، أو أن يطلب منّي أن أترك ما بيدي لأجله. كان دائماً يكتفي بوجودي إلى جانبه. كان نادراً لدرجة أنّ رفضه بدا أقسى من قبوله. وهذا الطلب البسيط... تباً... تبا لتلك العينين الوديعتين لتلك النظرة التي لا تعرف كيف تضغط عليّ، ومع ذلك تجعلني أعجز عن قول "لا". أومأتُ برأسي موافقًا. فما إن فعلتُ حتى انفرجت أسارير ديان عن ابتسامةٍ عريضةٍ ساذجة، كابتسامة طفلٍ ظفر بأمنيته بعد طول انتظار. وأسرع إلى الأريكة، يهرول بخفة، ثم عاد يحمل لحافًا وعدة وسائد، ورتبها بعنايةٍ وكأنه يهيئ لي مجلسًا لا يليق إلا بضيفٍ عزيز. وقفت أتأمله برهة. وما أكثر ما يساورني ذلك الشعور الثقيل... شعورٌ بأنني قصّرت في حقه. فأنا بالكاد أقضي معه وقتًا يشبه ما يقضيه الإخوة معًا. أغادر المنزل مع انبلاج الصباح، ولا أعود إلا وقد أرخى المساء سدوله. ثم لا يكون لي من أمري إلا أن أطمئن إلى دوائه، ذلك الدواء الذي لا يلبث أن يثقل جفنيه، فيستسلم لنومٍ عميق، لأختلي بعدها بأعمالي في هدوء. حقًّا... إنني لا أمنحك من وقتي شيئًا يُذكر. لا بد أنك تشتاق إليّ، وإن عجزت عن التعبير. تمضي نهارك كلَّه وحيدًا بين جدران هذا المنزل... فأيُّ شعورٍ يعتمل في صدرك؟ ألهذا تنتظرني كل يومٍ عند الباب، وكأن ساعات غيابي لا تبدأ بالانقضاء إلا حين أعود؟ لكن... مهلًا. أيدرك ديان أصلًا أنني لا أمضي معه وقتًا كافيًا؟ لا. إن عالمه أبسط من أن يحمل مثل هذه الحسابات. ولعل هذا هو السبب في أنني لم ألتفت إلى الأمر من قبل، ولم أوله ما يستحق من اهتمام. على أي حال... لن أخيّب رغبته اليوم. سأجلس معه قليلًا، ولتنتظر التقارير ساعةً أخرى. جلست في الطرف الآخر من الأريكة، وما إن استقر بي المجلس حتى مدّ ديان اللحاف فوق نصف جسدي السفلي، وهو يقول بلهجةٍ جادّةٍ لا تخلو من البراءة: "البرد شديد... وستمرض إن بقيت هكذا." ابتسمتُ في سري. يا له من أمرٍ عجيب... إنه يتصرف حقًّا كأخ الأكبر. أعدت بصري إلى شاشة التلفاز، أتابع ما يُعرض عليها دون أن أعي منه شيئًا. أتراني أنا من تبدّل... أم أن التلفاز غدا مملًّا إلى هذا الحد؟ بل... منذ متى صار بالأبيض والأسود؟ ضحكت بخفوت. لا... الأبيض والأسود الوحيد هنا هو أنا؛ أما التلفاز فما يزال ملوّنًا كما كان. وزفرت زفرةً طويلة. ترى... إلى متى سأظل أسير هذه الوتيرة؟ من هم في مثل سني اشتروا سياراتهم، وادخروا المال، وجابوا المدن، واقتنوا ما يشتهون، وصنعوا لأنفسهم ذكرياتٍ يبتسمون لها. أما أنا... فما إن يحل موعد الراتب حتى يبدأ بالتلاشي، كأنه لم يأتِ قط. بالكاد يكفي نفقات هذا المنزل. ثم خطر لي السؤال الذي لا يكف عن ملاحقتي: لِمَ تبلغ الأدوية النفسية كل هذا الغلاء؟ تنهدت ساخرًا. تبًّا لشركات الأدوية... بل تبًّا للضرائب أيضًا؛ ما أثقلها وأشد وطأتها! وهذا مع أن المنزل ملكٌ لي، ولست أستنزف راتبي في إيجار. ثم تأتي المواصلات... وهي الأخرى لا تقل شراسةً في ابتلاع ما بقي. بل... تبًّا للحياة بأسرها. ما أبرعها في اختراع أبوابٍ جديدةٍ للإنفاق، كلما ظننت أنني أوصدت آخرها. ...دفءٌ ينساب بين خصلات شعري. مهلًا... منذ متى صار ديان يداعب شعري؟ بل... منذ متى أسندت رأسي إلى فخذيه؟ رمشت ببطء. لقد شردت مرةً أخرى. بات الشرود يختطفني كثيرًا في الآونة الأخيرة، حتى غدوت أغيب عن نفسي دون أن أشعر. غير أن ديان... يحسن اختيار اللحظات على نحوٍ يثير العجب؛ كأنه يدرك ضيقي وإن عجز عن فهم أسبابه، فيحاول أن يبدده بطريقته الخاصة. قال بصوتٍ خفيضٍ رقيق: "سوان... أتريد أن أُهدهدك حتى تنام؟" تأملت وجهه لحظة. ثم أدركت، بعد برهة، أن صوت التلفاز قد اختفى. لقد كتمه ديان. راودتني تساؤلاتٌ لا تنفك تعاودني كلما تأملته. إن تصرفاته... عاقلةٌ على نحوٍ يصعب تجاهله. مهذب، حاضر الذهن، سريع البديهة، ويملك من حسن المعشر ما يندر وجوده. أيعقل أن هذا هو الرجل نفسه الذي قضى أعوامًا في مصحٍّ للأمراض النفسية؟ كلما تذكرت ذلك، ثقل الأمر على صدري. ثمة خلل... خللٌ فادحٌ في نظرة الناس. كيف يُوصم إنسانٌ مثل ديان بالجنون، ويُعامل على هذا الأساس، وهو لا يحمل في قلبه إلا اللين، ولا تمتد يده إلى أحدٍ بسوء، حتى في أشد نوبات مرضه؟ بل إنني، في كثيرٍ من الأحيان، أكاد أراه أعقل من كثيرٍ ممن يصفون أنفسهم بالأصحاء. تبًّا لهما. حقًّا... تبًّا لهما. يدُ ديان... تُشبه أيدي الأمهات. دافئةٌ، رخوةُ اللمس، يغمرها من الحنان ما لا تُفصح عنه الكلمات. ما أغرب هذا الشعور... أكاد أحس أنني، بين يديه، أعود طفلًا فقد عناءه للحظات. لا بأس...سأستريح قليلًا، وأبقى على هذه الهيئة برهةً يسيرة، ثم أنهض لأُتم عملي. برهةٌ فحسب... فقد مضى زمنٌ منذ أن نلت قسطًا حقيقيًّا من الراحة. تبًّا... إنني أشعر حقًّا كطفل. وهذه التهويدة التي يدندن بها ديان...رقيقةٌ على نحوٍ يُفتّت مقاومة النعاس. أكابد كي أبقي جفنيَّ مرفوعين، غير أنهما يثقلان شيئًا فشيئًا، وكأنهما يأبيان إلا أن يطبقا، مستسلمين لذلك الدفء الذي افتقدته منذ زمن. __________________________________________ ظلامٌ مطبق... ظلامٌ كثيفٌ حتى ليُخيَّل إليَّ أنه يبتلع الضوء قبل أن يُولد. والبرد... يا لشدّة ذلك البرد! كان يتسلّل إلى أوصالي في صمت، حتى بلغ العظام، فكأنها تُنزع من مواضعها نزعًا. ارتجف جسدي بعنف. ضممتُ ذراعيَّ إلى صدري، وأخذتُ أفركهما بكفّيَّ عبثًا، أستجدي دفئًا لا وجود له. أين أنا...؟ وما هذا الموضع؟ خفضتُ بصري. فإذا بالأرض تحت قدميّ ليست أرضًا، بل بساطٌ قانٍ بلون الدم، يلمع لمعان المرآة، ويردّ إليَّ صورتي. لكن... ما الذي أراه؟ جسدي...صغير. صغيرٌ إلى حدٍّ موجع. إنها هيئة طفل. ولمّا لم يكد هذا الإدراك يستقر في ذهني، انبثقت من العدم يدٌ غليظة، أحاطت بعنقي من الخلف، ثم جذبتني بقسوةٍ لا تعرف الرحمة. اختنق نفسي. وازداد ضغطها حتى خُيِّل إليَّ أن فقرات عنقي ستتحطم تحت قبضتها. تخبطتُ مذعورًا، وامتدّت يدي إلى الفراغ بلا وعي، تتخبط في العدم، وتفتش عن شيءٍ... أيِّ شيءٍ أتشبث به قبل أن يبتلعني الهلاك. أنقذني... إنني أختنق... انفرجت شفتاي بصعوبة، ولم يطاوعني لساني على النطق إلا باسمٍ واحد. "ديان...!" خرج اسمه متهدجًا، كأن آخر ما بقي في صدري من أنفاسٍ قد تعلّق بحروفه. "ديان... أنقذني!" لم يخطر ببالي سواه. ولم أعرف في تلك اللحظة ملاذًا غيره. كان اسمه وحده آخر ما تشبثت به، وآخر خيطٍ يصلني بالحياة... ثم... في لمح البصر، تراخت القبضة التي كانت تطبق على عنقي، وكأنها استجابت لذلك النداء... سقطتُ على ركبتي، ألهث لهاث الغريق، أحاول أن ألتقط أنفاسي. لكن الأرض خانتني. تموّجت تحت قدميّ، ثم ذابت كما يذوب الجليد، وتحولت إلى بحرٍ كثيفٍ من سائلٍ أحمر قانٍ. وفي لمح البصر... ابتلعني. حاولتُ السباحة، وحاولتُ التشبث بأي شيء، لكن الأعماق كانت أسبق إلى جسدي. أيادٍ لا تُحصى...باردةٌ كالموت... خرجت من القاع، والتفّت حول ذراعي، وساقي، وكتفي، ثم راحت تجرّني إلى الأسفل. كلما قاومتها...ازداد بطشها. وكلما دفعت الماء لأصعد...شدّتني إلى القاع أكثر. كنت أهبط... أهبط بلا نهاية. حتى صار الضوء ذكرى بعيدة، والنَّفَس جمرةً توشك أن تنطفئ، والوعي يتداعى عني قطعةً بعد أخرى. ولم يبقَ في قلبي، وأنا أغرق في ذلك القاع الذي لا قرار.