

لم تمرّ الليلة التالية بسهولة. كنت أراقب الساعة بين حين وآخر، وكأن عقاربها تتعمد إزعاجي. كلما اقترب الوقت من منتصف الليل، ازداد شعوري بالتوتر، وبدأت أتساءل إن كنت مستعدة فعلًا لسماع ما سيقوله آسر. كنت أريد الحقيقة. لكنني في الوقت نفسه كنت أخاف منها. في اليوم التالي، وصلتني منه رسالة قصيرة. "بعد انتهاء عملك، تعالي إلى المكان الذي التقينا فيه أول مرة." قرأت الرسالة أكثر من مرة. المقهى. المكان الذي بدأت فيه كل هذه الفوضى. أغلقت هاتفي وأنا أشعر بشيء غريب في صدري. هل كان اختيار المكان صدفة؟ لم أعتقد ذلك. --- عندما انتهى عملي، كان آسر ينتظرني في الخارج. كان واقفًا بجانب سيارته، مرتديًا ملابس بسيطة هذه المرة، لكن ملامحه كانت مختلفة. لم تكن ابتسامته موجودة، وعيناه بدتا أكثر إرهاقًا من المعتاد. اقتربت منه. "مرحبًا." نظر إليّ. "مرحبًا." صمتنا للحظات. ثم قلت: "قلت إنك ستخبرني." أومأ. "أعرف." فتح باب السيارة. "تعالي." جلست بجانبه، وانطلقنا دون أن نتحدث. لم أسأله إلى أين سنذهب. كنت أعرف أنه لن يخبرني قبل أن يصل إلى المكان الذي اختاره. وبعد حوالي عشرين دقيقة، توقفت السيارة أمام مبنى قديم هادئ. نظرت حولي باستغراب. "أين نحن؟" أطفأ المحرك. "هذا المكان كان ملكًا لعائلتي." نظرت إليه. "كان؟" أومأ. نزل من السيارة، وتبعته. دخلنا المبنى، وكان واضحًا أنه لم يُستخدم منذ فترة طويلة. الأثاث مغطى، والغبار يعلو بعض الأسطح، والجدران تحمل آثار الزمن. توقفت في منتصف الطريق. "لماذا أحضرتني إلى هنا؟" نظر إليّ. "لأن هذه هي البداية." شعرت بقشعريرة. جلس على أحد المقاعد، بينما بقيت واقفة أمامه. قال بعد لحظات: "قبل سنوات، حدث شيء غيّر عائلتي بالكامل." جلست أمامه. "ماذا حدث؟" خفض عينيه. "كنت في السابعة عشرة." توقفت. لم أقاطعه. "في ذلك الوقت، كنت أظن أن حياتي مثالية. كنت أعيش مع عائلتي، أذهب إلى المدرسة، وأفكر في الجامعة، ولم أكن أعتقد أن هناك شيئًا يمكن أن يغيّر كل ذلك." ابتسم ابتسامة حزينة. "كنت غبيًا." لم أعرف ماذا أقول. تابع: "في إحدى الليالي، حدث خلاف كبير داخل العائلة." رفع عينيه إليّ. "وبعدها اختفى شخص." "من؟" تردد. ثم قال: "أخي." اتسعت عيناي. لم يخبرني من قبل أن لديه أخًا. "ماذا حدث له؟" هز رأسه. "لا أعرف." ساد الصمت. كنت أنتظر المزيد، لكنه بقي ساكتًا. "آسر..." قال بهدوء: "بحثنا عنه طويلًا. الشرطة، المحامون، أشخاص من العائلة... الجميع حاول العثور عليه." "ولم تجدوه؟" "لا." كان صوته ثابتًا، لكنني رأيت الألم في عينيه. "بعدها بدأت المشاكل." "أي مشاكل؟" تنفس ببطء. "بدأت تصلنا تهديدات." تذكرت الرسالة. ابتعدي عنه. شعرت بقشعريرة. "هل لهذا علاقة بالرسالة التي وصلتني؟" لم يجب مباشرة. وهذا كان كافيًا. قلت: "إذن نعم." أومأ. "ربما." "ربما؟" رفع عينيه إليّ. "لا أعرف من أرسلها." "لكنهم يعرفونني." "نعم." "ويعرفون علاقتي بك." صمت. بدأت أشعر بالغضب. "إذن لماذا أبقيتني قريبة منك؟" نظر إليّ للحظات. ثم قال: "لأنني لم أستطع الابتعاد." توقفت. كانت الجملة بسيطة. لكنها أصابتني في مكان لم أكن مستعدة له. خفضت عيني. لم أعرف ماذا أقول. تابع بصوت أكثر هدوءًا: "في البداية، كنت أظن أنني أستطيع أن أتعامل مع الأمر وحدي. لكن عندما التقيت بكِ... تغير كل شيء." رفعت عيني إليه. كان ينظر إليّ بطريقة جعلتني أنسى للحظة كل الأسئلة التي كنت أريد طرحها. "أنتِ جعلتِ حياتي مختلفة." ابتلعت ريقي. "آسر..." رن هاتفه فجأة. تغير وجهه. نظر إلى الشاشة. ثم وقف بسرعة. "يجب أن نذهب." نهضت. "ماذا حدث؟" لم يجب. اقترب مني وأمسك بيدي ليقودني نحو الباب، ثم توقف فجأة. كان هناك صوت في الخارج. صوت سيارة توقفت أمام المبنى. نظر آسر نحو النافذة. ثم عاد إليّ. هذه المرة، لم يحاول إخفاء القلق في وجهه. "مايا، عندما نخرج، ابقي بجانبي." "لماذا؟" "فقط ثقي بي." لم أجب. لكنني تبعته. خرجنا من المبنى، وكان الشارع هادئًا بشكل مخيف. توقفت سيارة سوداء على الجانب الآخر. لم ينزل منها أحد. نظر آسر إليها لثوانٍ. ثم أمسك بيدي. قال بصوت منخفض: "لا تنظري إليها." شعرت بأن قلبي يخفق بقوة. "آسر..." "لا تنظري." لكنني نظرت. وفي اللحظة نفسها، تحركت السيارة مبتعدة. بقي آسر صامتًا. أما أنا، فلم أعد أعرف إن كنت أريد الحقيقة فعلًا. لأنني بدأت أفهم شيئًا واحدًا. المشكلة لم تكن أن آسر يخفي ماضيه عني. المشكلة أن ماضيه... كان قد بدأ يبحث عني أنا.
6 مشاهدة · هل استمتعت بالسلسلة؟ اشترك وادعم مبدعها!
كن أول من يعلق!