

ديان...!!!. شهقتُ مذعورًا، وانتفضتُ من مكاني كأنني أفلتُّ لتوّي من قبضة الموت. كان مجرد كابوسٍ آخر. كابوسٌ لا يقل فظاعةً عمّا سبقه. ما يرهقني في تلك الأحلام ليس رعبها فحسب... بل أنها تبدو مفرطةً في الواقعية إلى حدٍّ يفوق الاحتمال؛ أعيشها بكل ما فيها، كأنها ذكرياتٌ عشتها حقًّا، لا أوهامٌ نسجها النوم. كان العرق يتصبب من جبيني وعنقي حتى ابتلّت ثيابي، وأنفاسي تتلاحق في اضطراب، بينما ما زال صدري يعلو ويهبط بعنف، وكأنني خرجت للتو من أعماق بحرٍ كاد يبتلعني. مررتُ كفي على جبيني أمسح العرق، وزفرت ببطء. لقد تواترت هذه الكوابيس في الآونة الأخيرة على نحوٍ يبعث على الريبة. ولا أدري... ما الذي أيقظها في داخلي. رفعت رأسي. كان ديان قد غلبه النعاس، مستندًا مسندًا رأسه إلى طرف الأريكة، في وضعٍ لا بد أنه سيوقظ رقبته على ألم، وقد ارتسم على وجهه سكونٌ بريء، كأن العالم لم يمسسه بسوءٍ قط. ابتسمت ابتسامةً خافتة، وهمست: "بهذه الهيئة ستؤذي عنقك، أيها المهمل." ثم انحنيت إليه بحذر، وحملته على ظهري برفق، خشية أن أوقظه. لقد غلبه النوم... قبل أن أعطيه دواءه. عجيب... في الآونة الأخيرة، لم يعد الإرهاق حكرًا عليّ، حتى ديان يبدو أكثر وهنًا من المعتاد. ترى... كيف يمضي نهاره حين أغيب؟ ما الذي يفعله طوال النهار في غيابي حتى يبدو عليه هذا الإعياء كلما عدت؟ دفعت باب غرفته برفق، ثم تقدمت في هدوء، وأرقدته على سريره كما تُرقد الأم طفلها. سويت الغطاء فوق جسده، وأحكمت أطرافه حوله لئلا يتسلل إليه البرد. وبلا شعور، انحنيت، وقبّلت جبينه قبلةً خفيفة... تمامًا كما اعتاد أن يفعل معي كلما غلبني النوم وأنا صغير. ضحكت في سري، وغمغمت بسخريةٍ دافئة: "ترى... من الطفل بيننا الآن؟" وما لبثت ابتسامتي أن اتسعت قليلًا... لعلها كانت المرة الأولى منذ زمنٍ طويل التي أشعر فيها أنني، ولو للحظةٍ عابرة، لست الأخ الأصغر وحده... بل أخٌ أكبر أيضًا. أطلتُ التأمل في ملامحه. كان الإرهاق بادِيًا عليها، غير أن ذلك لم ينتزع من وجهه سكينته، ولا محا تلك الابتسامة الوادعة التي تلازمه حتى في سباته. كم يبدو مطمئنًا... وكأن النوم عنده ليس انقطاعًا عن الدنيا، بل عودةٌ إلى موطنٍ يعرفه ويألفه. وتراودني، بين الحين والآخر، فكرةٌ عجيبة... أحقًّا أن ديان هو الأشقى بيننا؟ أم أنه... أوفرنا حظًّا؟ لقد انقطع عن عالمٍ يزداد قسوةً يومًا بعد يوم، وانزوى في عالمٍ صغيرٍ لا يعرف إلا البساطة والطمأنينة. عالمٌ لا مكان فيه لصخب الحياة، ولا لسباقها الذي لا ينتهي، ولا للخوف من الغد، ولا لخذلان البشر. أما نحن... فنستيقظ كل صباح لنخوض معركةً جديدة، ونعود آخر النهار وقد استنزفت الحياة منا شيئًا آخر، ثم ننهض في الغد لنكرر المشهد ذاته. بالنسبة لديان... فقد توقفت ساعته عند زمنٍ أكثر رحمة. لا يثقل كاهله همُّ الرزق، ولا تؤرقه الحسابات، ولا يطارده المستقبل، ولا يستنزفه التفكير فيما سيأتي. وفي عالمه... كل يومٍ يكاد يكون يومًا سعيدًا. والأعجب من ذلك كله... أن لا أحدً يطالبه بأن يكون أقوى مما هو عليه، ولا يحمّله أوزار ما لا يملك دفعه، ولا يحاسبه على ما يصدر عنه، لأنه ببساطة... معذور. ... أغبطه. أغبطه لأنه لا يعرف ذلك الشعور الذي يرافقني كل صباح؛ شعور أن عليّ أن أكون أفضل مما أنا، وأن أبدو ثابتًا وإن كنت منهارًا، وأن أخفي كل ندبةٍ في روحي قبل أن أخفيها عن وجهي، لئلا تقع عليها أعين الناس، فتجعل منها حديثًا أو موضع حكم. آه... ما أثقلَ الوعي، وما أشقَّ أن يعيشَ الإنسانُ مُدركًا لكلِّ شيء... أغلقتُ باب الغرفة خلفي برفق، وألقيت نظرةً أخيرة عليه قبل أن أستدير. تنهدت. قيل إن نام دان سيعقد قرانه بعد أيام. وإن باك يوك اشترى سيارةً طالما حلم بها. أما ميان سو، فقد حزم حقائبه، واختار أن يقضي عطلته بين جبال النرويج وثلوجها. وأنا... لم أعرف شيئًا من ذلك قط. لم أجرب يومًا أن أسافر لمجرد الرغبة في السفر، ولا أن أتنزه في حديقة بلا استعجال، ولا أن أجلس في مطعمٍ فاخر لأتناول وجبةً دون أن أحسب ثمنها في ذهني. حياتي... محيطةٌ بجدولٍ واحد لا يتبدل. وكأن الحياة تمضي من حولي، وأنا ثابتٌ في مكاني. نهاري للعمل، ومسائي لديان، وليلي للعمل من جديد. وهكذا تدور الأيام، في دائرةٍ لا أول لها ولا آخر، حتى غدوت أعجز عن التمييز بين الأمس واليوم، وبين هذا الأسبوع والذي سبقه. لا أدري... أأنا الذي أعيش الأيام؟ أم هي التي تعبر فوقي، وتقتطع من عمري عامًا بعد عام، دون أن تترك لي منها سوى الإرهاق؟ أشعر أحيانًا أن شبابي يتسرب من بين أصابعي، وأنا منشغلٌ بمحاولة النجاة لا بالحياة. لكن...ما من سبيلٍ آخر. فديان...لا يملك في هذه الدنيا سواي، ولا أملك أنا رفاهية التوقف. سأواصل المسير ما دمت أستطيع الوقوف...فإن تعثرتُ أنا، فمن ذا الذي سيمد يده إليه؟ تبًّا لهما... آه... ولِمَ أُصرُّ على نبش ما انقضى؟ لن يردّ الماضي ما سلبه، ولن تُعيد الحسرة عمرًا مضى. إنني لا أصنع شيئًا سوى أن أُمعن في اجترار الألم، كمن يبكي على رمادٍ برد منذ زمن، فلا يزيده بكاؤه إلا اختناقًا. وكلما مرّ طيفهما بخاطري، تعكّر صفو نفسي، وانقبض صدري. فلماذا... لماذا ما زلت أسمح لهما بأن يفسدا عليّ يومي، وهما لم يتركا لي يومًا صالحًا أصلًا؟ زممت شفتي، ثم خرجت الكلمات من بين أسناني بمرارةٍ خالصة: "أتمنى أن يتحول لرماد في الجحيم!" انعقد حاجباي، واستحكمت الكراهية في ملامحي. لكن... ما إن ارتسم وجه ديان في ذهني، حتى خمد ذلك الغضب قليلًا. تنهدت وهمست: "سيحزن... لو سمعني." وما أعجب أمره. كلما نلتُ منهما بكلمة، أو أظهرت لهما مقتًا، كان ديان يسارع إلى نهيي، ويطلب مني أن أكف. ولطالما حيّرني ذلك. كيف يستطيع أن يحتفظ بشيءٍ من التوقير لمن كانا سببًا في تحطم حياته؟ كيف بقي قلبه نقيًّا إلى هذا الحد؟ أم أن القلوب الطاهرة... تعجز عن حمل الضغينة، حتى لمن جرحها جرحًا لا يندمل؟ أما أنا... فبعيدٌ كل البعد عن ديان. قلبي لا يصفح بسهولة، وإذا امتلأ بالمقت، طال به المقام. ولعل الحقد أسرع إلى نفسي من التسامح. إني أعجز عن تخيل ديان يحمل في قلبه كراهيةً لأحد. كأن الضغينة لم تُخلق لتسكن ذلك القلب. ولعلها طهارةُ سريرته؛ فما كان قلبٌ بتلك الرقة ليجيد البغضاء، ولا أن يُقيم فيها. على أي حال... لم أسمعه يومًا يذكر والدينا، ولا رأيته يسأل عنهما. وأغلب ظني أنه لم يعد يذكرهما أصلًا، أو أن صورتيهما قد انمحت من ذاكرته، حتى إنه ما كان ليعرفهما لو وقفا أمامه. ...ولعل ذلك خير. فبعض الذكريات لا تُعدُّ نعمةً إلا إذا نُسيت. لقد بلغ الرابعة والثلاثين من عمره... وامضى العمر وهو حبيس عالمٍ لم يختره. وضاع من سنينِه ما لا يُعوَّض. تنهدت بمرارة. يبدو أننا، كلانا، لم نحسن اقتسام الحظ. جلست أمام الحاسوب، وأسرعت بتشغيله، فما زال ينتظرني كثيرٌ من العمل، وقد تأخرت أكثر مما ينبغي. لكن... ما بال شاشة الحاسوب؟ ظلت الصورة تضطرب أمام عيني، تتشوش ثم تستقيم، ثم تعود إلى اضطرابها من جديد. عقدت حاجبي. وفي اللحظة نفسها، اندفع صداعٌ حاد كالسهم يشق رأسي، حتى خُيّل إليّ أن جمجمتي ستنصدع من شدته. ضغطت على صدغي بكلتا يدي، محاولًا كبح ذلك الألم. لكن عبثًا... بل إنه يزداد ضراوةً كلما قاومته. ولشدة ما استبد بي، هوى جبيني على سطح المكتب مرةً، ثم أخرى، في محاولةٍ يائسةٍ لإخماد ذلك الوجع الذي يلتهم رأسي. يا للحماقة، حتى المسكنات لم تعد تجدي نفعًا. أم أن جسدي اعتادها حتى فقدت أثرها؟ ...تبًّا. ليس هذا وقت الانهيار. يكفيني أن أنجز ما تبقى عليّ الليلة، ثم لينهار كل شيء بعد ذلك إن شاء. نهضت مترنحًا، واتجهت إلى الرف حيث أحتفظ بالأدوية. هناك... كانت أدوية ديان مصطفةً إلى جانب أدويتي. مددت يدي إليها، لكن أصابعي خانتني، وشعرت بمعدتي تنقبض بعنف. آه... أوشكت أن أتقيأ. ثم أخذت الغرفة تدور بي ببطء، قبل أن تتسارع دورتها حتى غدت الجدران والسقف والأرض كتلةً واحدةً لا أميز بينها. تشبثت بحافة المكتب بكل ما بقي فيّ من قوة، لكن قدميّ لم تعودا تحملانني. بدأ الظلام يزحف إلى أطراف بصري... شيئًا فشيئًا، حتى ابتلع كل شيء. استعدتُ وعيي على لفحةِ برودةٍ تلامس جبيني. فتحتُ عينيَّ ببطء، فإذا بمنشفةٍ مبللةٍ تستقر فوق رأسي، وقد تبدلت برودتها إلى دفءٍ خفيف. رمشتُ مراتٍ متثاقلة، ثم أدرتُ بصري في الغرفة. أنا... في سريري؟ واللحاف مطبقٌ عليَّ بعناية. حاولتُ أن أستعيد آخر ما حدث. آخر ما أذكره أنني قصدت الرف لأتناول دواءً يخفف ذلك الصداع اللعين... ثم...انقطع كل شيء، لا بد أنني فقدتُ وعيي. التفتُّ إلى جواري. كان ديان يجلس بمحاذاة السرير، وإلى جانبه وعاءٌ صغير امتلأ بالماء، وقد غُمرت فيه قطعة القماش التي وضعها على جبيني. بدت على وجهه آثار السهر، وكأن النوم لم يطرق جفنيه منذ سقوطي. وما إن التقت عيناه بعيني، حتى أضاء وجهه كأنما انقشع عنه ليلٌ طويل، واتسعت ابتسامته ابتسامةً صافية. أسرع يمسك يدي بكلتا يديه، وقال بصوتٍ يفيض ارتياحًا: "سواان... الحمد لله! لقد استيقظت! ألم أقل لك إنك تبدو مريضًا؟ أنت مصاب بالحمى، حتى وجهك شاحبٌ جدًا." حاولتُ أن أجيبه، غير أن صوتي خرج خافتًا متكسرًا، حتى خُيّل إليَّ أنني بالكاد أسمعه. "لا... أنا بخير... كل ما في الأمر أنني لم أنم منذ مدة." انعقد حاجباه في قلق ثم ما لبث ذلك العبوس أن ذاب، ليخلفه حزنٌ صادق ارتسم في عينيه وهو يقول برفق: "سوان... أنت متعبٌ حقًا. لماذا لم تنم؟ هل سهرت من أجل الامتحان؟ أكنت تراجع دروسك؟" أطرقتُ برأسي. ...بل من أجل العمل، ومن أجل أن يبقى هذا البيت قائمًا، ومن أجل ألا ينقطع دواؤك، ومن أجل لقمةٍ لا تأتي إلا بثمنٍ باهظ. لكن... كيف لي أن أقول لك ذلك؟ رفعتُ رأسي، وأكرهتُ شفتيَّ على ابتسامةٍ باهتة، لم تبلغ عينيَّ، ولم تحمل من الطمأنينة إلا صورتها. "لا... إنما أنا ب_" لكنّه لم يمهلني. قاطعني بنبرةٍ حازمة، لم أعتدها منه قط: "لا تحاول أن تخدعني يا سوان." وشدّ على يدي قليلًا، كأنّه يخشى أن أفلت منه. ورفعت عيناي إليه... فإذا بعينيه تقاومان الدموع في عناد، وقد لمعتا ببريقٍ مرتجف، بينما كان يحبس عبرته بكل ما أوتي من قوة. ثم قال بصوتٍ اختلط فيه العتاب بالخوف: "حتى ابتسامتك... لم تعد تقوى على حملها. لقد أخبرتك ألا تُرهق نفسك. حالتك سيئة حقًّا يا سوان... وأنا..." توقّف لحظة، وكأن الكلمات أثقل من أن تُقال. "...أنا قلقٌ عليك." انفرجت شفتاي، غير أن الكلمات أبت أن تخرج. اختنقت الكلمات في حلقي. فتحتُ فمي، ثم أطبقته من جديد. بأي لسانٍ أشرح له؟ وكيف أُخبره أنني لا أسهر طلبًا لعلمٍ، ولا رغبةً في نجاح...بل لأن الحياة لا تمنحني حقَّ النوم؟ أغمضتُ عينيَّ في وهن، فقد بلغتُ من التعب مبلغًا... حتى صارت الحقيقة أعجز من أن تُقال. افترَّت شفتاي، كأنني أتهيأ لقول شيء. "أنا..." لكن الكلمات تكسرت قبل أن تبلغ لساني، واستقرت غصةً ثقيلةً في حلقي. بماذا أجيبه؟ وأيُّ جوابٍ يسعه أن يحمل ما أعجز عن حمله أنا؟ لن يفهم...ولست ألومه. فكيف لمن لم يذق هذا الثقل، أن يدرك وطأته؟ كيف أُخبره أنني لا أسهر طلبًا لعلمٍ، ولا رغبةً في نجاح... بل لأن الحياة لا تمنحني حقَّ النوم؟ أغمضت عيني ببطء. لم أعد أملك طاقةً للكلام، ولا حتى للاعتذار. كل ما كنت أشعر به، في تلك اللحظة... أنني بلغت من الإنهاك حدًّا لم يعد معه الجسد يطلب الراحة، بل يستجدي النجاة. لقد... تعبت. انتفضتُ من السرير انتفاضةَ مذعورٍ أفزعه هولُ ما رأى، فاستويتُ جالسًا في لمح البصر. وانزلقت المنشفة المبللة عن جبيني، لتسقط فوق الغطاء، فيما ارتدّ ديان إلى الوراء وقد أفزعته حركتي المفاجئة. استدرتُ إليه بعينين يملؤهما الذعر، وهتفت بصوتٍ متقطع: "الساعة... كم الساعة؟!" حدّق إليّ حائرًا، وقد ارتسمت الدهشة على وجهه، وكأنه يعجز عن إدراك سبب هذا الفزع الذي اجتاحني. زفرت في ضيق. تبًّا... ما جدوى سؤاله؟ قفزتُ من السرير كمن يفر من كارثة، وهرعت نحو الساعة المعلقة على الجدار. ثم...توقفت، تجمدت عيناي عند عقربيها. السابعة...والنصف صباحًا. شحب وجهي. لا...لا يُعقل، لقد انقضى يومٌ كامل! يومٌ بأكمله انقضى وأنا غارقٌ في الفراش. لم أُنجز تقريرًا واحدًا، ولم أُتم عملًا، بل وحتى عملي...تأخرت عنه! هوى قلبي إلى قاع صدري، وقبضتُ على رأسي بكلتا يدي، وقد اجتاحني الذعر. "تبًّا...!" خرجت الكلمة من بين أسناني، لا غضبًا، بل يأسًا. واندفعت أتنقل في أرجاء الغرفة كمن يطارده الزمن. اختطفت ثيابي وارتديتها على عجل، أعقد أزرار قميصي بيدٍ، وأهذب شعري بالأخرى، بينما تتعثر حركاتي من فرط الاضطراب، حتى غدا جسدي يسبق عقلي في اللهاث. وكان ديان يتبعني من مكانٍ إلى آخر، يناديني بصوتٍ تغشاه الحيرة والقلق، يحاول أن يستوقفني، أو أن يفهم ما الذي أفزعني على هذا النحو. لكنني لم أستطع حتى الالتفات إليه. ليس الآن! فالوقت ينسل من بين يدي كما ينسل الماء، وكل ثانيةٍ تمضي تُحكم الطوق حول عنقي. لا بد أن أخرج، قبل أن يسبقني كل شيء. قبل أن أخسر عملي... وكل ما بقي لي. اختطفتُ حقيبتي، ثم هويت جالسًا عند المدخل أُحكم رباط حذائي على عجل. وخلفي، لم ينفك ديان يناديني؛ "سوان..." ثم يعيدها. "سوان..." مرةً تلو أخرى، حتى أخذ اسمي يتردد في أرجاء المنزل بلا انقطاع. وكان الوقت يفرّ من بين يدي، وصبري ينفد معه. وفجأة..استدرت إليه، وقد غلبني الغضب، وصحت بصوتٍ دوّى في المكان: "مــاذا؟! ماذا تريد؟! أتعجز عن الكفّ عن مناداتي؟!" ارتدّ إلى الخلف خطوةً، وكأن صرختي أصابته في مقتل. تردد طويلًا، ثم ابتلع ريقه بصعوبة، وقال بصوتٍ واهن: "سوان... أنت مريض... لا تذهب إلى المدرسة." ... المدرسة. ما يزال الزمن عنده متوقفًا هناك. أما أنا... فقد ابتلعتني الحياة منذ زمن. انفجر ما كنت أكتمه دفعةً واحدة. "اصمــت!" خرجت الكلمة قاسيةً حتى إنني لم أعرف نفسي. "كفى ترديدًا للمدرسة! أيُّ مدرسةٍ هذه التي لا تكف عن ذكرها؟! أنا سأتأخر عن عملي! عملي... أتفهم؟!" قبضتُ على مقبض الباب بعنف، وهممت بالخروج. لكن صوته لحقني مرةً أخرى. "...سوان." التفتُّ إليه بنفاد صبر، ولم ألحظ الارتعاشة التي خنقت صوته. "مــاذا الآن؟!" ... سقط غضبي كله في لحظة. كانت الدموع تنحدر على خديه بلا انقطاع، بينما يمسحها بظاهر كفه في ارتباكٍ طفولي، وفي يده الأخرى صندوقُ طعامٍ صغير، كان يضمّه إلى صدره خشية أن يسقط. مدّه نحوي بيدٍ مرتجفة، وقال بين شهقاته: "خذه... ستخرج من دون أن تفطر... وستجوع." ساد الصمت. وأدركت الحقيقة التي غابت عني. لم يكن يحاول إيقافي، ولم يكن يلحّ عليّ عبثًا. كان يناديني منذ البداية... لأنه خشي أن أغادر بمعدةٍ خاوية. شعرت بشيءٍ يعتصر صدري. لقد تجاوزتُ الحد. وتحوّل غضبي، الذي لم يكن موجَّهًا إليه أصلًا، إلى سكينٍ غرستها في قلبه البريء. وقفت عاجزًا. لا أعرف بماذا أعتذر، ولا كيف أجبر ما انكسر في تلك اللحظة. فاكتفيت بأن تناولت صندوق الطعام من يده، وهمست بصوتٍ خافت: "...شكرًا." ثم فتحت الباب، وغادرت على عجل، لا هربًا من التأخر هذه المرة، بل هربًا من تأنيب الضمير الذي أخذ يلاحقني مع كل خطوة. اندفعتُ أعدو، ألهث وراء الوقت الذي أفلت من بين يدي. تبًّا...لقد سبقتني الحافلة. وقفت أحدق إلى أثرها وهي تبتعد، حتى خُيّل إليّ أنها تسخر من عجزي. تأخرت، تأخرت حقًّا. وهذا يعني خصمًا جديدًا من الراتب. أما الترقية، فربما ابتعدت عني خطوةً أخرى. آه...ما أحوجني إليها. لوّحت بيدي لأول سيارة أجرة مرت، فوقفت على الفور. ارتميت في مقعدها الخلفي، ولم تفارق عيناي الطريق لحظةً واحدة، كأن استعجالي وحده كفيلٌ باختصار المسافات. وأخيرًا... بلغت الشركة. لكن بعد أن تجاوزت عقارب الساعة الحد الذي يُغتفر. أسرعت إلى بوابة الدخول، وأخرجت بطاقة الموظف، ثم مررتها على جهاز الحضور. لم يصدر شيء، فأعدت المحاولة، ثم ثالثة. وما زال الجهاز يرفضها، كأن بطاقتي لم تعد تعرفني. زممت شفتي، وتمتمت ساخطًا: "تبًّا... أيُّ يومٍ هذا؟" وكأن المصائب آلت على نفسها ألا تتركني ألتقط أنفاسي. وقع بصري على المشرف، كان يقف غير بعيد، يراقب الداخلين. أطرقت رأسي في استسلام. حسنًا... ها قد حان وقت التوبيخ، وربما يليه الخصم. خفضت رأسي، وأعددت نفسي لسيل العتاب الذي اعتدته. غير أن ما وقع...أربكني. ابتسم في وجهي ابتسامةً رحبة، ثم انحنى انحناءةً مهذبة، وقال بنبرةٍ يشيع فيها اللطف: "صباح الخير. أهلًا بقدومك، وأرجو أن يكون يومك مباركًا." توقفت عن التفكير، ورفعت رأسي إليه ببطء. ما الذي سمعته للتو؟ أهذا هو المشرف نفسه؟ منذ متى يستقبل الموظفين بهذه البشاشة؟ بل... منذ متى ينحني لهم؟ لعل مزاجه في أصفى حالاته اليوم... أو لعل الحمى ما زالت تعبث برأسي، حتى غدوت أرى ما ليس موجودًا. زفرت في حيرة. لا بأس... إن كنت قد أفلتُّ من التوبيخ، فلن أُفلت من الخصم. فذلك أهون الشرَّين. وتابعت سيري نحو مكتبي بخطًى مثقلة، ورأسي مطرق، وما برح ينبض بذلك الألم اللعين، وكأن كل نبضةٍ تذكرني بأن هذا اليوم لم يبدأ بعد بما يكفي من السوء. جلستُ إلى مكتبي، وأخرجت حاسوبي المحمول، ثم أطلقت زفرةً خافتة. على أي حال... لن يفيدني القلق. سأنجز الأعمال المتراكمة، ثم أفرغ لما تأخر من تقارير الأمس. فقد تردد أن قائمة الترقيات ستُعلن اليوم. وربما...لا تزال لي فرصة. أخذت أصابعي تتحرك فوق لوحة المفاتيح بلا هوادة، حتى مضت قرابة ساعتين، لم أرفع خلالهما رأسي إلا نادرًا. وحين فرغت، أرخيت جسدي إلى الأمام، وأسندت جبيني إلى سطح المكتب. آه...إنني مرهق. كانت عيناي تؤلمانني، ورأسي يثقل كأنما حُشي بالرصاص. وما زالت صورة ديان...تلك الدموع التي انهمرت من عينيه وهو يناولني صندوق الطعام، لا تفارق خاطري. كلما حاولت أن أنساها، عادت إليّ أشد حضورًا، وكأنها تؤنبني في صمت. "هل أنت بخير؟" جاءني صوتٌ رقيق ناعم من جانبي. "لمَ تجلس هنا؟" رفعت رأسي ببطء. كانت هي رِين، إحدى زميلاتي في العمل. شعرها بنيٌّ فاتح، قصيرٌ يلامس عنقها، تتدلى غرتها إلى أحد الجانبين، وتحيط بعينيها العسليتين ملامحُ هدوءٍ ولطف. لا يمكن إنكار أنها حسنة الهيئة، مهذبة المعشر. لكن... ما شأنها بي؟ في الآونة الأخيرة، أخذت تكثر من سؤالي والاطمئنان عليّ، حتى غدا الأمر يثقل عليّ شيئًا فشيئًا. أهذا مكتبي أم مكتبها؟ ولِمَ تصر على التلصص على حالي كلما رأتني؟ زفرت في ضيق. كم يعجز الناس عن إدراك الحدود. بل... كم يبدو الجميع مزعجين، حين يظنون أن لهم حقًّا في اقتحام صمت الآخرين. لم أُكلّف نفسي حتى عناءَ رسم ابتسامة. واكتفيت بأن أجيبها بصوتٍ باردٍ خالٍ من الانفعال: "أنا بخير... شكرًا لسؤالك." آه. هل أبدو فظًّا إلى هذا الحد؟ لطالما لاحقتني الشائعات منذ صغري؛ يقولون إنني لئيم، متكبر، ثقيل الطباع، لا أجيد إلا الصدود. ولعلهم...لم يكونوا مخطئين تمامًا. أعدتُ إسناد رأسي إلى سطح المكتب، وأطلقت زفرةً مثقلة. آه...كم سئمت هذه الحياة. متى يأتي ذلك اليوم الذي أحصل فيه على الترقية؟ كأن القدر سمع همسي. إذ قالت هي رِين فجأة: "آه... لقد أُعلنت أسماء المُرقَّين. آمل أن أجد اسمي بينها." ا نعقد حاجباي. أقلتُ ما كنت أفكر فيه بصوتٍ مسموع؟ لكن...مهلًا. ماذا قالت؟ انتفضتُ رافعًا رأسي من فوق المكتب بسرعةٍ أفزعتها، حتى إن الكرسي انزلق خلفي، وخرج السؤال من فمي قبل أن أملك زمامه: "حقًّا؟!" اتسعت عيناها، وارتسمت الدهشة على وجهها، يمازجها شيءٌ من القلق. أما أنا، فلم ألبث أن أدركت ما بدر مني. تنحنحتُ بخفة، وأطرقت برأسي قليلًا، محاولًا أن أستعيد ما تبقى من وقاري. يا للموقف...كم يبدو محرجًا. مع أن الأمر لا يستدعي كل ذلك الاستغراب. أليس من الطبيعي أن يفرح المرء حين يسمع خبرًا قد يغيّر حياته؟ ...حقًّا. كان يكفي أن تكفّ عن النظر إليّ وكأنني رأيت معجزة. أعدتُ نظري إلى شاشة الحاسوب، وأخفيتُ اضطرابي خلف نبرةٍ باردة، كأن الخبر لا يعني لي في شيء، مع أن قلبي كان يضجُّ ترقبًا. "حسنًا... شكرًا لإخباري. سأُتم ما بين يدي أولًا، ثم أطلع على القائمة." يا لها من كذبةٍ ساذجة. فلو استطعت، لهرعت إليها في تلك اللحظة. لكنني تماسكت. لطالما آمنت أن العمل أمانة، وأن من استرعاه الناس مسؤوليةً لا يتركها لأجل شوقٍ أو فضول، مهما عظم. فأعدت يدي إلى لوحة المفاتيح، وغرقت من جديد بين الملفات والتقارير. ومضت الساعات بطيئةً ثقيلة، حتى خُيّل إليّ أن عقارب الساعة قد ملت الحركة. وحين انتهيت من آخر مهمة، أرخيت ظهري إلى مسند الكرسي، ثم دفعته إلى الخلف وتمطيت ببطء. تناهى إلى سمعي طقطقة مفاصلي احتجاجًا. "آخ..." كأن ظهري يطالبني بحقوقٍ أهملتها أعوامًا، لا ساعات. وفي تلك اللحظة، باغتني الجوع حتى انقبضت معدتي انقباضًا مؤلمًا. عندها، وقع بصري على علبة الطعام المستقرة فوق الطاولة. تلك العلبة، التي دسّها ديان بين يديّ، وهو يحبس دموعه ويجاهد ألّا تنهمر. ظللت أحدق فيها برهةً طويلة، ثم مددت يدي إليها وفتحتها على مهل. كانت الوجبة قد بردت... غير أنها بدت لي أدفأ من كل وجبةٍ ذقتها في حياتي. ارتسمت على شفتي ابتسامةٌ شاحبة، وأنا أتناول أول لقمة. في النهاية...كان هو من أنقذني من الجوع. أما أنا.. فلم أكافئه إلا بالصراخ في وجهه. يا لها من مكافأةٍ تليق بمن لم يرد لي سوى الخير. أطبقت جفني، وعادت إلى ذهني صورته؛ عيناه المغرورقتان، وصوته المرتجف. آه...كم كنت قاسيًا، وكم كان هو... رقيقًا. زفرت ببطء. ما إن أعود إلى المنزل، حتى أعتذر إليه. اعتذارًا يليق بقلبٍ لم يعرف إلا المحبة. ثم...إن كنت من بين المرقَّين، فسأخبره أولًا. أعرف جيدًا أنه سيفرح أكثر مني. وربما...أصطحبه إلى المتنزه. أو نخرج معًا لنأكل المثلجات، كما كان يرجوني في كل مرة، فأعتذر بحجة العمل. لا...لن أعتذر هذه المرة، لقد أخذت الحياة منا ما يكفي. حان الوقت، لأمنح أخي يومًا سعيدًا، ولو كان يومًا واحدًا. كدتُ أغرق في أحلامٍ حيكت على عجلٍ بخيوط الأمل. لكنني انتزعت نفسي منها سريعًا. لا... ليس بعد. لن أسمح لقلبي أن يفرح قبل أن تقع عيناي على اسمي. نهضت من مكاني، واتجهت بخطًى متثاقلة نحو لوحة الإعلانات. وكانت التهاني تتعالى من كل جانب. ضحكاتٌ تتعاقب... ومصافحاتٌ حارة... ووجوهٌ أشرقت بعدما أينع انتظارها. يبدو أن عددًا كبيرًا من الموظفين قد نال الترقية. حتى باك يوك... إذًا... فلعل اسمي بينهم أيضًا. وقفت أمام القائمة، وأخذت أتفحصها سطرًا إثر سطر، وعيناي تتشبثان بكل اسمٍ يمر أمامهما. تمتمت في خفوت: "سونغ..." "سونغ جي..." "سونغ جين..." آه... عدت إلى أول القائمة. وقرأتها مرةً أخرى... ثم ثالثة... فرابعة...وفي كل مرةٍ كنت أقنع نفسي بأنني تجاوزت اسمي سهوًا، وأنه لا يزال هناك، ينتظر أن تقع عليه عيناي. لكن...لم يكن ثمة ما أغفلته. توقفت عيناي أخيرًا. وفي تلك اللحظة... خبا كل شيء. لم يكن هناك. اسم سونغ جين... لم يكن بين المترقين.
30 مشاهدة · هل استمتعت بالسلسلة؟ اشترك وادعم مبدعها!
كن أول من يعلق!