

لم ينتهِ أثر الأغنية بانتهاء اللحن. بل بدأ حينها. كثيرون صفقوا. كثيرون أثنوا على موهبة أميرة لورينفال. لكن ما بقي عالقًا في أذهان الحاضرين لم يكن جمال الصوت وحده. بل ذلك الشعور الغريب الذي تركته خلفها. كأنها لم تغنِّ لهم. بل أيقظت شيئًا نائمًا داخل كل واحد منهم. لثوانٍ طويلة بقي الصمت يخيّم على القاعة. ثم انفجرت التصفيقات. انحنت لاسينا بخجل. وشعرت أن أذنيها تحترقان من شدة الإحراج. "أتمنى أن تبتلعني الأرض الآن..." لكن الأرض لم تفعل. للأسف. بين الحضور وقف رجل مسن يراقبها باهتمام. كان يرتدي معطفًا أخضر داكنًا تتدلى منه عشرات الرموز الفضية. إنه: اللورد سيغفريد إيفار تأمل لاسينا طويلًا. ثم ابتسم ابتسامة صغيرة. وقال بصوت منخفض: "مثيرة للاهتمام..." على الطرف الآخر من القاعة... كانت هناك فتاة ذات شعر أسود قصير وعينين عسليتين. ترتدي زي الخادمات. لكن نظراتها لم تكن نظرات خادمة عادية. اسمها: سيلين راقبت لاسينا بإعجاب. ثم همست: "أشعر أننا سنصبح صديقتين." أما بالقرب من النوافذ الطويلة... فوقف رجل طويل القامة بشعر أسود وعيون حمراء داكنة. كان وجهه وسيمًا بطريقة تجعل الناس يتذكرونه بسهولة. اسمه: كايل أستور راقب لوكاس ثم ضحك. "لقد انتهيت." أجابه لوكاس دون أن ينظر إليه: "ماذا تقصد؟" "أنظر إلى نفسك." "أنظر ماذا؟" "أنت تنظر إليها منذ عشر دقائق." سكت لوكاس. ثم قال ببرود: "أنت تتخيل." ضحك كايل. ضحكة عالية أجبرت بعض النبلاء على الالتفات. "بالطبع." "وأنا أيضًا وريث العرش." في تلك الأثناء... كانت دالين ڤيرنوا تقترب من لاسينا. ابتسامتها مثالية. حركاتها مثالية. وصوتها... لطيف أكثر مما ينبغي. وذلك كان أول إنذار. انحنت قليلًا. "صاحبة السمو." ابتسمت لاسينا. "الآنسة ڤيرنوا." قالت دالين: "صوتك جميل للغاية." أجابت لاسينا بصدق: "شكرًا لكِ." ثم أضافت: "فستانك جميل أيضًا." تجمدت دالين لثانية. لم تتوقع ذلك. في العادة تبدأ الفتيات بالمنافسة فورًا. أما هذه؟ فقد مدحتها. ببساطة. ومن دون تصنع. وهذا جعل الأمر أسوأ. ابتسمت دالين. لكن داخلها بدأ شيء يشتعل. "لماذا هي هكذا؟" "لماذا لا أستطيع كرهها بسهولة؟" قبل أن تتمكن من الرد... اقتربت شخصية جديدة. رجل شاب ذو شعر فضي وعينين خضراوين. يحمل كتابًا حتى أثناء الحفلات. إنه: الأمير أدريان أريامور قال دون مقدمات: "هل صحيح أن أميرات لورينفال يستطعن التواصل مع الزهور؟" حدقت لاسينا فيه. حدق هو فيها. حدقت هي فيه مجددًا. ثم قالت: "ماذا؟" أجاب بجدية كاملة: "قرأت ذلك في كتاب." بعد ثوانٍ... انفجرت لاسينا ضاحكة. لأول مرة منذ وصولها إلى أريامور. ضحكة حقيقية. غير رسمية. غير محسوبة. حتى لوكاس التفت نحو الصوت. كانت تضحك وهي تحاول التوقف. لكنها تفشل. أما أدريان فظل واقفًا. مقتنعًا أن سؤاله منطقي. قال: "إذن لا تستطيعين؟" "لا أستطيع." "مؤسف." ثم غادر. ببساطة. عادت لاسينا للضحك. وللمرة الأولى... شعرت أن هذا القصر المخيف قد لا يكون مخيفًا إلى هذا الحد. لكنها لم تكن تعلم. أن خلف الجدران الرخامية... وخلف الموسيقى والابتسامات... كانت هناك أسرار قديمة بدأت تستيقظ. وفي مكان بعيد عن القاعة... أسفل القصر. في أعماق لم يزرها معظم النبلاء قط. وقف رجل يرتدي عباءة سوداء أمام باب حجري ضخم. باب يعود إلى زمن تأسيس الإمبراطورية. باب مغلق منذ مئات السنين. رفع الرجل يده. ووضع راحته على الرمز المنقوش في الوسط. فجأة... أضاء الرمز بلون بنفسجي. نفس لون عيني لاسينا. اتسعت عينا الرجل. ثم همس بصوت مرتجف: "لقد وصلت..." "وريثة أغنية النجوم وصلت أخيرًا." وفوقه مباشرة... كانت لاسينا تضحك مع الحاضرين دون أن تعلم. أن وجودها في أريامور... لم يكن صدفة أبدًا.
4 مشاهدة · هل استمتعت بالسلسلة؟ اشترك وادعم مبدعها!
كن أول من يعلق!