

"سوااان...! سوااان! أتسمعني؟! أجبني!" تسلل النداء إلى سمعي كأنه آتٍ من قاع عالمٍ بعيد، يتردد بين الضباب ثم يخبو، قبل أن يعود أكثر وضوحًا. أثقلت جفناي، ثم انفرجا ببطء. لم أرَ سوى السماء. سماءٍ شاحبةٍ ينهال منها المطر بلا رحمة، حتى بدت قطراته كأنها تسقط عليّ وحدي. شعرت بدفءٍ غريب يحتضن مؤخرة رأسي، دفءٍ لا يشبه دفء الحياة. رفعت يدي ببطء، وتحسست ما تحتي...وحين أبعدتها، كانت مخضبةً بالدم. تذكرت.. آخر الكلمات التي سمعتها من هي رين عبر الهاتف. ذلك الصوت المرتجف، وتلك الحقيقة التي حاول عقلي دفنها تحت طبقاتٍ من الوهم. إذا فأن ديان... لم يكن هنا. لم يعد هنا منذ شهر. لقد رحل منذ شهرٍ كامل... في ذلك الحادث. ابتسمت، ابتسامةً صغيرة، مريرة، منهكة. آه...لقد فهمت أخيرًا. ديان...مات. كل تلك الأيام، كل تلك الأحاديث... كل ذلك الدفء الذي ظننته عائدًا إليّ... لم يكن إلا محاولةً يائسة من عقلي لئلا يتركني وحيدًا أمام الفراغ. لقد كنت أعيش مع ذكرى... وأحادث غيابًا... لم يكن إلا عالمًا شيده عقلي فوق أنقاض الحقيقة. كذبةً ضخمة... كنت أنا أول من صدقها. لقد كنت أعيش مع شبحٍ صنعته ذاكرتي، وأحادث شخصًا لم يعد موجودًا، وأتشبث بيدٍ غادرتها الحياة منذ زمن. كم يبدو الإنسان مثيرًا للشفقة حين يعجز عن تقبل الفقد. ديان... ظل حبيس الماضي لأن عقله المريض لم يستطع تجاوزه. كان يعيش في زمنٍ لم يمت فيه والدي بعد، ويعيد المشاهد نفسها، ويحاول حمايتي في كل مرة، كأن الزمن توقف عند أكثر لحظاته رعبًا. أما أنا...فلم يكن لي عذر، لم يخدعني مرض، ولم تسلبني ذاكرتي، أنا من خدعت نفسي. أنا من شيد هذا الوهم حجرًا فوق حجر، ثم أغلق أبوابه بإحكام، واختبأ داخله كالطفل. لأنني كنت أجبن من أن أواجه الحقيقة. الحقيقة التي كانت تقف أمامي كل صباح، وتهمس في أذني بصوتٍ لا يرحم... أن ديان رحل. أنني لن أسمع صوته مرةً أخرى. لن يوقظني، لن يوبخني، لن ينتظر عودتي إلى المنزل. لن يضع الطعام أمامي وهو يتظاهر بالغضب. انتهى كل شيء... منذ شهر. لكنني رفضت أن ينتهي. رفضت أن أعيش في بيتٍ خالٍ منه. رفضت أن أعترف بأنني فقدت الرجل الذي كان أخًا، وأبًا، وملجأً، ووطنًا بأكمله. لم أكن أهرب من موته فحسب. بل كنت أهرب من ذنبي. ذلك الذنب الذي ينهشني كل ليلة، ويهمس لي بأن ديان مات لأنه اختار أن يحميني أنا. مات لأني فضلت العالم الخارجي عليه. بسببي...رحل. لو أنني لم أخرج ذلك اليوم... لو أنني بقيت إلى جواره قليلًا. لو أنني لم أفضّل الرحيل، ولم أترك تلك اللحظة تمر وكأن أمامنا عمرًا كاملًا لنلتقي بعدها... هل كان سيحدث كل هذا؟ تعلقت بهذه الفكرة كالغريق، أبحث فيها عن طريقٍ يعيدني إلى الماضي، عن لحظةٍ واحدة كان يمكن أن أغيرها، عن قرارٍ صغير كان بإمكانه أن ينقذه ولأنني كنت أضعف من أن أحمل هذا الإثم، صنعت عالمًا كاملًا أنكر فيه موته، وأقنعت نفسي بأنه ما زال حيًا، حتى غدوت أنا أيضًا أسير الماضي. يا للمفارقة... قضيت سنواتٍ أحاول أن أحرر ديان من سجنه... ولم أدرك أنني، بعد رحيله، بنيت لنفسي سجنًا أشد قسوة. سجنًا لا قضبان له...إلا الذكريات. ولا حارس فيه...إلا أنا. رغم أنني كنتُ أنا من أقام جنازته... أنا من وقفتُ أمام قبره، وأنا من استقبلتُ المعزّين، وأنا من سمعتُ كلمات المواساة التي لم تجد طريقها إلى قلبي...كيف نسيت كل ذلك؟ كيف استطاع عقلي أن يمحو الحقيقة بهذه السهولة؟ هه...يا للسخرية. حتى لحظة وداعه الأخيرة... حاولتُ أن أهرب منها. انحسر وقع المطر شيئًا فشيئًا، حتى سقطت آخر قطرة. وانفرجت السماء أخيرًا، كأنها فرغت من حدادها الطويل، فتسللت خيوط شمسٍ باهتة بين الغيوم، تمسح وجه الأرض في صمت. لكنها... لم تستطع أن تمسح ما خلّفه المطر. أخذ بصري يخبو، والعالم من حولي يذوب رويدًا رويدًا، حتى غدت الأصوات بعيدة، والوجوه بلا ملامح. وفي تلك اللحظة... فهمت. فهمت أخيرًا لماذا كنت أكره المطر طوال تلك السنوات. لم يكن كرهًا لبرودته، ولا لقطراته التي تثقل الطرقات، ولا للغيوم التي تحجب اتساع السماء. كنت أكرهه لأنه كان حاضرًا في كل لحظةٍ انتزع فيها مني شيء. تحته رحل أخي. وتحته وُلدت أسوأ أيامي. تحته انكسرت، وتحته حملت أوجاعًا لم أجد لها قبرًا أدفنها فيه. كان المطر شاهدًا على كل ما فقدته، وعلى كل مرةٍ وقفت فيها عاجزًا أمام ما لا يمكن تغييره. وحين كان ينتهي... حين تنقشع الغيوم ويعود العالم إلى هدوئه... لم يكن يعيد إليّ شيئًا. لم يكن يعيد ديان. لم يكن يعيد الأيام التي مضت، ولا الكلمات التي بقيت عالقةً في الحناجر، ولا اللحظات التي أضعتها وأنا أظن أن لدي وقتًا آخر. عندها أدركت...أنني لم أكن أكره المطر. كنت أكره ما يتركه المطر خلفه. ذلك الفراغ الذي لا تمتلئ مساحاته. ذلك الثقل الذي يستقر في القلب ولا يزول. ذلك الإحساس القاسي بأن العاصفة قد رحلت... لكن آثارها بقيت. ابتسمت. للمرة الأولى... لم تكن ابتسامتي سخريةً من قسوة العالم، ولا مرارةً من ذكرياتٍ أرهقتني، ولا استسلامًا لهزيمةٍ لا مفر منها. كانت ابتسامة شخصِ وصل إلى الحقيقة أخيرًا... لكن بعد أن خسر كل شيءٍ كان يمكن أن ينقذه. رفعت بصري نحو السماء التي بدأت تستعيد صفاءها، وهمست بصوتٍ خافت، وقد أثقلت الكلمات ما تبقى من أنفاسي: "إذن...هذا هو...ما تركه المطر." . . . ما تركه المطر... لم يكن سوى.. أنا.
30 مشاهدة · هل استمتعت بالسلسلة؟ اشترك وادعم مبدعها!
كن أول من يعلق!