

ظللت أحدق في الورقة صامتًا، كأن الحروف قد تجردت من معانيها، أو كأن بصري يأبى الإذعان لما يراه. وللحظةٍ أخيرة... تعلقتُ بوهمٍ بالغ السذاجة. فلعلهم أخطأوا في الطباعة. أو لعل ثمة قائمةً أخرى لم تُعلَّق بعد. لكن الحقيقة كانت أشد بساطةً... وأقسى وقعًا. لم أنل الترقية. كانت تلك فرصتي...بل آخر ما تشبثت به من أمل. وحين انفرط من بين يدي، شعرت وكأن شيئًا في داخلي قد انكسر بصمت. باغتني باك يوك من الخلف، وأمسك بي وهو يقول بصوتٍ متعجب: "أنت لم تقرأ قائمة الترقيات؟" لكنني لم أُجبه. اكتفيت بأن استدرت، وسرت نحو مكتبي بخطواتٍ بطيئة. لم أكن أدري أكان ذلك إرهاقًا أم فراغًا، لكن جسدي بدا واهيًا على نحوٍ لم أعهده؛ كأن عظامي فقدت قدرتها على حملي، وكأنني سأهوِي عند أول خطوة. عجيبٌ كيف تستطيع خيبةٌ واحدة أن تُثقل الجسد كله. جلست أمام مكتبي. في تلك اللحظة، اهتز هاتفي مرارًا، تتعاقب إشعاراته بلا انقطاع. أطرقت إليه طويلًا. رسائل...رسائل اعتدت تأجيل قراءتها. مطالباتٌ بديونٍ تراكمت شهرًا بعد شهر، حتى غدت أثقل من أن أتجاهلها. كنت أُمني نفسي بأن الترقية ستنهي كل ذلك. ستمنحني متسعًا من الهواء. أما الآن... فمن أين سأدفعها؟ حتى أيام العطل لم أتركها تمر دون عمل. بذلت كل ما استطعت. وكل ذلك...لم يكن كافيًا. نهضت من مكاني. لم أكن أعلم إلى أين أقصد، ولم يعد يعنيني أن ساعات الدوام لم تنقضِ بعد. كل ما أردته هو أن أبتعد. خلفي، سمعت صوت هي رين تناديني. نادَت مرة، ثم مرة أخرى، لكنني لم ألتفت. واصلت السير، وغادرت الشركة التي أفنيت فيها خمسة أعوام، موظفًا إداريًا، ظنَّ يومًا أن الإخلاص وحده كفيل بأن يغيّر مصيره. غير أن الأبواب، أحيانًا، لا تُفتح مهما طال الوقوف أمامها. كان المطر ينهال بغزارة... وما برحت أكرهه؛ كأنه اختار أن يكون رفيقي كلما ضاقت بي الدنيا. السماء غارقة في الرماد، كئيبةً كقلبي، لا لون فيها سوى الخواء. أخطو ببطء، خطوةً إثر أخرى. لم أحمل مظلة، ولم أعد أكترث إن ابتللت، أو خُصم من راتبي، أو وقع أي مكروه؛ فما عاد شيء يثير في نفسي اكتراثًا. بالكاد أشعر بشيء... فراغٌ محض. كأن أمري قد انقضى قبل أن ينقضي عمري. رأسي يفتك به الصداع، والحمّى تلتهم جسدي. كان جسمي يتقد نارًا، حتى إن هذا المطر المنهمر عجز عن أن ينتزع منه شيئًا من حرارته. آه... حتى أجرة المواصلات لا أملكها. لا بأس، سأمضي سيرًا. ولكن... ماذا لو سقطت مريضًا؟ من سيرعى ديان؟ وإن متُّ... فمن سيبقى له؟ أأبحث عن عملٍ إضافي لأوفر المال؟ كلا... فما عاد في يومي متسع، ولا في جسدي بقية طاقة. أنا... ما الذي فعلته بحياتي؟ لم أحقق شيئًا يُذكر. الجميع يمضي من نجاحٍ إلى نجاح، يرتقي، ويتغير، ويكبر...إلا أنا. أفنيت أعوامي في رعاية رجلٍ فقد عقله، رجلٍ لا يبدو أن للشفاء إليه سبيلًا. يا لغبائي... حتى أهله نبذوه، وأودعوه مصحًّا للأمراض العقلية، إذ رأوا أن ذلك موضعه. أما أنا، فقد حملته من هناك مزهوًّا بوهم قدرتي على أن أمنحه رعايةً أفضل. فأيُّ أحمقٍ كنت؟ ما ظلمته وحده... بل ظلمت نفسي معه. أهدرت عمري بين أملٍ لا يُرجى، وحملٍ لا ينقضي. فلا أنا عشت حياتي، ولا ذقت فيها راحةً، ولا عرفت لها طعمًا. لقد تعبت... تعبت من كل شيء. أجرُّ قدميَّ خطوةً إثر أخرى، إلى حيث لا أدري. لم أعد أعلم إلى أين أقصد، ولم يعد يهمني أصلًا. رأسي يتقد حُمّى، والألم ينهشني بلا هوادة. إلى أين أذهب؟ أأعود إلى المنزل محمّلًا بهذه الخيبة الثقيلة؟ أنا... رفعت بصري إلى السماء، وكانت تمطر بغزارة. انهمرت القطرات على وجهي بعنف، حتى غمر هديرها كل ضجيجٍ من حولي، فلم أعد أسمع سوى وقع المطر... ووقع انكساري. أنا... لقد استسلمت. "بييييييب!" مزّق بوقٌ حادٌّ سمعي، وأعقبه وميضٌ أبيض خاطفٌ أجبرني على أن أخفض رأسي. ثم دوّى صوت احتكاكٍ عنيف، كأن الحديد يشكو احتضاره. ما هذا؟ يزيد صداعي اشتعالًا فحسب، ولِمَ لا ينطفئ ذلك الضوء؟ ولِمَ يُصرّ كلُّ شيء على أن يثقل هذا اليوم أكثر؟ تشوّش بصري لبرهة، ثم أخذت ملامح العالم تستعيد وضوحها شيئًا فشيئًا. أطلق صوت زفرةً معدنية وإذا بسيارة تتوقف على بُعد خطواتٍ مني، بينما ظل صاحبها يحدّق إليّ مذهولًا، وقد اختلط غضبه بذعرٍ لم يستطع إخفاءه. أطرقت برأسي في صمت. مسحت قطرات المطر عن وجهي، بينما كان الرجل قد تقدم إلي وهو يصرخ في وجهي بشتائم غاضبة، وصوته يخترق هدير المطر. احتجت إلى لحظاتٍ طويلة حتى استوعبت ما حدث. عندها فقط أدركت الحقيقة... كنت، من غير أن أشعر، قد وجدت نفسي في منتصف الطريق السريع، واقفًا أمام سيارةٍ مندفعة. ولولا أن السائق ضغط المكابح في اللحظة الأخيرة، لانتهى الأمر بكارثة. يا للمفارقة... حتى هذه النهاية أبت أن تتم. ثم مرّت في خاطري سخريةٌ مُرّة، أشدُّ قسوةً من كل ما سبق. ولو وقع الاصطدام حقًّا... فمن يدري؟ لعلني لم أكن لأموت أصلًا، بل كنت سأخرج منه حيًّا مثقلًا بإصاباتٍ لا تُحصى، ثم أُلقى على سرير مستشفى، عاجزًا عن سداد تكاليف علاجٍ لا أملك ثمنه. حتى المصائب... لا تأتي إليّ كاملة، بل تترك لي ما يكفي لأتحمل تبعاتها. تنفست بعمق، ثم اعتدلت في وقفتي، وانحنيت للرجل معتذرًا بصوتٍ خافت عن سوء تصرفي، قبل أن أوليه ظهري وأمضي. أظن... أنني سأعود إلى المنزل في النهاية. رفعت معصمي أتفقد ساعتي، وقد غمرتها قطرات المطر. ولولا أنها ساعةٌ قديمة صُنعت لتقاوم الماء، لكانت قد تعطلت منذ زمن. الساعة العاشرة والنصف. لقد تأخرت حقًّا...بل تأخرت أكثر مما ينبغي. ترى... كيف حال ديان الآن؟ هل ينبغي أن أركض عائدًا إلى المنزل؟ لكنني تجاوزته بالفعل، ثم إن الركض ليس فكرةً سديدة في حالتي. أخشى أن ينتهي بي الأمر مغمًى عليّ في منتصف الطريق. وعند هذه الفكرة، وقع بصري على يديّ..كانتا فارغتين. لحظة... هاتفي... وحقيبتي...؟! لقد تركتهما جميعًا على مكتبي في العمل. تنهدت تنهيدةً مثقلة. حسنًا...سأعود سيرًا على الأقدام. حقًّا، من الذي يحب المطر؟ انظر إلى حالي؛ ثيابي تقطر ماءً، وجسدي يرتجف بردًا، ومن المرجح أن أقضي الأيام المقبلة طريح الفراش بسببه. ولا يكتفي بذلك، بل يتسبب في حوادث السير، ويضاعف المصائب، ويجعل الطرق أكثر خطرًا. ثم يخرج من يصفه بالرومانسي أو الجميل! يا له من هراء. بلغتُ عتبة المنزل وعندها فقط تذكرت. المفاتيح!! أطلقتُ زفرةً مثقلة، وأغمضتُ عيني برهةً، ثم تمتمتُ بسخريةٍ مريرة: "أحسنت يا أنا... لقد تركتها هي الأخرى في المكتب." رفعتُ يدي المثقلة وطرقتُ الباب. ثلاث طرقاتٍ متتابعة. انتظرتُ قليلًا، ثم كررتُ الطرق مرةً، ثم أخرى، حتى جاوزتُ أربع محاولات. كنتُ أسمع حركةً خافتةً في الداخل؛ كان ديان مستيقظًا بلا ريب. صررتُ على أسناني، وصحتُ بصوتٍ أرهقه التعب: "بحق ربّ السماء يا ديان! أسمعك... انهض وافتح الباب!" ساد الصمت. لا جواب. زفرتُ بحرارة، وأحسستُ أن الحمى تلتهم ما بقي من قوتي. بهذا المعدل سأسقط مغشيًّا عليّ قبل أن يفتح الباب. نفد صبري. حسنًا، سأدخل من النافذة. ولحسن الحظ، كنتُ قد اتخذتُ هذا الاحتياط منذ زمن، تحسبًا لمواقف كهذه. استدرتُ حول المنزل حتى بلغتُ نافذة المطبخ، وكانت مواربةً كما اعتدتُ أن أتركها. دفعتها برفق، ثم تشبثتُ بالحافة، ورفعتُ جسدي بصعوبة قبل أن أهبط داخل المطبخ. أغلقتُ النافذة خلفي. وتساقطت المياه من ثيابي المبتلة على الأرض، حتى أخذت قطراتها تغمر البلاط وتخلّف خلفي أثرًا رطبًا مع كل خطوة. أطلقتُ تنهيدةً قصيرة، ثم هززتُ رأسي ساخرًا. بحق ربّ السماء... لو رآني أحدٌ الآن، لظن أنني لصٌّ يتسلل إلى منزلٍ غريب. ومن فرط السخرية أن المنزل منزلي أنا. عندها فقط تبيّنتُ الصوت بوضوح. وما إن أطلتُ برأسي حتى تبددت شكوكي. كان ديان يهوي برأسه إلى الجدار مرةً تلو أخرى. لا بد أنه تأخر عن موعد دوائه... ولهذا اجتاحه ذلك الصداع اللعين من جديد. أغمضتُ عيني بإعياء، وأطلقت زفرةً ثقيلة. وأنا أيضًا، يكاد رأسي ينفجر من شدة الألم، يستنزف ما بقي في جسدي من قوة. سأدخل أولًا لأستحم، وأبدّل هذه الثياب التي تقطر ماءً، ثم أعود إليه. لن أستطيع الاعتناء به وأنا على هذه الحال. اصبر قليلًا يا ديان...لن أتأخر. خطواتٌ معدودة، ثم أعود إليك. فرغتُ من الاستحمام، وبدّلتُ ثيابي المبتلة، ثم ألقيتُ منشفةً صغيرة فوق رأسي. كنتُ أنوي تجفيف شعري، غير أن عليّ الاطمئنان على ديان أولًا. توجهتُ إلى غرفته. كان المشهد كما تركته، يجلس منكمشًا، يتأوه بأنينٍ متقطع، والدموع تنحدر على وجنتيه، بينما يهوي برأسه إلى الجدار مرةً بعد أخرى، كأن الألم قد ضاق به حتى لم يجد له منفذًا سوى أن يرتد على جسده. وقفتُ أحدق فيه طويلًا. لا أدري، متى أصبحتُ بهذا القدر من البلادة؟ في السابق، كان مشهدٌ كهذا كفيلًا بأن يبعثر أنفاسي، فأهرع إليه مذعورًا، أبحث عن أي سبيلٍ يخفف عنه. أما الآن... فلم أعد أشعر إلا بتعبٍ ثقيل يرزح فوق صدري. ما أرعب اعتياد الإنسان. فليس ثمة ما هو أفجع من أن يصبح الألم مألوفًا، حتى يغدو مشهدًا عابرًا لا يوقظ في القلب رجفةً ولا في النفس فزعًا. أدرتُ ظهري، ومضيت إلى المطبخ، سأعدُّ كوبًا من الشاي؛ فلعل دفأه يسكّن شيئًا من هذا الصداع الذي يكاد يفلق هامتي. تناولتُ الكوب، وسكبتُ فيه الماء المغلي، ثم استدرتُ لأتناول علبة الشاي... فتيبست أطرافي. كان ديان يقف خلفي. شهقتُ لا إراديًا، واضعًا يدي على صدري: "يا إلهي... أفزعتني يا ديان! ماذا تفعل هنا؟" لم أسمع له وقعَ قدم، ولا حفيفَ حركة، كأنه انبثق من العدم. تأملتُ وجهه. أترى انقشع عنه الصداع؟ غريب...لم أُعطه دواءه بعد. وفي غمرة اضطرابي، انسكب الماء المغلي على ظاهر يدي. "آخ..." سحبتها بعجلة، وقد لسعتها الحرارة حتى احمرّ جلدها. ابتسمتُ في داخلي ابتسامةً مريرة. لعلها عقوبةٌ أستحقها على تأخري، وعلى تركه يواجه ألمه وحيدًا. تنهدت، ثم هممتُ بتجاوزه قائلًا بصوتٍ حاولتُ أن أجعله هادئًا: "انتظر هنا... سأجلب دواءك، ثم أعود." لكنني ما إن هممتُ بالابتعاد حتى انغلقت أصابعه حول معصمي، فتوقفتُ. كانت قبضته قويةً على غير عادته، وما لبثت أن أخذت تشتد شيئًا فشيئًا، حتى شعرتُ بأن عظام يدي توشك أن تتصدع. قال بصوتٍ خافت، أجشّ، لا يشبه صوته: "لا...لا أحتاج إليه." رفعتُ بصري إليه ببطء، وانقبض قلبي. ما الذي يحدث...؟ هذا...لا يمكن أن يكون ديان. كانت عيناه غائمتين على نحوٍ مقلق، خاليتين من أي بريقٍ أعرفه، وأما تلك النظرة... تنهدتُ أحاول التقاط أنفاسي عبثًا، لكن الهواء بدا وكأنه قد مُحي من الوجود. كنتُ ألهث بلا جدوى، وصَدري يضيق حتى خُيِّل إليَّ أن رئتَيَّ قد نسيتا كيف تتنفسان. لم تمضِ سوى ثوانٍ معدودة حتى دوَّى خلفي ارتطامٌ عنيف. انهالت القبضات على الباب بلا هوادة، ضرباتٌ متلاحقة تهزُّ الخشب بعنف، كأن صاحبها عازمٌ على اقتلاعه من جذوره. ازداد ارتجاف جسدي، وتضاعف الرعب في صدري، وانحدرت قطرات العرق البارد على وجهي ورقبتي. خانتني ساقاي أخيرًا، فلم تعودا تقويان على حملي، فسقطت أرضًا مستندًا إلى الباب الذي لم يكف عن الاهتزاز تحت وطأة الضربات. تبًّا... تبًّا... تبًّا! لِمَ لا أستطيع التخلص منه؟ رغم أنه... قطع أفكاري صوته القادم من خلف الباب، هادئًا على نحوٍ يناقض ما يعتمل في داخلي. "سوان... ماذا تفعل؟" ثم أعقبه صوتٌ آخر: "سوان... افتح الباب." و بعد لحظة: "سوان... لماذا أغلقته؟!" ضممتُ نفسي بذراعين مرتجفتين، أحاول عبثًا أن أهدأ، لكن الخوف كان قد ابتلعني بالكامل. أنا... خائف. وفي النهاية، ما أنا إلا جبانٌ ضعيف، عاجزٌ عن مواجهة أشباح ماضيه... رغم أنني بلغت السابعة والعشرين. لم يتوقف جسدي عن الارتعاش، ولم يتباطأ خفقان قلبي، وكأن الرعب قد استولى على كل خليةٍ فيَّ. ثم انفجر صوتي، كنت أصرخ، ولم أدرك أنني أفعل ذلك إلا بعدما بحّ صوتي. "اخرج... اخرج! اخرج! اخرج!" ارتد صدى صوتي في أرجاء المكان، لكنني لم أستطع التوقف. "اخرج من عقلي! لقد متَّ... ومع ذلك ما زلت تلاحقنا! ليتني أحرقت قبرك... ليته احترق، كما أحرقتَ أعوام عمري!"
24 مشاهدة · هل استمتعت بالسلسلة؟ اشترك وادعم مبدعها!
كن أول من يعلق!