

دفعتُ الباب بعنف، ووجهي متجهم، وقد هيأت نفسي لأن أوبخ الطارق دون رحمة، غير أن ملامحي ما لبثت أن لانَت ما إن وقع بصري على هيئةٍ أنثوية تقف خلف الباب....إنها هي رِين. كانت تقف تحت مظلةٍ سوداء، وفي يدها الأخرى حقيبة، وقد تناثرت على كتفيها قطرات المطر. انعقد حاجباي دهشةً. هي رِين...؟ ما الذي جاء بها إلى منزلي في مثل هذه الساعة؟ ارتسمت على شفتيها ابتسامةٌ رقيقة، ثم مدت إليّ ما كانت تحمله. "في الحقيقة... لقد نسيتَ حقيبتك وبعض مقتنياتك في المكتب اليوم، فرأيت أن أعيدها إليك. لديك الكثير من الأعمال، فخشيت أن تحتاجها. وأعتذر عن التأخر، لكن العاصفة كانت شديدة، ولم أستطع المغادرة حتى هدأت قليلًا." وقفتُ أحدق إليها في ذهول، وقد عقدت المفاجأة لساني، فلم أجد حتى كلمات الشكر. قطعت صمتي وهي تتأمل وجهي بقلق. "كيف حالك يا سوانغ جين؟ تبدو شاحبًا للغاية... وكنت متعبًا طوال اليوم." تلعثمت، ولم أدرِ لِمَ خانتني الكلمات في تلك اللحظة. وقبل أن أجيب، انساب من خلفي صوت ديان: "من الطارق يا سوان؟" تجمد الدم في عروقي. التفتُّ على عجل، فرأيته واقفًا في الممر، يحدق نحوي ببراءةٍ هادئة. لا... ليس الآن. ارتبكت أكثر، وأخذت الأكاذيب تتزاحم في رأسي. لم يعتد ديان أن يطرق بابنا أحد، وأقل ما أخشاه أن يساوره الشك... أو أن يتصرف بعنف. وفيما كنت أبحث بيأس عن مخرج، مالت رين برأسها قليلًا، محاولةً أن تنظر إلى داخل المنزل. "من تحدث يا سوانغ جين؟" خطوت نصف خطوة، حاجبًا المدخل بجسدي دون وعي، ثم التفت إلى ديان بسرعة، وقد خرج صوتي مضطربًا أكثر مما أردت: "إنها... إنها... معلمة... معلمة جاءت من المدرسة." وما إن انتهيت من كذبتي المرتبكة، حتى عقدت رين حاجبيها وقالت باستغراب: "مدرسة؟ أيُّ مدرسة؟" أغمضت عيني لبرهة. تبًّا... أما كان يمكنها أن تساير كذبتي مرةً واحدة؟ وقبل أن ألتقط أنفاسي، رأيت ديان يخطو خطوةً أخرى نحو الباب. انقبض قلبي بعنف. لا... أرجوك، لا تقترب أكثر. قطّب ديان حاجبيه، وارتسم القلق على ملامحه وهو يسأل على عجل: "معلمة؟ ولماذا جاءت إلى هنا؟ أوقعتَ نفسك في مشكلة يا سوان؟ هل حدث شيء؟" هززت رأسي بسرعة. "كلا، كلا... لا تقلق. إنها فقط جاءت لتسلمني درجاتي. عد إلى غرفتك يا ديان، سأنهي الحديث معها وألحق بك." ظل يرمقني بريبة، ثم قال في شيءٍ من الحزم الذي لا يفارق أوهامه: "لكنني وليُّ أمرك يا سوان." انقبض صدري. كيف أقنعه؟ وفي لحظةٍ لمعت في ذهني حيلة. ابتسمت ابتسامةً متكلفة وقلت: "إذن... ما رأيك أن تحضر لمعلمتي كوبًا من العصير؟ لا يصح أن نستقبل الضيوف دون ضيافة." وما إن سمع ذلك حتى تبدلت ملامحه، وكأنه تذكر واجبًا عظيمًا. هز رأسه معتذرًا في خجل: "أعتذر... لقد قصّرت في حق ضيفتنا." ثم أسرع نحو المطبخ. لم أزفر أنفاسي إلا بعدما ابتعد. أغلقت الباب خلفي بهدوء، ثم تقدمت خطوة إلى الخارج، كأنني أخشى أن يصل صوتنا إلى الداخل. رفعت رين بصرها إليّ، وقد ارتسم الاضطراب والحيرة على وجهها. "..من...من كنت تحدث.. يا سوانغ؟" أطرقت برأسي. كم كنت أتمنى ألا أصل إلى هذه اللحظة... لم أرد يومًا أن يعلم أحد بأمر ديان، ولا أن يرى العالم هشاشته التي أخفيها بكل ما أملك. لكن لم يعد للكتمان سبيل. تنهدت طويلًا، وأخذت أفرك مؤخرة عنقي في إرهاق، ثم قلت بصوتٍ خافت: "إنه... أخي." صمتُّ لحظة، كأن الاعتراف أثقل من أن يقال، ثم تابعت: "يعاني ذهانًا شديدًا، ولذلك اضطررت إلى الكذب وقلت إنك معلمتي. إنه... ما يزال يظن أنني طفلٌ في السابعة من عمري، يعيش في زمنٍ مضى، وكأن السنوات لم تمر عليه قط." رفعت بصري إليها، فتعلقت عيناي بملامحٍ لم أستطع تفسيرها. كان الذهول بادئًا على وجهها، يتخلله شيءٌ من الفزع، ثم ما لبث أن خفت شيئًا فشيئًا، حتى لانت ملامحها واستحال اضطرابها إلى نظرةٍ أثقلت صدري. ...أشفقةٌ هي؟ همست بصوتٍ يكاد يختنق: "سوانغ... منذ متى وأنت تعيش هكذا؟" عقدت حاجبي. ماذا تقصد بـ"هكذا"؟ أتقصد اعتنائي بديان؟ ولِمَ تهتم أصلًا؟ تبًّا... ما بال الناس يظنون أن من حقهم اقتحام ما أخفيه؟ أجبتها بفتور: "منذ ثماني سنوات... وأنا أعتني به." ثم أضفت، وقد اشتدت نبرتي قليلًا: "وأفضل ألّا يعلم أحدٌ بهذا الأمر." أطرقت برأسها، ثم قالت في تردد: "لكن... أنت تبدو منهكًا، لا بد أنك تحمل فوق طاقتك، و_" قاطعتها بحدةٍ خرجت أقسى مما أردت: "ليس من شأنك!" ساد الصمت بيننا. وقبل أن تنطق بسؤالٍ آخر، انتزعت الحقيبة من يدها برفقٍ يخالف جفاء كلماتي، وتمتمت بشكرٍ مقتضب، ثم استدرت على الفور، غير قادرٍ على احتمال نظرتها لحظةً أخرى. دخلت المنزل وأغلقت الباب خلفي بسرعة، كأنني أغلق معه الحديث كله. أسندت ظهري إلى الباب، وأطلقت زفرةً ثقيلة. تبًّا... ما كان ينبغي لهذا الحديث أن يحدث. كيف ستنظر إليّ بعد اليوم؟ هل ستعاملني بشفقة؟ وأي شيءٍ أبغض إلى نفسي من أن أُشفَق عليه؟ ابتعدت عن الباب متثاقل الخطى، فإذا بديان يخرج من المطبخ، لا يزال يحمل كوب العصير، وقد ارتسمت على وجهه الحيرة. "هل غادرت المعلمة؟" أومأت برأسي. "أجل... لقد غادرت." ثم أشرت إلى الكوب وقلت بهدوءٍ متعب: "أدخله إلى المطبخ يا ديان... أما أنا فسأخلد إلى النوم." ولم أنتظر ردَّه، بل مضيت إلى غرفتي، مثقلًا بما هو أشد وطأةً من التعب. حلَّ صباح اليوم التالي، وعدتُ إلى الشركة بوجهٍ لا يعرف سوى العبوس. كان ما جرى ليلة أمس أثقل من أن تمحوه ساعاتٌ قليلة من النوم، وما زالت تفاصيله عالقةً في ذهني كأنها وقعت قبل لحظات. ها أنا أعود إلى الدوامة ذاتها. عمل... ثم عمل... ثم عمل. لعلني أنال ترقيةً أخرى هذه المرة. ...فقط أرجو ألا أنهار قبل أن أصل إليها. وبينما كنت أشق طريقي إلى مكتبي، التقطت أذناي حديث اثنين من الموظفين عن اقتراب رأس السنة. آه... صحيح، لقد أوشك العام على الانقضاء. جلست إلى مكتبي، وفتحت الحاسوب، ثم انغمست في عملي حتى فرغت من جميع المهام الموكلة إليّ. والغريب أن العمل كان أخف من المعتاد. أحقًا خفّ العبء هذه المرة... أم أنني اعتدت حمل ما يفوق طاقتي حتى صار القليل يبدو هيّنًا؟ ترددت ضحكات الموظفين في أرجاء القسم، بينما نهضت متجهًا إلى مبرد المياه. وما إن عدت حتى استوقفني شيءٌ لم يكن على مكتبي قبل قليل. علبة طعام. وفوقها ورقة صغيرة، كُتب عليها بخطٍ أنيق: "وجبة سعيدة... واعتنِ بنفسك." عقدت حاجبي في استغراب. من...؟ رفعت رأسي أتفحص المكان، فوقعت عيناي على هي رين، وكانت تقف غير بعيد تتحدث مع إحدى زميلاتها. لا حاجة للسؤال، أنا واثق أنها هي. زفرت بضيق. أهو تعاطف؟ ...أم شفقة؟ كلاهما يثقل صدري بالقدر نفسه، لن أقبلها. لقد بدأ هذا الأمر يزعجني حقًا. وفي تلك اللحظة، دخل باك دوان سعيد إلى القسم بوجهٍ تعلوه البهجة، وصاح بصوتٍ مرتفع: "اليوم ستُصرف الرواتب!" ثم اتجه نحوي مباشرة، وألقى ذراعه فوق كتفي ضاحكًا: "هيه، ما رأيك أن تعزمنا جميعًا احتفالًا بالترقية؟" تصلبت ملامحي. أهو شعوري وحده... أم أنه يتعمد أن يذكر الترقية أمامي، وأنا الوحيد الذي لم ينلها؟ وفوق ذلك... يطلب مني أن أتكفل بعزيمة الجميع. أيحسبني مدير الشركة؟ تنهدت في ضيق، وأبعدت ذراعه عن كتفي بهدوءٍ جاف، ثم اتجهت نحو آلة الطباعة حاملًا بعض الأوراق، راغبًا في إنهاء الأمر بأسرع ما يمكن. وما إن وصلت، حتى وجدتها هناك... هي رين. كانت تطبع بعض الملفات، ولمحتني بطرف عينها قبل أن ترفع رأسها نحوي. رأيت أن الفرصة قد حانت لأضع حدًا لذلك الأمر. لم أكن بحاجة إلى شفقة أحد. وأنا أرتب الأوراق بين يدي، قلت دون أن أرفع بصري: "هي رين... بشأن صندوق الطعام الذي وضعته على مكتبي." التفتت إليّ بهدوء، وأومأت. "نعم؟" انعقد لساني، شرعت أرتب عباراتي في ذهني، لكن ما إن وقعت عيناي على وجهها حتى ترددت. بدا لي ما أزمع قوله ضربًا من الجفاء؛ فهي لم تُرِد إلا الخير، فكيف أقابل إحسانها بالرفض؟ ...لكنه ليس إحسانًا أريده. وما كدت أحسم أمري، حتى دوّى رنين الإشعارات من هاتفي وهاتفها في اللحظة نفسها. لم أعر هاتفي اهتمامًا، فأنا معتاد على رسائل تطالب بديونها، لكن هي رين أخرجت هاتفها أولًا، وما إن قرأت الرسالة حتى اتسعت إبتسامتها وقالت: "يبدو أن الرواتب قد أُودعت أخيرًا!" عندها فقط سارعت إلى فتح هاتفي. أخيرًا...لكن ما إن وقعت عيناي على الرقم حتى انعقدت أنفاسي. ...ما هذا؟ اتسعت عيناي، وبقيت أحدق في الشاشة غير مصدق. حتى إن هي رين اقتربت مني تستطلع سبب صدمتي. المبلغ... كان ضخمًا إلى حدٍ لا يُعقل. هذا ليس راتبي. كدت أظن أن البنك قد أخطأ في التحويل، ولم أكد أنبس ببنت شفة حتى اقتربت هي رين بخطوة، وقد لاحظت تبدل ملامحي، ثم ألقت نظرةً خاطفة على شاشة هاتفي، وقالت باستغراب ممزوج بالإعجاب: "واو... إنه مبلغ كبير، لكنه يبدو مناسبًا لمنصب المدير." استدرت إليها في بطء، وقد انعقدت الدهشة على وجهي. "...أيُّ مدير؟" رمشت بعينيها في حيرة، ثم قالت: "سوان... ألا تقل إنك نسيت؟ لقد تم تعيينك مديرًا منذ م-" ولم تُتِمَّ عبارتها، إذ قفز أحد الزملاء فجأةً على ظهري، حتى كدت أفقد توازني. كان دان. ضحك بصوتٍ عالٍ وهو يهتف: "واااه! مبلغٌ هائل! بما أنك مديرنا، فلا مفر من أن تعزمنا جميعًا! هيا، ما رأيك؟ ما رأيك؟" تجمدت في مكاني. مدير...؟ أأنا... المدير؟ ...عمَّ يتحدثون؟ تمهل، أيُعقل أن تكون قائمة الترقيات التي أُعلنت البارحة قد اشتملت على خطأ حقًا؟ إذًا...لقد رُقِّيت حقًا؟ بل... إلى منصب مدير؟ أنا... الذي لم أكن سوى موظفٍ عادي، أُثقل كاهلي بالعمل، وأمضي أيامي بين الملفات بصمت، أترقب فرصةً ظننتها لن تأتي أبدًا. استحال عليَّ استيعاب ما يحدث. كأن السنين الثماني بكل ما حملته من إرهاقٍ وخيبات، وما أثقلته على ظهري من مسؤوليات، انفرجت دفعةً واحدة. غمرتني سعادةٌ جارفة، أعظم من أن يحتملها صدري. واختنق نفسي. ثم خانتني عيناي. انسابت الدموع على وجنتيّ دون أن أستأذنها، حتى إنني لم أشعر بها إلا حين دوّى صوت دان ضاحكًا بين الحاضرين: "هيه! لا تقل إنك ستبكي لأنك ستعزمنا! ما هذا البخل يا سوانغ جين؟" لم أنبس بحرف. استدرت، وانطلقت مسرعًا نحو دورة المياه، أفرّ من نظراتهم قبل أن يروا ما عجزت عن إخفائه. دفعت الباب خلفي، واستندت بكلتا يدي إلى حافة المغسلة، ثم رفعت بصري إلى المرآة. مسحت دموعي. مرة...ثم أخرى... لكنها كانت تنهمر كلما محوتها، وكأن أعوام الكتمان كلها وجدت أخيرًا منفذًا للخروج. وفي المقابل، كانت ابتسامةٌ واسعة ترتسم على وجهي، ابتسامةٌ عجزت عن محوها مهما حاولت، إبتسامة مشرقةً على نحوٍ لم أعرفه منذ زمن. ضحكت ضحكةً واهنة، وأنا أحدق في صورتي المنعكسة. يا للعجب... كيف تبدلت الحياة كلها في لحظةٍ واحدة، بعد أن أيقنت أن لا شيء فيها سيتغير؟ بالأمس... كنت قد بلغت من اليأس مبلغًا لم أعد أرى بعده سوى الظلام. ولو أنني استسلمت لما راودني من أفكارٍ آنذاك، ولو أنني اتخذت قرارًا لا رجعة فيه......قرارًا أندم عليه أبد الدهر... لما شهدت هذه اللحظة. ولما علمت أن الفرج كان يطرق بابي، وأنا أظنه قد أوصد في وجهي إلى الأبد. أطرقت رأسي، وتركت دموعي تنساب كما شاءت. وانفرجت شفتاي عن ابتسامةٍ امتزجت بدموعٍ لم تكن هذه المرة دموع حزن. لا... لقد كنت سعيدًا حقًّا. سعيدًا... كما لم أكن منذ سنوات. تنفست بعمق، ثم مسحت آخر دمعةٍ علقت بوجنتي. انتهى الأمر...أخيرًا. سأسدد جميع ديوني. ولأول مرة منذ أعوام، لن أعيش مترقبًا آخر الشهر، ولا خائفًا من فاتورةٍ جديدة أو دواءٍ أعجز عن شرائه. بل... سيبقى لدي من المال ما يكفيني ويزيد. خرجت من دورة المياه، فإذا بوقت الدوام قد انقضى، غير أن الموظفين لم يكونوا على عجلةٍ من أمرهم. فقد اتفقوا على أن يخرجوا جميعًا للاحتفال، وما إن لمحوني حتى التفوا حولي يجرونني معهم، مصرّين على أن أكون بينهم. ولأول مرة في حياتي... لم أعتذر، ابتسمت، ووافقت.
19 مشاهدة · هل استمتعت بالسلسلة؟ اشترك وادعم مبدعها!
كن أول من يعلق!