

لم أكن أعرف متى بدأ الأمر. متى أصبح اسمه أول شيء يخطر في بالي عندما أستيقظ، وآخر شيء أفكر فيه قبل أن أنام. ربما بعد العشاء. أو ربما قبل ذلك بقليل. في البداية، كنت أقول لنفسي إن الأمر مجرد فضول، وأنني أحاول معرفة الشخص الذي ظهر في حياتي فجأة. لكن الفضول لا يجعلك تبتسم عندما ترى اسم شخص على شاشة هاتفك. ولا يجعلك تعيد قراءة رسالة قصيرة عدة مرات، فقط لأنك أحببت الطريقة التي كتبها بها. وهذا بالضبط ما كنت أفعله. كان آسر يتصل بي أحيانًا، ويرسل لي رسائل في أوقات مختلفة من اليوم. لم تكن أحاديثنا دائمًا مهمة. أحيانًا كان يسألني عن يومي. وأحيانًا يخبرني عن شيء حدث معه. وأحيانًا لا نتحدث عن شيء محدد أصلًا، ومع ذلك كنت أجد نفسي لا أريد أن تنتهي المكالمة. بدأت أكتشف أشياء صغيرة عنه. كان يحب القهوة دون سكر. يكره الأماكن المزدحمة. لا يحب التحدث عن عائلته. وكان، بطريقة لم أتوقعها، يهتم بالتفاصيل الصغيرة. في أحد الأيام، أخبرته أنني لم أنم جيدًا بسبب العمل. وفي اليوم التالي، عندما اتصل بي، كان أول شيء قاله: "نمتِ جيدًا؟" ابتسمت دون قصد. "أنت تذكر؟" "أتذكر الأشياء التي تقولينها." لم أعرف ماذا أجيب. لذلك غيرت الموضوع. كنت أخاف من تلك اللحظات. ليس منه... بل من نفسي. كنت أشعر بأنني أسمح له بالاقتراب أكثر مما ينبغي. ومع ذلك، لم أبتعد. --- بعد أسابيع قليلة، أصبحت رؤيته جزءًا من أيامي. لم نعد نحتاج إلى سبب حتى نلتقي. أحيانًا كان يأتي إلى المقهى، وأحيانًا نلتقي في مكان آخر. وفي كل مرة كنت أراه فيها، كنت ألاحظ شيئًا جديدًا. طريقة نظرته عندما يفكر. حركة يده عندما يكون متوترًا. الصمت الذي يسبق بعض كلماته. حتى ابتسامته أصبحت مألوفة بالنسبة لي. وهذا أكثر ما أخافني. أن يصبح شخص غريب... مألوفًا إلى هذه الدرجة. في إحدى الأمسيات، كنا نجلس في مقهى صغير بعيدًا عن مكان عملي. وضعت كوب القهوة أمامي، ثم نظرت إليه. "لماذا أشعر أنك تخفي عني شيئًا؟" رفع حاجبه. "مثل ماذا؟" "لا أعرف." حركت الملعقة داخل الكوب. "أحيانًا أشعر أنك تعرف أشياء كثيرة عني، بينما أنا لا أعرف عنك إلا القليل." نظر إليّ للحظات. ثم ابتسم ابتسامة خفيفة. "إذن اسأليني." رفعت عيني إليه. "حسنًا." فكرت قليلًا. "هل أنت فعلًا غني لهذه الدرجة؟" ضحك. "هذا أول سؤال خطر في بالك؟" "طبعًا." ضحك مجددًا، ثم أخبرني عن عمله. لم أفهم كل التفاصيل، لكنني فهمت شيئًا واحدًا. كان عالمه مختلفًا عن عالمي تمامًا. الأماكن التي يذهب إليها. الأشخاص الذين يعرفهم. الأموال التي يتعامل معها. كل ذلك كان بعيدًا عن حياتي. شعرت للحظة أن المسافة بيننا أكبر مما كنت أريد الاعتراف به. لاحظ صمتي. "مايا؟" رفعت رأسي. "نعم؟" "أين ذهبتِ؟" ابتسمت ابتسامة صغيرة. "ولا مكان." لكنه لم يقتنع. "أنت تفكرين كثيرًا." ضحكت. "وأنت تلاحظ كثيرًا." نظر إليّ مباشرة. "لأنني أهتم." توقفت. تلك الكلمة وحدها كانت كافية لتجعل شيئًا بداخلي يرتجف. خفضت عيني إلى كوب القهوة. لم أعتد سماع مثل هذه الكلمات. ربما لهذا شعرت أنها أكبر مما يجب. --- في طريق عودتي إلى المنزل تلك الليلة، ظللت أفكر في حديثنا. كنت سعيدة. بشكل حقيقي. وهذا الشيء تحديدًا أخافني. لأنني بدأت أكتشف أنني لم أعد أخشى أن يرحل آسر من حياتي... بل أصبحت أخشى أن يرحل وأنا متعلقة به. كنت أعرف أن الأمر يحدث. وكنت أسمح له بالحدوث. حتى عندما كنت أقول لنفسي إنني يجب أن أتوقف. حتى عندما كنت أتذكر أننا من عالمين مختلفين. كنت أعود إليه في كل مرة. لأنه، بطريقة لم أفهمها، جعلني أشعر بالأمان. وهذا الشعور كان جديدًا عليّ. لم يكن آسر مجرد شخص أتحدث معه. كان الشخص الذي أبحث عنه عندما يكون يومي سيئًا. والشخص الذي أريد إخباره عندما يحدث لي شيء جميل. والشخص الذي، دون أن أشعر... بدأت أراه جزءًا من مستقبلي. وفي تلك الليلة، قبل أن أنام، وصلتني منه رسالة واحدة. "تصبحين على خير، مايا." ابتسمت وأنا أقرأها. ثم كتبت: "وأنت من أهله." وضعت الهاتف جانبًا. وأغمضت عيني. لم أكن أعرف أن بعض الذكريات لا تصبح مؤلمة لأنها كانت سيئة... بل لأنها كانت جميلة جدًا. وأحيانًا، يكون أجمل شيء في حياتنا هو نفسه الشيء الذي نتمنى لاحقًا لو أننا لم نلتقِ به أبدًا.ش
10 مشاهدة · هل استمتعت بالسلسلة؟ اشترك وادعم مبدعها!
كن أول من يعلق!