

أخبرته بمكاني، وما إن انتهيت حتى قال بصوت حازم: "ابقي مكانك." قطبت حاجبي وأنا أنظر حولي. "لماذا؟" "فقط لا تتحركي، سأصل إليك." وقبل أن أتمكن من سؤاله عن أي شيء آخر، انقطع الاتصال. بقيت واقفة في مكاني وأنا أحدق في الشاشة، أحاول أن أفهم ما يحدث. قبل دقائق فقط كنت أفكر في العشاء الذي وعدني به، وفي سبب اختفائه طوال المساء، أما الآن فقد أصبحت أقف وحدي في شارع هادئ، أراقب المارة وأتساءل إن كان أحدهم يراقبني. لم أحب ذلك الشعور. حاولت أن أتصرف وكأن شيئًا لم يحدث، لكن عينيّ ظلتا تتحركان بين الوجوه من حولي. كل شخص يمر بجانبي كان يجعلني أرفع رأسي، وكل سيارة تبطئ بالقرب مني كانت تلفت انتباهي. ثم سمعت صوت خطوات خلفي. تجمدت. لم ألتفت. تذكرت كلماته: ابقَي مكانك. لكن الخطوات اقتربت. خطوة. ثم أخرى. شعرت بأن قلبي بدأ يخفق بسرعة، وحاولت أن أقنع نفسي بأنني أبالغ في الأمر، وأن الشخص خلفي ربما يسير في الاتجاه نفسه لا أكثر. ثم جاء صوت أعرفه. "مايا." استدرت بسرعة. كان آسر. توقفت أنفاسي للحظة، وشعرت براحة كبيرة لم أستطع إخفاءها. كان يرتدي معطفًا داكنًا فوق ملابسه، وشعره الأسود بدا أكثر فوضوية من المعتاد، وكأنه لم يهتم بمظهره وهو يخرج من مكانه مسرعًا. اقترب مني، ثم نظر حوله قبل أن يعيد عينيه إليّ. "هل أنتِ بخير؟" أومأت. "نعم." توقف أمامي للحظات، وكأنه يحاول التأكد بنفسه، ثم سأل: "هل حدث شيء آخر؟" ترددت. "لا." نظر إليّ بصمت. عرفت أنه لم يصدقني. أخرجت هاتفي وفتحت الرسالة أمامه. "هذه هي." قرأها، ولم يتغير تعبير وجهه، لكنني رأيت شيئًا في عينيه. شيئًا جعلني أعرف أنه يعرف. رفعت رأسي إليه. "من أرسلها؟" لم يجب. "آسر." ظل صامتًا. "كيف عرفت أنني سأستلم رسالة؟" رفع عينيه إليّ. "لأنني توقعت أن يحدث ذلك." شعرت بالارتباك. "ماذا يعني هذا؟" تنهد، ثم مرر يده على شعره قبل أن يقول: "يعني أن هناك أشخاصًا لا يريدونني أن أقترب منك." ضحكت بتوتر، لأنني لم أجد طريقة أخرى للتعامل مع الكلام الذي سمعته. "لكن لماذا؟ أنا لا أعرفك أصلًا." نظر إليّ طويلًا. "وهذا هو السبب." لم أفهم. "ماذا تقصد؟" اقترب خطوة، ثم خفض صوته. "كلما عرفتِ عني أكثر، أصبحتِ في خطر أكبر." شعرت بقلبي يهبط. "هل أنت في مشكلة؟" لم يجب. "آسر، أنا أسألك بجدية." "وأنا أجيبك بجدية." كانت عيناه ثابتتين عليّ، ولم أستطع أن أجد فيهما الشخص الذي عرفته خلال الأسابيع الماضية. كان هناك شيء آخر؛ شيء أكثر جدية، وأكثر ظلمة، وكأنني كنت أقف أمام جانب منه لم يسمح لي برؤيته من قبل. قلت بصوت خافت: "لماذا لم تخبرني من البداية؟" نظر بعيدًا للحظة. "لأنني لم أكن أريد أن أخيفك." "لكنني خائفة الآن." عاد بنظره إليّ. وللمرة الأولى، بدا عليه الندم. "أعرف." ساد الصمت بيننا. كنت أريد أن أغضب منه، أن أصرخ في وجهه وأسأله عن كل شيء أخفاه عني، لكنني عندما نظرت إلى عينيه، لم أستطع. ربما لأنني رأيت الخوف فيهما. أو ربما لأنني كنت أعرف أنني، رغم كل شيء، لا أريد أن أبتعد عنه. وهذا ما جعل الأمر أسوأ. قلت أخيرًا: "هل يجب أن أبتعد عنك؟" لم يجب مباشرة. كان يستطيع أن يقول نعم. كان يستطيع أن ينهي الأمر ببساطة، ويتركني أعود إلى حياتي كما كنت قبل أن أعرفه. لكنه لم يفعل. اكتفى بالنظر إليّ، ثم قال بهدوء: "لو كنت أريد منك أن تبتعدي، لما جئت." شعرت بشيء يعقد صدري. لم أعرف ماذا أقول. اقترب قليلًا، ثم قال: "سأوصلك إلى المنزل." هززت رأسي. مشينا معًا دون أن يتحدث أي منا. كنت أشعر بوجوده إلى جانبي، ومع ذلك لم أشعر بالأمان الذي اعتدته معه. هذه المرة، كان وجوده نفسه يحمل أسئلة كثيرة. وعندما وصلنا إلى السيارة، فتح لي الباب. قبل أن أركب، توقفت ونظرت إليه. "آسر." "نعم؟" "هل هناك شيء آخر لا أعرفه؟" بقي ينظر إليّ. ثم قال: "أكثر مما تتخيلين." شعرت بقشعريرة تسري في جسدي. ركبت السيارة دون أن أقول شيئًا آخر. وفي الطريق، بقيت أراقب انعكاس وجهه في زجاج النافذة، وأتساءل عن الرجل الذي ظننت أنني بدأت أعرفه. كنت قد وقعت في حب هدوئه. اهتمامه. طريقته في الاستماع إليّ. وذلك الشعور الغريب بالأمان الذي منحني إياه. لكنني بدأت أفهم الآن أنني لم أعرفه حقًا. وأن خلف ذلك الهدوء قصة كاملة أخفاها عني. قصة ربما كنت أفضل لو لم أعرفها أبدًا. وعندما توقفت السيارة أمام منزلي، التفت إليّ قبل أن أنزل. "مايا." نظرت إليه. "لا تردي على أي رقم مجهول." ترددت. "ولماذا؟" أجاب بعد لحظة: "لأن الرسالة الأولى لن تكون الأخيرة." نزلت من السيارة وأنا أشعر بأن كلماته أثقل من أن أتجاهلها. وقبل أن أغلق الباب، سمعته يناديني مرة أخرى. "مايا." التفت. كان ينظر إليّ بنظرة لم أفهمها. ثم قال: "مهما سمعتِ عني... لا تصدقي كل شيء." أغلقت الباب. وبقيت واقفة أمام المنزل أراقب السيارة وهي تبتعد. لم أكن أعرف وقتها أنني سأفهم معنى تلك الجملة قريبًا جدًا. وأن الحقيقة التي كان يحاول إخفاءها عني... ستصل إليّ بنفسها.
6 مشاهدة · هل استمتعت بالسلسلة؟ اشترك وادعم مبدعها!
كن أول من يعلق!