

.♡.1.♡. مُنذُ هرَبَ مِن المنزِل غمرَهُ العطفُ مِن كُلِّ جانِب، التقى بداميان الذي آواه، التقى بالمُتطوِّعات اللاتي بدونَ في البداية كالأشباح، كُنَّ يعبُرنه وهو يعبُرُهن دُونَ أن يُعِيرَ أدنى انتباهٍ لوجُودِهن كما لم يأبهنَ لوجودِه فهو ضيفٌ مُؤقَّت إلى حِينِ مجيءِ والِديه. لكِن مع الوقت بدأ يتعرَّفُ إليهِن خاصَّةً فيونا التي تمكنَت بطريقةٍ ما مِن جعلِه يُغادِرُ فُقَّاعةَ الصمتِ التي اتَّخذها لنفسِه، كانت لطيفةً معه كذلكَ كانت بقيَّةُ النِّساء عدا سينا التي كانت تنظُرُ نحوه بعدَمِ رِضا. وكم كانت مُحِقَّة، هو محضُ دخيل على صفاءِ حياتِهم، وُجودُه غيرُ مرغُوب وهو يأخُذُ مِن عواطِفهِم دونَ تجاوُب، كيفَ يُعطِي شيئًا لا يملِكُه؟ و رُغمِ خِذلانِ والِديه إلَّا أنَّهُ كانَ ينتظِرُهما، كانَ يحضُرُ المدرَسة على أملِ أن يأتيا إلى هُنا كي يسألا عنه، كي يبحثا عنه، لكن مع كُلِّ يومٍ يمُر، يستحيلُ أملُه إلى عدَم. توقَّفَ للحظة أمامَ مدخَلِ القصر ووجَدَ والِدَتَهُ بإنتظارِه، بعينينِ تفيضانِ قلقًا، قلقًا عليه! «لي!» ابتلعَ لي رِيقَه وخطى نحوها خُطواتٍ مُرتجِفة لتختصِرَ عليه فتركُضَ إليه و تضمَّهُ إليها. كُلُّ الأصواتِ حِينها اختفَت، قاومَ ارتجافةَ يدِه ورفعَ ذِراعِيه وأحاطَ ذراعيها وأغمضَ عينيه، كي تدومَ هذهِ اللحظة لأطوَلِ فترةٍ مُمكِنة محفورَةً بأعماقِ رُوحِه، دِفئٌ لم يسبِق لهُ مثيل، وحنان، حنانٌ فائِضٌ دُون انتهاء، أرادَ أن يعيشَ في هذا الحُضن حتى نهايةِ عُمرِه. «ذلكَ هو، ذلكَ الرَّجُلُ الذي خطفَ إبني!» حِينها فتحَ عينيه عائِدًا إلى الواقِع ليلتفِت حيثُ أشارَت والِدَتُه، حيثُ يقِفُ داميان وحولَهُ بعضُ مُتطوِّعاتُه. أرادَ أن يتكلَّم، أن يُدافِعَ عنه: لا، يا أُمِّي، إنِّهُ__ لكِن حِينها أشارَ لهُ داميان بالصمت، فابتلعَ رِيقه، بينما يُساقُ إلى الخارِج كانت الشُرطة تُقيد يدي داميان، أشاحَ وجههُ بألم لتُطمئِنه والِدَتُه بأن ضغطَت على يدِهِ بخِفَّة: لا تقلق، لن يُؤذيكَ بعدَ الأن. هو لم يُؤذِهِ قط، بل فتحَ لهُ أبوابَ الشِفاء. .♡.2.♡. حِينما خرجا استوقفهُما أحدُ أفراد الشُرطة: المعذِرة يا سيدة هوانغ، سأُحِبُّ سُؤالَ ابنِكِ بعضَ الأسئِلة. ضغطَت والِدتُه على يدِه: بالطبع، لكِن ماذا يُمكِن لطِفلٍ بالثانيةَ عشَر مُساعدتُكَ فيه؟ أخرجَ الشُرطي قلمه الضَّاغِط ودفتَرَ ملاحظاتِه: هذا ما سنعرِفُ بشأنِه. ثُمَّ نظرَ نحو لي فضغطَ بدورِه على يدِ والِدَتِه: ما أسمُ الرجُلِ الذي خطفَك؟! لي: هو لم__ ليُوقِفَ نفسهُ حِينئِذ، والِداه يعتقِدان بأنَّهُ تمَّ اختطافُه وليسَ كونُهُ هرَب، لذلكَ أوقفهُ داميان عن الكلامِ لحظتها، لقد ضحَّى بسُمعتِه لأجلِه: يُدعى روميرو دان. ذلكَ الإسمُ المُستعار الذي احتمى بِه مِن أعدائه الذينَ غدروا بِه و علَّ أسماءَ مُتطوِّعاتِه في الواقِع مُختلِفَةٌ عمَّا في القصر، حيثُ يكونونَ بطبيعتِهم. الشُرطِي: روميرو ذاك، هل آذاك؟! أو تعرَّضَ لكَ بالسُّوء؟ لاحظَ شُحوبَ والِدَتِه فهزَّ رأسهُ نافياً: لا، أبدًا. الشُرطي: ماذا عن خدَمِه؟! هل أذوك؟ لي: لا. أغلقَ الشُرطِيُّ مُذكِرَته: حسنًا، انتهى الإستجواب. و غادَر. حِينها التفتت والِدَتُه نحوه: هيا يا بُني، والِدُك بإنتظارِنا. تنهَّدَ بأسى، عُنفُ أبيه وإهمالُ والِدَتِه هو ما جرَفَهُ إلى هذا الحد، ما جرَفَهُ ليُلقى بريءٌ بالسِجن ذنبُهُ أنَّهُ كانَ طيِّبًا بما فيه الكِفاية كي يُشفِقَ عليه، كريمًا بما فيهِ الكِفاية كي يمنحَهُ غُرفةً بمنزِله، و مكانًا بينَ عائِلتِه. .♡.3.♡. كانَ والِده مُستنِدًا على سيَّارَتِه بظهرِه وعيناه على ساعتِه حتى حطَّت عيناهُ عليهِما: تأخرتِ. أجابته: أحدُ أفرادِ الشُرطةُ استوقفَنا. بدَت ملامِحُه ساكِنه حتى حطَّت عيناهُ عليه فاتسعتا: اصعدا السيَّارة. صعِدا السيَّارة و بدأت بالمسِير والقصرُ الأسوَد يتلاشى عن نظَرِه، وداعٌ دُونَ رجعه، سيشتاقُ إليهِ وإلى من فيه. استمرَّ الطرِيق حتى وصلوا قريبًا إلى المنزِل لكِنَّ والِدَه قد تجاوزه ليسأله بدهشةٍ وحِيرة: إلى أينَ سنذهب؟! ابتسَمَ والِدُه بعينينِ تفيضانِ بالشرر: سنذهبُ لسن ستار. انتفضَ قلبُه: لِم؟! لِم سنذهبُ إلى هُنا؟ اتسعَت ابتسامتُه: لرُؤيةِ والِدي يان هوانغ فهو يُريدُ مُقابلتَك. و مع إجابةِ أبيه، توقَّفَ عن السؤال ظاهِريًّا. ماذا يُريدُ منهُ جدُّه؟ .♡.4.♡. كانَ مُستلقِيًا على جِدارِ زِنزانَتِه، لا فرقَ بينها وبينَ زنزانةِ طفولَتِه، سوداءُ ورمادية، مِن نوافِذها الضيِّقه يُضيء وجهُ الحُرِيَّة ليستفزِّك بإستحالةِ حُصولِها. مضى يومٌ كامِلٌ وهو يُحدِّقُ بسقفِ الزِنزانة الفارِغ يُخِيَّلُ إليهِ الماضِي، عِندما حكمَ والِدُه ما تحتَ الأرض وأقامَ سُلطَتَهُ فيها، رأى قسوته رأى أتباعهُ وجُنوده يموتون لأجلِه وبسببِه وأقسم بأنَّهُ لن يكونَ مِثله، عِندما وصلهُ خبرُ مقتَلِ أبيه كانَ بالخامِسةِ والعِشرين حِينَ إذ، تركَ حُلمه باستكمالَ دِراساتِه العُليا وأخذَ مقالِيدَ سُلطَةِ أبيه وكسرَها و قرر أن يحكُمَ بطريقتِه، لا عِقاب بل تسريح، المشاكِل ستُحلُّ بطريقةٍ سِلمية بدَلَ سفكِ الدِّماءِ البائِس ذاك، ومن يعترِض فلديهِ طريقتُه لإقناعِه ومن يُحاوِلُ التعرُّضَ عليه بالأذى قولًا أو فِعلًا فسيضمَن بأن يسكُتَ إلى الأبد. الأمورُ كانت تجري على ما يُرام لخمسَةِ أعوامٍ أُخَر، صحيحٌ أن التحسُّنَ كانَ بطيئًا، و كانَ محَطَّ سُخريةٍ لمن حولَه، لدرجةِ أنَّ فريقاً مِن عِصابتِه كانَ ضِدَّ طريقةِ حُكمِه ومِن بينِهم زِيلفا اليدُ اليمين لأبيه الراحِل، وكانَ يُقنِعُها دائِماً باللِّين فتبتسِمُ بوجهِه فيظُنُّ نفسهُ أقنعها بحُجَّتِه. كم كانَ غبيًّا لأنَّهُ توقَّعَ خيرًا مِنهُم، إنَّ من عاشَ على سفكِ الدِّماء يستحِيلُ أن يجِدَ السلامَ بحقنِها. أخذُوا زوجته، أحرقُوا المأوى الذي خصصهُ للنِّساءِ معها، كُنَّ وقتها خمسةً وثلاثِينَ امرأة، لكِنَّ إحداهُنَّ هربَت بزوجَتِه الحامِل بعيدًا عن عيني زيلفا. كانوا يهربون من منطقةٍ إلى أُخرى سعيًا للوصول إلى هُنا، وتضليل أعدائهم بحركتِهم الدَّائمة من منطقةٍ إلى أُخرى. هذا القصر هو أحدُ الأماكِن التي يومًا عاهدَ أثينا بأنَّهُ عندما يتخرَّج سيهربُ بها مع مُتطوِّعاتِها إليه، سيعيشونَ حياةً هادِئة بعيدًا عن تاريخهِ الدَّامي، سيصنعُ لهُن هويَّاتٍ أخرى ويفتحُ لهُنَّ بداياتٍ جديدة. وعندما استقرُّوا هُنا أخيرًا، وصلهُ خبرٌ بأنَّ ساندرا، المرأةُ التي هربَت مع زوجتِه تِلكَ الليلة قد ماتت مع زوجِها بحادِثٍ قبلَ عامِين وعندما ظنَّ بأنَّهُ قد أضاع دليلُهُ الوحِيد لزوجَتِه، صدفَ بأن يكونَ جارُه هو ابنها الأكبَر، وعزَمَ سؤالَهُ عنها، كانَ الأملُ يتضخَّمُ به حتى قطعته سينا. كانت سينا قد استوقفته بوجهٍ مُحمَر وعينينِ تفيضانِ بالدُّموع، وشيءٌ بدا له مثلَ اليأس: لا فائِدة. اقترَبَ نحوها بذُهول، سينا نادِرًا ما تبكي، لطالما كانت أقوى مِن الدمع رُغمَ الخسارات التي قاسوها والأن حتى الدمع غلَبها: ماذا حدَث؟! و كم كانَ يخشى بأن تُحطِّمه الإجابة وقد فعلَت، حطَّمتهُ جِدًّا! «لقد رحلَت، زارتني بالحُلم، لقد رحلَت إلى الأبد.» كانت الأرضُ قد دارَت به وأسقطتهُ وكم تمنَّى اقتلاعَ قلبِه فينزِف وينزِف حتى اللارجعة، حتى الموت. لكِنَّهُ لم يستطِع الموت، مهما تمنَّى فسينا تحتاجُه، مُتطوِّعاتُه يحتجنه، يجِبُ أن يكونَ قويًّا، لأجلِها، لأجلِهِن. عادَ إلى الواقِع على صوتِ جلجلَةِ المفاتِيح ليجِدَ سينا أمامه، اتسعَت أحداقُه، وقبلَ أن ينهضَ من مكانِه: سينا، ماذا تفعلِي__ صفعةٌ قطعَت سُؤاله: هذا على كذِبِك علي. لمسَ خدَّه بعدَمِ تصدِيق: كِذبتِي؟! رمقتهُ بغضَب وغادَرَت الزنزانة ليتبعها ويُمسِكَ بيدِها: ماذا تعنِين بكذِبي عليك؟! نفضَت يدَها بغضَب، وهمسَت بصوتٍ يُشبِحُ الفحيح: أخفِض صوتَك. ابتلَع ريقَه، قبلَ أن يأتي حارِسُ الزِّنزانة يأمُره بتوقيعِ إسمِه بأنَّهُ خرجَ بكفالة. من بعدِها غادرا المقر، وعندما ابتعدا بما فيه الكِفاية سألها: هل لي أن أعلمَ الآن ما كذبتُ بشأنِه؟ التفتت نحوهُ بحِدَّة وضمَّت ذِراعيها ترمُقه بنفور: أحقًّا لا تعلَم؟ «لا، لا أعلم.» قهقهَت بمرارة قبلَ أن تقولَ ساخِرة: لا تعلم؟ لا تعلمُ بأنَّكَ أبقيتَ الفتى في القصر لكونِ وجودِه سيُدِرُّ علينا بالفائِدة، لكِنَّكَ مع أوَّلِ فُرصةٍ واتتكَ لإبعادِه اتَّخذتها. داميان بحِنق: أيُغضِبُك أنَّني أعدتُ الفتى إلى والِديه؟ ضحِكَت: والِديه! ليسَ الجمِيعُ طيِّبًا مِثلَك يا داميان، ما الذي قد يدفعُ صبيًّا للهرَبِ مِن المنزِل؟! سكتَ داميان، أتظُنُّ أنَّ الأمرَ غابَ عن بالِه؟ لكِنَّ القلق والخوف الذي رآه بوجهِ والِدَتِه جعلهُ يترُكه: أنتِ لم تُحِبِّي تواجُدَ لي ليسَ لكونِهِ بِلا فائِدة، بل لأنَّهُ كان يُذكِرُك بنفسِك__ سينا: هذا ليس__ داميان: كُنتِ تعلمِينَ أيضًا بأنَّني أكذِبُ عليكِ مُنذُ البداية، أليسَ كذلك؟ سينا: لا، اعتقدتُكَ تخلِّيتَ عن مبادِئِك القميئَةِ تِلك. داميان: أنتِ لم تُحِبِّي الأمر عِندما كانَ شقيقُكِ يستغِلُّك لأغراضِه الدَّنيئة و يُزوِّجَك بالإجبار لأيِّ رجُلٍ غنيٍّ ليأكُل مُهرَك. شحُبَ وجهُها حِينئِذ ليُكمِل: لم تُحِبِّي أن يستغلَّكِ أحد فلِما الأمرُ مُختلِف عِند لي. سينا: لأنَّكَ لستَ عائِلته... داميان: لا فرق بينَ هذا وذاك، كِلاهُما استغلال. سينا: لا، مِن الوالِدان الأمرُ مُختلِف إنَّهُ أشبهُ بأن يخونَكَ دمُك، وهو والِداه لقد كانا__ داميان: والِدَتُه كانت خائِفةً عليهِ للغايةِ لدرجةِ أنَّها لم تتوانى بإلقائي بالسِّجن بمُجرَّدِ فِكرةِ وجودِ ابنِها في بيتي واحتمالية اختطافي له. سينا: أنت لا تفهم... أليسَ كذلك؟ عقدَ داميان ذِراعيه: سأفهم عِندما تتوقفِين عن الحديثِ بالألغاز. سكتت سينا للحظات: بحثتُ بشأنِ لي هوانغ ذاك، عِندما رحلا سألتُ بعضَ الأشخاص عن موقعِ منزِلهم بحُجةِ كونِي صديقةً قديمة، وعِندما وصلتُ إلى المنزِل أخبرني أحدُ الجيران بأنَّهُما لم يعُودا من العمَلِ بعد، لذلكَ انتظرت لثلاثِ ساعاتٍ كامِلة دونَ نتيجة. داميان: وبعد؟ سينا: سألتُ عن مكانِ عمَلِ والِديه وتوجَّهتُ إلى مكانِ عملِ والِده، قالوا لي بأنَّهُ قد طُرِدَ مِن العمَل بسببِ كمِّ الدُّيونِ التي فشِلَ بسدادِها. حِينها تسلَّلَ الإدراكُ إليه: إذًا هُما__ و قبضَ يديه يكتُمُ غضَبه، لتتنهَّد: أجل هُما في سن ستار مع صُندوقِ الكنز. لاحظَت امتعاضَ ملامِحه فأدرَكَت ما ينوِي فِعله: إياكَ أن تذهَبَ يا داميان إن فعلت فسوفَ نلحَقُ بِك وأنتَ تعلَمُ تمامَ العِلم ما سيحصُل لنا ولك. كانت مُحِقَّة، و كم كرِهَ ذلك، كم كرِه أن لا يفعلَ شيئًا في الوقتِ الذي يتِمُّ استغلالُ روحٍ بريئةٍ كلي لمطامِع أبوِيه. كانَ يتذكَرُ وجههُ عِندما يطرُقُ بابَ الغُرفة يدعوهُ للعشاء، يلمَحُ سُفوحَ الدَّمعِ على وجنتيه فينقبِضُ قلبُه كأنَّ لا طِفلَ بكى قبله. بالأمس دخلَ السِجنَ بجريمةٍ لم يرتكِبها، لكِن لو عادَ لي بذاتِ الوجه فهو حقًّا سيختطِفُه لو عنى ذلك تخليصَهُ مِن سندانِ والِديه. .. يتبع ..

0 مشاهدة · هل استمتعت بالسلسلة؟ اشترك وادعم مبدعها!
كن أول من يعلق!